2013-07-20

وخلق المكروه يوم الثلاثاء


وخلق المكروه يوم الثلاثاء  

الدكتور منصور أبو شريعة العبادي\جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية

 

من المتفق عليه بين المسلمين أن الله لم يتكفل بحفظ الأحاديث النبوية الشريفة كما تكفل بحفظ القرآن الكريم ولهذا فإنها معرضة لأن يزاد عليها أو ينقص منها أو أن يتم تبديل بعض كلماتها أو جملها وذلك بسبب تأخر تدوينها والاعتماد على الذاكرة في تناقلها بين الرواة. وهذا الأمر ينطبق حتى على بعض الأحاديث الصحيحة الإسناد كما نلاحظ ذلك في اختلاف متون الأحاديث الصحيحة المروية من طرق مختلفة. وعلى هذا فإن تضعيف الحديث بسبب حصول خلل ما في متن الحديث أثناء تناقل الرواة له لا يمنع الاستفادة من بعض الحقائق الواردة فيه إذا ما صح إسناده. ومن الأحاديث النبوية الشريفة التي دار الجدل كثيرا حول مدى صحتها وصحة ما جاء فيها من حقائق الحديث الذي سماه بعض العلماء حديث خلق العالم والذي رواه مسلم في صحيحه والإمام أحمد في مسنده عن الأحداث التي تمت خلال أيام الخلق. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال "خلق الله عز وجل التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل". وقد ضعف الإمام البخاري هذا الحديث لا لضعف في سنده بل بسبب تعارض بعض الحقائق الواردة في متنه مع صريح القرآن الكريم حيث حدد القرآن أيام الخلق بستة أيام بينما حددها هذا الحديث بسبعة أيام. وبسب تضعيف الإمام البخاري لهذا الحديث وتصحيح الإمام مسلم له فقد دار جدل طويل بين علماء المسلمين السابقين واللاحقين حول صحته فمنهم من ضعفه ومنهم من حسنه. ويمكن للقاريء المهتم بمعرفة حيثيات هذا الخلاف الرجوع إلى مقالة "حديث خلق العالم" بقلم الدكتور كارم السيد غنيم على موقع موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة. ولقد كان الإمام البخاري على حق في تضعيفه لهذا الحديث لتعارض إحدى الحقائق الواردة فيه مع الحقائق الواردة في القرآن الكريم  والمتعلقة بعدد أيام الخلق. ولكن هذا التضعيف بسبب هذا الخلل رغم صحة إسناد الحديث لا يمنع العلماء من الاستفادة من الحقائق الأخرى الواردة فيه ولا يمنعهم كذلك من البحث عن مكمن الخلل فيه. ومن الواضح أن راوي حديث خلق العالم قد زاد سهوا يوما على أيام الخلق الستة التي نص عليها القرآن الكريم ويعزو بعض العلماء هذا الخلط إلى قيام بعض من أسلم من علماء اليهود  بالاستشهاد بنصوص التوراة المتعلقة بأيام الخلق لتصديق ما جاء في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف. إن معرفة هذا اليوم الزائد لا يمكن أن يتم بالتفكير المجرد بل لا بد أن تستند إلى حقائق علمية ثابتة حول الأحداث التي مر بها خلق هذا الكون والتي لم يكتشفها البشر إلا في هذا العصر. وأعتقد أنه لو تم الطلب من العلماء القدامى أن يحددوا اليوم الزائد من أيام الخلق في هذا الحديث لكان من المرجح أن يختاروا اليوم الذي خلق الله فيه المكروه وذلك لسببين أولهما عدم فهمهم لمعنى هذا المكروه وثانيهما أن هذا المكروه لا يوجد ما يقابله في المخلوقات الواردة في أيام الخلق المذكورة في التوراة. وسنثبت من خلال الشرح التالي أن هذا "المكروه" الذي ذكر في حديث خلق العالم على أنه خلق من مخلوقات الله هو الذي سيثبت صحة هذا الحديث وليس العكس وسنثبت كذلك أن اليوم الذي يجب أن يحذف من متن الحديث لكي يتوافق مع الحقائق القرآنية هو اليوم الذي خلق الله فيه النور كما شرحت ذلك بالتفصيل في مقالة  بعنوان "أيام الخلق في التوراة والقرآن" على موقع موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.

لقد أكد القرآن الكريم على أن الله سبحانه وتعالى قد خلق السماوات والأرض وما بينهما من مخلوقات في ستة أيام وذلك في آيات كثيرة منها قوله تعالى "وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (38)" ق 38. وقد جاء القرآن الكريم بحقائق كثيرة عن تفصيل هذه الأيام وكذلك عن الحال الذي كان عليه الكون عند بداية خلقه والحال التي سيؤول إليها في نهاية أمره. ومن أهم الأيات التي بينت المدد الزمنية التي استغرقها خلق أهم مكونات هذا الكون هي قوله تعالى "قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12)" فصلت 9-12. فالمدة الزمنية التي مرت على الأرض منذ أن كانت في حالة الدخان إلى أن أخذت موقعها في مدار ثابت حول الشمس على شكل كرة ملساء ذات سطح شبه سائل تمثل اليومين اللذين خلق الله فيهما هذه الأرض الأولية. وهذان اليومان هما نفس اليومين اللذين خلق الله فيهما السموات السبع حيث أن عملية خلق السموات والأرض قد بدأت في نفس الوقت وصنعت من نفس الدخان الذي كان يملأ الفضاء الكوني.  ولقد حدد الله علامة بارزة  لنهاية يومي خلق الأرض الأولية وبداية الأيام الأربعة التي أكمل الله فيها تجهيز الأرض لتكون صالحة لظهور الحياة عليها وهذه العلامة هي بداية تكون الجبال. ومن الطبيعي أن تكون الجبال أول ما ظهر على سطح الأرض وبالتالي أول أحداث تهيئة الأرض فالأرض كانت قبل ذلك كرة ملساء وسطحها حار جدا وشبه سائل وهي تغلي وتفور بسبب الحرارة الشديدة التي في باطنها. واستمرت الأرض على هذا الحال إلى أن بدأت القشرة الأرضية الصلبة بالتكون بعد أن برد سطحها نتيجة لإشعاع حرارتها إلى الفضاء الخارجي. وعندما أصبح سمك القشرة الأرضية بالقدر الكافي بدأت المواد التي تقذف بها البراكين من جوف الأرض بالتراكم فوقه ليبدأ بذلك تكون الجبال. وكما هو واضح من هذه الآية فإن عملية تجهيز الأرض بعد أن استقرت في مدارها حول الشمس لتكون صالحة لظهور الحياة عليها استغرق أربعة أيام من أيام الله وهي من مثل الأيام التي خلق الله بها السموات والأرض بشكلها الأولي. وفي هذه الأيام الأربعة تكونت الجبال والقارات والمحيطات والبحيرات والأنهار وتشكل الغلاف الجوي الذي بدأ بحماية الأرض من بقايا الشهب التي كانت ترشق الأرض من الفضاء الخارجي. وبعد أن وفر الله  كل أسباب الحياة على هذه الأرض بدأت الحياة الأولية بالظهور عليها ومن ثم خلق الله النباتات والحيوانات ومن ثم خلق الله الإنسان في آخر ساعة من ساعات اليوم السادس من أيام الخلق كما جاء ذلك في حديث خلق العالم الذي نحن بصدد شرحه.

إن حديث خلق العالم يحدد الأحداث التي حصلت على الأرض فقط منذ نشأتها بينما حددت الآية القرآنية الواردة في سورة فصلت أهم أحداث خلق الكون ككل. ولقد جاء ترتيب خلق المخلوقات في هذا الحديث موافقا تماما للمدد الزمنية التي حددتها الآيات القرآنية ومتوافقا كذلك مع الترتيب الذي وضعه علماء الأحياء لأنواع الكائنات الحية وأزمان ظهورها على سطح الأرض ولكنه مختلف عن الترتيب المذكور في سفر التكوين ممّا ينفي أنه مأخوذ منه. لقد ذكر الحديث أن الله سبحانه وتعالى خلق التربة في أول أيام الخلق ومن الواضح أن المقصود بالتربة هي القشرة الأرضية فالأرض عند أول نشأتها كانت كرة ملساء وسطحها شبه سائل وبدأ هذا السطح بالتجمد بشكل تدريجي إلى أن أصبح من السماكة بحيث أمكنه حمل المواد التي تقذف بها البراكين من باطن الأرض المنصهر ولتبدأ بذلك عملية تكون الجبال التي ذكر الحديث أن الله خلقها في اليوم الثاني من أيام الخلق. أما الأحداث التي جرت في بقية أيام الخلق فهي تتعلق بخلق الأنواع الرئيسية للكائنات الحية وهي على التوالي الشجر والمكروه والدواب والإنسان. وإذا ما دققنا النظر في الحدث المتعلق بخلق النور في يوم الأربعاء نجد أن هذا الحدث أي خلق النور ليس له مكان في أيام الخلق وإذا ما استبعدناه من هذا الحديث فإن أيام الخلق فيه تصبح ستة أيام وهو ما يتوافق مع صريح القرآن. ومن المحتمل أن يكون اليوم الرابع الذي خلق الله فيه النور قد نقله الراوة بطريق الخطأ من نص التوراة إلى نص هذا الحديث النبوي خصوصا إذا ما علمنا أن بعض اليهود الذين أسلموا كانوا يستشهدون بنصوص التوراة للتدليل على صدق ما جاء به القرآن فاختلط الأمر بذلك على رواة الحديث النبوي. وقد جاء نص التوراة المتعلق بأحداث اليوم الرابع من أيام الخلق على النحو التالي: "وَقَالَ اللهُ: «لِتَكُنْ أَنْوَارٌ فِي جَلَدِ السَّمَاءِ لِتَفْصِلَ بَيْنَ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ، وَتَكُونَ لآيَاتٍ وَأَوْقَاتٍ وَأَيَّامٍ وَسِنِينٍ.  وَتَكُونَ أَنْوَارًا فِي جَلَدِ السَّمَاءِ لِتُنِيرَ عَلَى الأَرْضِ». وَكَانَ كَذلِكَ.  فَعَمِلَ اللهُ النُّورَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ: النُّورَ الأَكْبَرَ لِحُكْمِ النَّهَارِ، وَالنُّورَ الأَصْغَرَ لِحُكْمِ اللَّيْلِ، وَالنُّجُومَ.  وَجَعَلَهَا اللهُ فِي جَلَدِ السَّمَاءِ لِتُنِيرَ عَلَى الأَرْضِ، وَلِتَحْكُمَ عَلَى النَّهَارِ وَاللَّيْلِ، وَلِتَفْصِلَ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ. وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ.  وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا رَابِعًا.". ولقد ذكرنا في مقالة "أيام الخلق في التوراة والقرآن" أن أحداث اليوم الرابع كما وردت في التوراة غير صحيحة حيث قدم نص التوراة خلق النباتات بحميع أنواعها على  خلق الشمس مع العلم  بأنه لا يمكن للنباتات أن تعيش بدون الطاقة الشمسية وقدم كذلك خلق الأرض على خلق الشمس والقمر والنجوم وهذا ما لا يقبله العقل فلا وجود للأرض بدون الشمس فهي تمسك الأرض بجاذبيتها في مدار ثابت حولها وتمدها كذلك بالطاقة اللازمة للحياة عليها.       

لقد قسم هذا الحديث الكائنات الحية إلى ثلاثة أقسام وهي: النباتات (الشجر) والميكروبات (المكروه) والحيوانات (الدواب والإنسان) وقد جاء هذا التقسيم مطابقا تماما مع التصنيف الذي وضعه علماء الأحياء للكائنات حيث قسموها إلى ثلاثة أصناف رئيسية وهي: الكائنات المنتجة والمحللة والمستهلكة. فالكائنات المنتجة هي التي تقوم بتحويل المواد غير العضوية إلى مواد عضوية من خلال عملية التركيب الضوئي كالنباتات ومعظم أنواع الطحالب البحرية. وأما الكائنات المحللة كالبكتيريا والفطريات فهي التي تقوم بتحليل المواد العضوية الموجودة في فضلات ورمم الكائنات الحية وتحويلها إلى مواد غير عضوية يعاد استهلاكها من قبل الكائنات المنتجة. وأما الكائنات المستهلكة فهي التي تعتمد في غذائها على ما تنتجه النباتات والطحالب من مواد عضوية مختلفة وتشمل جميع أنواع حيوانات البر والبحر. ومن الواضح أن الكائنات المستهلكة والمحللة لا يمكن لها بأي حال من الأحوال أن تعيش على الأرض بدون وجود الكائنات المنتجة وذلك لعدم قدرتها على توفير الغذاء اللازم لها مباشرة من تراب الأرض  ولذا يجب أن تكون الطحالب والنباتات أول الكائنات الحية ظهورا على الأرض وهو ما أكده هذا الحديث الشريف. وبما أن عملية ظهور مختلف أنواع الكائنات الحية عملية بطيئة جدا كان لا بد من ظهور الكائنات المحللة (المكروه) بعد ظهور النباتات وقبل ظهور الكائنات المستهلكة (الحيوانات) وإلا لقامت النباتات مع مرور الزمن بتحويل جميع المواد غير العضوية المتوفرة في الطبيعة إلى مواد عضوية ولتوقفت الحياة على الأرض بسبب عدم وجود مواد خام جديدة.
أما الحيوانات البرية والبحرية فمن الطبيعي أن يتم خلقها بعد خلق النباتات والميكروبات حيث لا يمكنها العيش بدون النباتات التي توفر لها طعامها وكذلك بدون الميكروبات التي تعمل على تحليل المواد العضوية الموجودة في أجسام الحيوانات الميتة فتعيد بذلك المواد الخام إلى الطبيعة ليتم استهلاكها من جديد من قبل النباتات والطحالب. وعندما أشار الحديث الشريف إلى أن النباتات قد خلقت يوم الاثنين وأن الحيوانات قد خلقت يوم الخميس فهذا لا يعني أن جميع أنواع النباتات والحيوانات قد خلقت دفعة واحدة في بداية تلك الأيام  بل لا بد أن عملية خلقها قد تمت على مدى بقية أيام الخلق. إن أول أشكال النباتات قد بدأ خلقها في صباح يوم الاثنين والحيوانات البسيطة في صباح يوم الخميس ومن ثم بدأت النباتات والحيوانات الأكثر رقيا بالظهور بشكل تدريجي. ومن المنطقي أن يتم خلق الكائنات  الحية بشكل تدريجي حيث لا يمكن لبعض الكائنات أن تظهر قبل غيرها وذلك لاعتماد هذه الكائنات على بعضها البعض في غذائها.  فالحيوانات المفترسة آكلة اللحوم لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تظهر قبل الحيوانات آكلة النباتات كما أن الحيوانات آكلة النباتات لا يعقل أن تظهر قبل أن تظهر النباتات وهكذا لبقية الكائنات. وعند مقارنة تاريخ ظهور مختلف أنواع الكائنات الحية كما ورد في هذا الحديث النبوي مع التواريخ التقريبية التي حددها علماء الأحياء نجد أن هناك توافقا كبيرا بينهما فأول أشكال النباتات ظهرت في اليوم الثالث من أيام الخلق أيّ بعد انتهاء اليوميين الذين خلق الله فيهما الأرض الأولية وفي أول الأيام الأربعة التي هيأ الله فيها الأرض. وبما أن العلماء قد قدروا عمر الأرض بعد أن تصلبت قشرتها بأربعة آلاف وخمسمائة مليون سنة فإنه بامكاننا تقدير طول كل يوم من أيام التهيئة الأربعة والذي يزيد قليلا عن ألف مليون سنة. ويقول العلماء أن الكائنات الحية الأولية قد ظهرت على الأرض قبل ما يقرب من ثلاثة آلاف وخمسمائة مليون سنة وهي  الفترة التي تمثل اليوم الأول من أيام التهيئة الأربعة التي وردت في الآية القرآنية واليوم الثالث من أيام الخلق الذي يمتد ما بين أربعة وثلاثة آلاف مليون سنة. أما البكتيريا فقد ظهرت في فترة لاحقة لظهور الطحالب حيث أنها على عكس الطحالب غير قادرة على تأمين ما تحتاج إليه من مواد عضوية مباشرة من العناصر الطبيعية كما تفعل ذلك الطحالب من خلال عملية التمثيل الضوئي. ويحدد الحديث الشريف فترة ظهور الميكروبات أو ما سماه بالمكروه في اليوم الثاني من أيام التهيئة واليوم الرابع من أيام خلق الكون الذي يمتد ما بين ثلاثة آلاف وألفي  مليون سنة. أما أبسط أشكال الحيوانات فقد ظهرت في اليوم الثالث من أيام التهيئة واليوم الخامس من أيام الخلق وذلك بعد أن استقرت دورة النظام البيئي بوجود كل من الكائنات المنتجة وهي النباتات والكائنات المحللة وهي الميكروبات. وقد جاءت جملة بث فيها الدواب الواردة في الحديث الشريف معبرة تمام التعبير عن ما اكتشفه علماء الأحياء من أن ظهورا مفاجئا لأنواع مختلفة من الكائنات الحية قد حدث في بداية العصر الكامبري قبل ما يقرب من ستمائة مليون سنة أيّ في اليوم الرابع من أيام التهيئة واليوم الأخير من أيام الخلق. أما الإنسان وهو آخر الكائنات الحية ظهورا على الأرض فقد حدد الحديث الشريف فترة ظهوره في آخر ساعة من ساعات آخر يوم من أيام الخلق وهو يوم الجمعة. ومما يؤكد أيضا على أن حديث خلق العالم غير مأخوذ من التوراة هو أن الحديث قد أكد على أن الإنسان فد تم خلقه في مرحلة متأخرة جدا في آخر ساعة  من آخر أيام الخلق بينما ذكر نص التوراة أنه خلق في آخر يوم دون تحديد الساعة.  وهذا ما أجمع عليه العلماء  من أن الإنسان قد ظهر قبل ما يقرب من عشرين ألف سنة أو ربما أقل من ذلك وهي فترة قصيرة إذا ما قورنت بطول كل يوم من أيام الخلق والذي يبلغ ما يزيد عن ألف مليون سنة.

إن أعجب ما في هذا الحديث النبوي هو ذكره للمكروه كخلق من المخلوقات الحية وقد بقي معنى هذا المكروه مجهولا حتى تمكن العلماء من اكتشاف الكائنات الحية الدقيقة أو الميكروبات قبل قرنين من الزمن. وقد قال بعض المفسرين أن المقصود بالمكروه هو الشر على الرغم من أن الحديث لم يأت على ذكر الأمور المعنوية كالخير والشر بل كان يتحدث عن المخلوقات المادية التي خلقها الله على الأرض. إن إطلاق اسم المكروه على هذه الميكروبات أو الجراثيم  جاء معبرا تمام التعبير عن طبيعة هذه المخلوقات فهي السبب في الرائحة الكريهة التي تنطلق من المواد العضوية عند تحللها وهي كذلك مكروهة من قبل بقية الكائنات الحية لكونها تسبب لها الأمراض المختلفة. إن ذكر المكروه كخلق من المخلوقات التي خلقها الله على الأرض في نص هذا الحديث الشريف ينفي عنه نفيا قاطعا أنه حديث موضوع أو مكذوب فلا يعقل أبدا أن يضع شخصا عاقلا نصا يتحدث عن شيء لا يفهم هو أو غيره معناه. وكذلك ينفي ذكر المكروه عن الحديث أنه مأخوذ من النص الوارد في التوراة الذي لم يأتي على ذكر مثل هذه المخلوق أبدا. ومما يؤكد كذلك أن هذا الحديث قد جاء على لسان من أوتي جوامع الكلم وهو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو أن أحداث أيام الخلق قد تم تلخيصها في هذا الحديث في ثلاثة أسطر فقط  بينما لزم ذكرها أكثر من ثلاثين سطرا في التوراة. فأهم أحداث اليوم الثالث  من أيام الخلق الستة وهو خلق النباتات لخصها الحديث الشريف بقوله صلى الله عليه وسلم " وخلق الشجر يوم الاثنين" بينما جاءت في نص التوراة على النحو التالي : وَقَالَ اللهُ: «لِتَجْتَمِعِ الْمِيَاهُ تَحْتَ السَّمَاءِ إِلَى مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَلْتَظْهَرِ الْيَابِسَةُ». وَكَانَ كَذلِكَ. وَدَعَا اللهُ الْيَابِسَةَ أَرْضًا، وَمُجْتَمَعَ الْمِيَاهِ دَعَاهُ بِحَارًا. وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ. وَقَالَ اللهُ: «لِتُنْبِتِ الأَرْضُ عُشْبًا وَبَقْلاً يُبْزِرُ بِزْرًا، وَشَجَرًا ذَا ثَمَرٍ يَعْمَلُ ثَمَرًا كَجِنْسِهِ، بِزْرُهُ فِيهِ عَلَى الأَرْضِ». وَكَانَ كَذلِكَ.  فَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ عُشْبًا وَبَقْلاً يُبْزِرُ بِزْرًا كَجِنْسِهِ، وَشَجَرًا يَعْمَلُ ثَمَرًا بِزْرُهُ فِيهِ كَجِنْسِهِ. وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ.  وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا ثَالِثًا. أما أحداث اليوم الخامس وهو خلق الحيوانات واليوم السادس وهو خلق آدم عليه السلام فقد لخصها الحديث الشريف بقوله صلى الله عليه وسلم "وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل" بينما جاءت في نص التوراة على النحو التالي:  وَقَالَ اللهُ: «لِتَفِضِ الْمِيَاهُ زَحَّافَاتٍ ذَاتَ نَفْسٍ حَيَّةٍ، وَلْيَطِرْ طَيْرٌ فَوْقَ الأَرْضِ عَلَى وَجْهِ جَلَدِ السَّمَاءِ». فَخَلَقَ اللهُ التَّنَانِينَ الْعِظَامَ، وَكُلَّ ذَوَاتِ الأَنْفُسِ الْحيَّةِ الدَّبَّابَةِ الْتِى فَاضَتْ بِهَا الْمِيَاهُ كَأَجْنَاسِهَا، وَكُلَّ طَائِرٍ ذِي جَنَاحٍ كَجِنْسِهِ. وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ.  وَبَارَكَهَا اللهُ قَائِلاً: «أَثْمِرِي وَاكْثُرِي وَامْلإِي الْمِيَاهَ فِي الْبِحَارِ. وَلْيَكْثُرِ الطَّيْرُ عَلَى الأَرْضِ». وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا خَامِسًا. وَقَالَ اللهُ: «لِتُخْرِجِ الأَرْضُ ذَوَاتِ أَنْفُسٍ حَيَّةٍ كَجِنْسِهَا: بَهَائِمَ، وَدَبَّابَاتٍ، وَوُحُوشَ أَرْضٍ كَأَجْنَاسِهَا». وَكَانَ كَذلِكَ. فَعَمِلَ اللهُ وُحُوشَ الأَرْضِ كَأَجْنَاسِهَا، وَالْبَهَائِمَ كَأَجْنَاسِهَا، وَجَمِيعَ دَبَّابَاتِ الأَرْضِ كَأَجْنَاسِهَا. وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ.  وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ».  فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ.  وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ».  وَقَالَ اللهُ: «إِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُكُمْ كُلَّ بَقْل يُبْزِرُ بِزْرًا عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ، وَكُلَّ شَجَرٍ فِيهِ ثَمَرُ شَجَرٍ يُبْزِرُ بِزْرًا لَكُمْ يَكُونُ طَعَامًا. وَلِكُلِّ حَيَوَانِ الأَرْضِ وَكُلِّ طَيْرِ السَّمَاءِ وَكُلِّ دَبَّابَةٍ عَلَى الأَرْضِ فِيهَا نَفْسٌ حَيَّةٌ، أَعْطَيْتُ كُلَّ عُشْبٍ أَخْضَرَ طَعَامًا». وَكَانَ كَذلِكَ. وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا سَادِسًا. ومن الواضح أن نص التوراة يخلو تماما من ذكر الميكروبات أو المكروه على الرغم من أن الحياة لا يمكن أن تستمر بدونها وهي تشكل ما نسبته تسعين بالمائة من كتلة المادة الحية الموجودة على الأرض.

إن الذي أوحى بهذا الحديث إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي يعلم تمام العلم وجود هذه الكائنات الدقيقة (المكروه) التي لا يمكن للبشر أن يروها بالعين المجردة ولكنها تشكل ما يقرب من تسعين بالمائة من المادة الحية على هذه الأرض. ويعلم كذلك سبحانه وتعالى الدور البارز الذي تلعبه هذه الكائنات في استمرار الحياة على الأرض فبغيابها ستنتهي الحياة على الفور. يقول جون بوستجيت في كتابه الميكروبات والإنسان "تلعب الميكروبات إذا دورا هاما في التغيرات الدورية التي تتعرض لها عناصر الحياة على الأرض، ومن هنا تكون لها أهمية متصاعدة في اقتصاد الأرض ذلك بأن الكائنات العليا سرعان ما ينتهي وجودها لولا الميكروبات. ومع ذلك  فالميكروبات تجمع بين هذه الأنشطة الأساسية وعدد من الوظائف الثانوية التي قد تكون قيمة أو تافهة أو مزعجة للجنس البشري. فالميكروبات على سبيل المثال تسبب الأمراض والمرض من الناحية البيولوجية ذو قيمة من حيث أنه يحد من التزايد التجاوزي لأعداد الحيوانات. على أنه من فضل القول أن نذكر مدى الإزعاج الذي يسببه المرض للإنسان المتحضر في عالم اليوم. وتعتبر عمليات التلوث والتعفن مفيدة حينما تقع في مكانها المناسب فصرف المجاري يعتمد عليها ولكنها إن خرجت عن نطاق السيطرة صارت مزعجة ومدمرة. والميكروبات تخمر الأطعمة منتجة طيبات لذيذه وأنبذة ولكن الطعام الملوث خطير. وتساعدنا الميكروبات في عمليات الهضم والتغذية ولكنها قد تسبب اضطراب بطوننا في بلد غريب. ولقد كونت الميكروبات خلال أزمنة جيولوجية عديدا من أعظم الرواسب المعدنية قيمة في العالم ولكنها عندما تسبب تآكل الحديد والصلب والخرسانه فإننا لا نرحب في إمكاناتها العجيبة. وهكذا يمضي الحال فالميكروبات لا هي طيبة ولا هي سيئة على وجه العموم وفي الإمكان أن تكون هكذا أو كذلك" إنتهى الإقتباس.

 إن عدد أنواع الكائنات الحية الدقيقة قد يصل إلى مئات الآلاف أما أعداد كل نوع من الأنواع فهو من الكثرة بحيث لا يعلمه إلا الله الذي خلقها فهي تملأ مياه البحار وتراب وصخور الأرض وهواء الجو بحيث أن السنتيمتر المكعب الواحد يحتوي على مئات الملايين منها. وتقوم هذه الكائنات بوظائف لا حصر لها فمنها ما يقوم بتحليل رمم ما يموت من الكائنات الحية ليحرر المواد الخام الموجودة فيها ليعاد استخدامها من جديد كما في دورات ثاني أكسيد الكربون والنيتروجين ومنها ما يقوم بتحرير وكذلك تثبيت بعض العناصر التي تحتاجها الكائنات الحية كالنيتروجين والكبريت والحديد والفسفور ومنها ما يتسبب في إصابة الكائنات بالأمراض وذلك للحد من تكاثرها بشكل متزايد وذلك لحفظ التوازن بين مختلف أنواع الكائنات ومنها ما يساعد الكائنات الحية على هضم الأطعمة التي لا يمكن تحليلها بالمركبات الكيميائية ومنها ما يساعد في تصنيع بعض أنواع الأغذية كالألبان والأجبان.