الأربعاء، 7 أغسطس، 2013

ظهر الفساد في البر والبحر


ظهر الفساد في البر والبحر

الدكتور منصور أبوشريعة العبادي \جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية

 

من الآيات القرآنية التي أشكل تفسيرها على المفسرين القدامى هي قوله سبحانه وتعالى "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" الروم 41. فهذه الآية فيها عدة إشكالات فالإشكال الأول يتعلق بتاريخ ظهور هذا الفساد والثاني يتعلق بهوية البشر الذين ظهر فيهم هذا الفساد  والثالث تتعلق بطبيعة هذا الفساد هل هو فساد البشر أم فساد الطبيعة وإذا كان الفساد هو فساد البشر فكيف يظهر الفساد في البحر رغم أن البشر لا يعيشون عليه بل يعيشون على البر.  وعند الرجوع إلى تفاسير القرآن الكريم لمعرفة تفسير هذه الآية نجد أن جميع التفاسير تقر بوجود اختلاف بين العلماء في تفسيرهم لهذه الآية وتكاد أن تكون الآراء المذكورة في هذه التفاسير هي نفسها. ولذلك فقد اخترت أن أورد نص تفسير هذه الآية من تفسير القرطبي الذي لخص تفاسير معظم المفسرين فقد ذكر حول تفسير قوله تعالى { ظَهَرَ الفساد فِي البر والبحر }: اختلف العلماء في معنى الفساد والبر والبحر؛ فقال قتادة والسدّي : الفساد الشرك، وهو أعظم الفساد. وقال ابن عباس وعِكرمة ومجاهد : فساد الْبَرِّ قتلُ ابن آدم أخاه؛ قابيلُ قتل هابيل  وفي البحر بالْمَلِك الذي كان يأخذ كل سفينة غصباً. وقيل: الفساد القحط وقلّة النبات وذهاب البركة ونحوه. قال ابن عباس قال : هو نقصان البركة بأعمال العباد كي يتوبوا. قال النحاس: وهو أحسن ما قيل في الآية . وعنه أيضاً : أن الفساد في البحر انقطاع صيده بذنوب بني آدم . وقال عطية: فإذا قلّ المطر قّل الغَوْص عنده، وأخفق الصيادون، وعميت دواب البحر. وقال ابن عباس: إذا مطرت السماء تفتحت الأصداف في البحر ، فما وقع فيها من السماء فهو لؤلؤ. وقيل: الفساد كساد الأسعار وقلّة المعاش. وقيل: الفساد المعاصي وقطعُ السبيل والظلم؛ أي صار هذا العمل مانعاً من الزرع والعمارات والتجارات؛ والمعنى كله متقارب . والبر والبحر هما المعروفان المشهوران في اللغة وعند الناس؛ لا ما قاله بعض العُبّاد : أن البر اللسانُ والبحر القلب؛ لظهور ما على اللسان وخفاء ما في القلب . وقيل : البَر : الفيافي ، والبحر : القرى؛ قاله عكرمة . والعرب تسمي الأمصار البحار . وقال قتادة : البَرّ أهل العمود ، والبحر أهل القرى والريف . وقال ابن عباس : إن البر ما كان من المدن والقرى على غير نهر ، والبحر ما كان على شط نهر؛ وقاله مجاهد ، قال: أما والله ما هو بحركم هذا ، ولكن كل قرية على ماء جارٍ فهي بحر .

وكما هو واضح من نص تفسير القرطبي وغيره من التفاسير التي اطلعت عليها أن علماء التفسير لم يحددوا تاريخا محددا لظهور هذا الفساد بل تركوه مفتوحا منذ آدم عليه السلام إلى يومنا هذا. وإذا ما دققنا النظر في الآية مدار حديثنا فإننا نجد أن القوم الذين ظهر فيهم هذا الفساد لم يستأصلوا من الأرض كما حدث مع أمم سابقة كثيرة بل أتاح الله لهم الفرصة ليعودوا إلى رشدهم ولهذا فإن هذه الآية تتحدث عن فترة زمنية محددة وليست مفتوحة كما قال المفسرون. أما المسألة الأكثر إشكالا في هذه الآية فهي تأكيدها على أن الفساد قد ظهر في البر والبحر وبما أن الفساد قد ارتبط بأذهاننا بتصرفات البشر والذين يعيشون على البر وليس في البحر فقد أشكل الأمر على بعض المفسرين. فالمفسرون الذين اعتبروا الفساد بأنه فساد البشر من شرك وظلم ومعاصي فسروا معنى البحر في هذه الآية على أنه المدن والقرى التي تقع على ضفاف البحار والأنهار حيث يسكن الناس. أما المفسرون الذين اعتبروا الفساد على أنه فساد في الطبيعة كالقحط وقلة النبات في البر وقلة الصيد في البحر فإنهم فسروا البحر بمعناه الحقيقي. ولكن مثل هذا الفساد المحدود  سمة عامة في الطبيعة يظهر كل حين  إما في جميع الأرض أو في مناطق معينة وذلك بتقدير من الله عز وجل وذلك لاختبار البشر أو لعقابهم مصداقا لقوله تعالى "وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ " الأعراف 94.

 والحقيقة أن الفساد الذي تتحدث عنه الآية هو فساد لم يكن قد ظهر في العصور التي سبقت نزول هذه الآية ولا حتى في العصر الذي نزلت فيه بل هو فساد سيظهر في الأرض في المستقبل أي في العصور التي تلي عصر نزول الآية كما سيتضح من الشرح التالي. ولا بد أن نذكر أن الله  سبحانه وتعالى عندما يتحدث في القرآن الكريم بصيغة الماضي عن بعض الأحداث فإنه لا يعني بالضرورة أنها قد حصلت في الماضي بل قد تكون أحداثا ستقع في المستقبل كما هو الحال  في آيات كثيرة فالله لا يحده زمان ولا مكان ويستوي عنده سبحانه الماضي والمستقبل. وعلى هذا فلا بد أن يكون الفساد الذي تتحدث عنه الآية فسادا مختلفا عن أنواع الفساد التي ظهرت في الأرض من قبل حيث أن جميع أنواع الفساد السابقة كانت من نوع الفساد الذي حدث في الطبيعة البشرية من إنكار للخالق سبحانه وتعالى أو إشراك به أو ظلم الناس بعضهم بعضا أو غير ذلك من أعمال مخالفة للفطرة التي فطر الناس عليها. إن الفساد الذي ظهر في بر وبحر الأرض في هذا العصر لم تعهده الأرض منذ أن خلقها الله قبل ما يزيد عن أربعة بلايين عام. وعلى الرغم من ظهور كثير من الحضارات الإنسانية  قبل نزول القرآن الكريم وعمروا  الأرض وسخروا بعض مواردها لما فيه رفاهيتهم إلا أنهم لم يحدثوا أي فساد في الطبيعة أو البيئة بل بقي النظام البيئي يعمل بنفس الاتزان الذي خلقه الله عليه منذ مئات الملايين من السنين.

إن الحياة على الأرض عملت ولا زالت تعمل بانتظام تام منذ أن خلقها الله سبحانه وتعالى قبل مئات الملايين من السنين وبقيت معدلات أعداد الكائنات الحية نباتاتها وحيواناتها بنفس النسب ولم تنفد موارد الأرض المختلفة رغم الاستهلاك المتكرر لها من قبل هذه الكائنات. وباستثناء كائن واحد فقط وهو الإنسان فإن بقية الكائنات الحية لا يمكنها أبدا إفساد هذه الاتزان العجيب  حيث أن الله سبحانه وتعالى قد فطرها على أداء أدوار محددة في هذا النظام البيئي لا يمكنها أن تحيد عنه.  فهذه الكائنات لا تأكل من بقية الكائنات التي تتغذى عليها إلا بالقدر الذي يبقيها حية ولا تتكاثر إلا بالمعدل الذي حدده الله لها ولا يمكنها معالجة نفسها إذا ما أصابها المرض ولا يمكنها أن تدافع عن نفسها إلا بالقدر الذي أتاحه الله لها. أما الإنسان بما أعطاه من عقل يفكر به ويدان يعملان بها ومشيئة نسبية في فعل الخير والشر يمكنه أن يفسد هذه الاتزان وذلك بعد مشيئة الله عز وجل. ولهذا السبب تخوفت الملائكة من أن يكون هذا المخلوق الذي اختاره الله سبحانه وتعالى ليكون خليفة على الأرض سببا في فساد هذه الأرض مصداقا لقوله تعالى "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ " البقرة 30. وما كانت الملائكة لتعرف ذلك لولا أن الله سبحانه قد سبق وأن عرفها بطبيعة هذا المخلوق قبل خلقه فالله يعلم تمام العلم كيف سيتصرف هذا المخلوق على الأرض عندما يستخلفه فيها.  ولكن الله سبحانه وتعالى جعل مشيئة هذا الإنسان تبعا لمشيئته سبحانه فلا يتصرف الإنسان بحرية مطلقة بل ضمن الدائرة التي يحددها الله له وبقدر الإمكانات التي يعطيها إياه وذلك لكي يختبره ثم يجازيه على أفعاله إن خيرا فخير وإن شرا فشر. وعلى هذا فإن الإنسان هو الكائن الوحيد من بين ما يزيد عن ثلاثة ملايين نوع من الكائنات الحية التي تعيش على الأرض من قد مكنه الله من استغلال خيرات هذه الأرض فقال عز من قائل "وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ" الأعراف 10.

وعلى الرغم من أن الله  سبحانه وتعالى قد مكن الإنسان من استغلال خيرات هذه الأرض لما فيه مصلحته إلا أنه سبحانه وتعالى قد أبقى مفاتيح كنوز الأرض بيده سبحانه يفتحها في الوقت المناسب ويعطي منها بالقدر المناسب فقال عز من قائل "وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ" الحجر 21.  إن تحكم الله سبحانه وتعالى بمقدار الرزق الذي ينزله على البشر هو لما فيه مصلحتهم  وذلك لمعرفته سبحانه وتعالى بطبيعتهم فقد يؤدي فتح الرزق عليهم بكثرة إلى إفساد الأرض تماما مصداقا لقوله تعالى "وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ" الشورى 27. إن الفترة الزمنية التي كتب الله عز وجل أن يعيشها الجنس البشري على هذه الأرض فترة محددة لا تتجاوز عدة عشرات من الآلاف من السنين وقد اختارها الله سبحانه وتعالى لتكون في آخر الزمان. ولحكمة عظيمة قدر الله  سبحانه وتعالى أن لا  يفتح جميع أبواب خزائن الأرض على البشر منذ بداية استخلافهم عليها بل أخر ذلك إلى العصور الأخيرة من فترة استخلافهم على الأرض. ومن الواضح أن كل الدلائل تشير إلى أن البشر يعيشون اليوم في هذه العصور الأخيرة من عمر البشرية والتي فتح الله عليهم فيها أبواب جميع خزائنه مصداقا لقوله تعالى "فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ" الأنعام 44. وأعتقد أن الحكمة في ذلك الاختيار واضحة وتبينها الآيات السابقة فهذا الفتح سيؤدي لا محالة إلى بغي الناس على الطبيعة التي يعيشون عليها وعلى بعضهم بعضا وسيؤدي هذا البغي إلى فساد الأرض برها وبحرها وهلاك الكائنات الحية بمختلف أنواعها وعلى رأسها الإنسان الذي كان السبب في هذا الفساد. ولحسن الحظ أن هذا الفساد قد جاء في آخر الفترة الزمنية من عمر البشرية فلو أن الله قد فتح الخزائن التي فتحها اليوم على أمم سابقة هي أشد قوة من الأمم الحالية كعاد وثمود والفراعنة وغيرهم لفسدت الأرض في زمانهم حيث أنهم قد طغوا وأكثروا في الأرض الفساد رغم قلة الإمكانات التي كانوا يمتلكونها.
 


إن طبيعة الحياة على الأرض من التعقيد البالغ بحيث لا يمكن للبشر مهما أوتوا من علم أن يكتشفوا جميع أسرار الآليات التي تعمل بها مكونات هذه الحياة والتي تبقيها تعمل بهذه الكفاءة المنقطعة النظير لبلايين السنين. ولذلك فإن العلماء متخوفون من أن التغييرات التي أحدثها البشر في بيئة هذه الأرض نتيجة لظهور الثورة الصناعية قبل قرنين من الزمن قد تتسبب في اختلال عمل النظام الحيوي وربما انهياره بالكامل. فعلى سبيل المثال فإن أحد أهم شروط استمرار الحياة على الأرض هو ثبات معدل درجة حرارة  سطح الأرض  عند خمسة عشر درجة مئوية ولا يعرف العلماء على وجه التحديد المدى الذي يمكن أن يتغير فيه هذا المعدل دون أن يختل عمل النظام الحيوي. بل إن العلماء لا زالوا يجهلون كثيرا من العوامل التي تحدد معدل درجة حرارة الأرض فهو لا يتحدد فقط من بعد الأرض عن الشمس ومن تعاقب الليل والنهار عليها ومن تأرجح محورها ومن درجة انعكاسية سطحها بل من عوامل أخرى كثيرة.  ومن العوامل التي  تفاجأ بها العلماء هو أن غاز ثاني أكسيد الكربون على قلة نسبته في الجو يلعب دورا هاما في ثبات درجة حرارة الأرض ولذلك فإن أي تغيير في كميته في الجو قد يغير من درجة حرارة الأرض كما هو حاصل الآن نتيجة حرق هذه الكميات الهائلة من الوقود الأحفوري. ولقد اكتشف العلماء أيضا أن توفير طعام وشراب الكائنات الحية يتطلب وجود أربع دورات رئيسية لبعض العناصر والمركبات الأرضية وإلا نفدت كمياتها وتوقفت الحياة وهي دورة الماء ودورة الكربون ودورة الأوكسجين ودورة النيتروجين. فعلى سبيل المثال فإن ثاني أكسيد الكربون الموجود في الجو هو المادة الخام الأساسية لصناعة غذاء جميع الكائنات الحية وإن كميته في الجو لا يكفي الكائنات الحية إلا لسنوات معدودة ولولا عملية تحريره من المواد العضوية التي تحرقها أجسام الكائنات الحية وإطلاقه إلى الجو ثانية لانتهت الحياة منذ زمن بعيد وهكذا هو الحال مع بقية الدورات.



 إن أعقد قضايا النظام البيئي هو وجود أكثر من ثلاثة ملايين نوع من الكائنات الحية على سطح هذه الأرض تتراوح أعدادها بين التي يمكن عدها كالإنسان وتلك التي لا يمكن عدها أبدا كالكائنات الدقيقة والحشرات والأسماك. وباستثناء النباتات والطحالب التي تتغذي على المواد غير العضوية الموجودة في هواء وتراب الأرض فإن بقية الكائنات الحية تعيش إما من خلال أكل النباتات والطحالب بشكل مباشر أو من خلال أكل بعضها بعضا. ولكي يدوم التوازن بين أعداد هذه الكائنات الحية لفترات زمنية طويلة تقاس ببلايين السنين يتطلب الأمر وضع خطة بالغة الإحكام تحدد نوع الغذاء لكل نوع من هذه الأنواع ومعدلات تكاثرها وأطوال أعمارها  والوسائل التي تستخدمها للدفاع نفسها والتي تستخدمها لصيد فرائسها ونوع الأمراض التي تصيبها وغير ذلك من الأمور التي يصعب حصرها. ولو أننا طلبنا من جميع علماء البشر أن يقوموا مجتمعين لوضع مثل هذه الخطة لوقفوا عاجزين تمام العجز عن فعل ذلك فالعلماء لا زالوا يجهلون عدد أنواع الكائنات وعدد كل نوع على وجه التحديد فأنى لهم أن يضعوا مثل هذه الخطة . ولقد لفت القرآن الكريم أنظار البشر  إلى هذا التقدير البالغ في كل ما خلق الله من أشياء وعلى وجه الخصوص  ظاهرة الحياة  فقال عز من قائل "وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا" الفرقان 2 والقائل سبحانه "وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ" الرعد 8 والقائل سبحانه "وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ" الحجر 19.

إن هذه الآيات وغيرها الكثير من آيات القرآن الكريم تؤكد على أن الأشياء المصنوعة لكي تقوم بوظيفتها لا تصنع كيفما اتفق بل تحتاج إلى تقدير بالغ في تحديد مكوناتها ووظيفة كل مكون وإن خللا ما في عمل أحد المكونات قد يعطل عمل النظام بالكامل. بل إن آية الحجر السابقة لها قصب السبق في الإشارة وذلك قبل أربعة عشر قرنا إلى  وجود هذا التوازن العجيب بين جميع ما أنبتته هذه الأرض من كائنات حية بينما لم يتمكن البشر من اكتشاف هذا التوازن في عمل النظام الحيوي إلا في هذا العصر (وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ). فهذا التوازن موجود على النطاق الواسع بين الكائنات المنتجة كالنباتات والطحالب والمستهلكة كالحيوانات والمحللة كالبكتيريا والفطريات وقد يؤدي خللا بسيطا في هذا التوازن إلى طغيان بعضها على بعض. أما التوازن على النطاق الضيق فهو موجود بين جميع أنواع  الكائنات الحية فكل من هذه الأنواع يعتمد على أنواع أخرى لكي يبقى على قيد الحياة من خلال سلسلة غذاء بالغة التعقيد تم إحكام خطة عملها بحيث لا يمكن قطع أحد حلقات هذه السلسلة حيث أن قطعها سيؤدي إلى انقراض جميع الكائنات الحية. فعلى سبيل المثال فإن جميع كائنات البحر التي يزيد عددها عن عدد كائنات البر بعشرة أضعاف تعتمد في غذائها على الطحالب التي تعيش فقط في المياه السطحية للبحار والمحيطات وبعمق لا يتجاوز المتر وذلك لكي تستمد الطاقة من أشعة الشمس. وبما أن معظم كائنات البحر لا يمكنها التغذي على الطحالب البحرية بشكل مباشر وذلك لصغر حجمها فهي لا تكاد ترى بالعين المجردة فقد سخر الله أسماك صغيرة الحجم تلتهم هذه الطحالب ومن ثم تقوم أسماك أكبر حجما بالتغذي على هذه الأسماك الصغيرة وهكذا تتوالى السلسلة إلى أن تصل للحيتان التي تزن عشرات الأطنان. ومن الواضح أنه إذا انقرضت بعض أنواع الأسماك وخاصة الصغيرة التي هي أقرب لبداية سلسلة الغذاء فإن هذا سيؤدي إلى انقراض الكائنات التي تعتمد عليها في غذائها وهذه بدورها تؤدي إلى انقراض أنواع أخرى وهكذا دواليك.                           
 


ونأتي الآن على شرح الأسباب التي مكنت البشر في هذا العصر فقط من إحداث هذا الفساد في بر وبحر هذه الأرض فهناك سببان رئيسيان يقفان وراء ذلك أولهما استخدام المحركات بمختلف أنواعها وثانيها استخراج معظم كنوز الأرض من معادن وأملاح ومركبات كيميائية ووقود أحفوري.  إن أهم ما فتحه الله على البشر من خزائن في القرنين الماضيين ولم يسبق للبشر على مر تاريخهم أن شهدوا مثلها هو اختراع المحركات بمختلف أنواعها كالآلات البخارية ومحركات الوقود ومحركات الكهرباء. فلقد كان البشر منذ  استخلافهم على الأرض يعتمدون في إنجاز أعمالهم وتنقلاتهم على قوة أجسامهم وقوة أجسام الحيوانات التي سخرها الله لهم كالإبل والأبقار والخيل والبغال والحمير. ومع اختراع المحركات بدأ البشر بالاعتماد عليها في إنجاز أعمالهم وتنقلاتهم بدلا من الحيوانات ولكن بفارق كبير جدا حيث أن قوة بعض المحركات تفوق بملايين المرات قوة أقوى الحيوانات وبحجم يقارب أو ربما يقل عن حجم  تلك الحيوانات. وباستخدام هذه المحركات أصبح بإمكان الإنسان أن يقوم بمهام لم يكن بمقدور البشر في العصور القديمة حتى الحلم بها فأصبح بإمكانهم التنقل ونقل بضائعهم  بسرعات تتراوح بين ما يزيد عن مائة كيلومتر في الساعة كما في السيارات والقطارات والسفن وما يزيد عن ألف كيلومتر في الساعة كما في الطائرات. واستخدم الإنسان المحركات في مهام أخرى لا حصر لها ففي قطاع الزراعة تم استخدامها لحراثة الأرض وحصاد ونقل المحاصيل وفي قطاع الصناعة تستخدم المحركات لتشغيل مختلف أنواع الآلات الصناعية وفي قطاع الإنشاءات تستخدم المحركات لشق الطرق وبناء الجسور والأنفاق والسدود وفي قطاع التعدين تستخدم لحفر المناجم وتكسير الصخور وتقلها إلى مواقع التكرير . إن كون المحركات سببا في فساد بيئة الأرض يرجع إلى عدة أسباب أولها حاجة هذه المحركات لحرق كميات كبيرة من المواد العضوية كالبترول والفحم والغاز فساهمت نواتج الاحتراق وعلى رأسها ثاني أكسيد الكربون في إحداث خلل في توازن مكونات جو الأرض والذي انعكس على النظام البيئي كما سنبين لاحقا. أما ثانيها فهو تمكين هذه المحركات بقوتها الخارقة البشر من القيام بمهام أحدثت أضرارا بالغة على البيئة كقطع أشجار الغابات وصيد الأسماك بكميات كبيرة وحفر المناجم وبناء السدود.  
 


أما السبب الثاني من أسباب الفساد الذي أصاب الأرض فهو الأثر الناتج عن استخراج مختلف أنواع العناصر الطبيعية والمركبات العضوية وغير العضوية من القشرة الأرضية ومن ثم استخدامها في تصنيع مختلف أنواع المركبات الكيميائية اللازمة لصناعة أنواع لا حصر لها من مستلزمات الحياة المعاصرة.  فمع بداية القرن العشرين تمكن البشر من اكتشاف جميع العناصر الطبيعية البالغ عددها 92 عنصرا  بينما لم يتعرف البشر حتى بداية القرن الثامن عشر إلا على 12 عنصرا.  ومن هذه العناصر والمركبات العضوية وغير العضوية المتوفرة في الطبيعة قام البشر بإنتاج عدد لا حصر له من المركبات الكيمائية الصناعية والتي يقدر عدد الأنواع التي يتم تصنيعها لأغراض تجارية بسبعين ألف مركب. إن كون هذه العناصر والمواد الكيميائية المستخرجة والمصنعة تشكل خطرا على بيئة الأرض يعود إلى عدة أسباب أولها إن عملية استخراجها وتكريرها وتصنيعها تحتاج لكميات كبيرة من الطاقة والذي يستلزم حرق كميات كبيرة من الوقود أما ثانيها فهو ضياع مساحات واسعة من الأراضي لأغراض إنشاء المناجم مما يترتب عليه تدمير جميع أشكال الحياة الموجودة على هذه الأراضي. وأما ثالثها فإن عمليات التكرير والتصنيع تحتاج لكميات كبيرة من الماء العذب الذي يستخدم على حساب حاجة البشر والمزروعات والحيوانات بل الأخطر من ذلك  أن الماء الناتج بعد التكرير يحمل كميات كبيرة من المواد الكيميائية التي تقوم بتلويث مصادر المياه العذبة ليس في أماكن التكرير والتصنيع فحسب بل في أماكن بعيدة بسبب سهولة تحرك الماء على سطح الأرض وفي باطنها. وأما رابعها فإن نسبة كبيرة من المواد الكيميائية المصنعة ذات ضرر بالغ على البيئة بعد استخدامها ورميها كنفايات في بر وبحر وجو الأرض كما سنبين ذلك فيما بعد.

وسنورد فيما يلي أهم العناصر والمركبات الكيميائية  المنتجة وكمياتها وبعض أضرارها على البيئة. ونبدأ بالمعادن والتي لا تشكل خطرا على البيئة بحد ذاتها ولكن عمليات استخراجها وتكريرها بمختلف أنواع المواد الكيميائية تحدث أضرارا كبيرة على البيئة.  ويبلغ الإنتاج العالمي السنوي  من الحديد حاليا ما يقرب من ألف مليون طن وهو ما يزيد عن عشرين ضعف من مجموع ما ينتج من بقية المعادن.  ويأتي الألمنيوم في المرتبة الثانية بكمية إنتاج تبلغ عشرين مليون طن ومن ثم الكروم  13 مليون طن والنحاس 12 مليون طن والزنك ثمانية ملايين طن والمنغنيز سبعة ملايين طن والبورون أربعة ملايين طن والرصاص ثلاثة ملايين والنيكل مليون طن.  أما بقية المعادن فيقل معدل إنتاجها عن مليون طن سنويا فالمغنيسيوم ينتج منه ثلاثمائة ألف طن واليورانيوم مائتي ألف طن والأنتيمون مائة وخمسون ألف طن والزركونيوم مائة ألف طن والقصدير مائتي ألف طن والتيتانيوم خمسون ألف طن والزرنيخ أربعون ألف طن والتنجستون ثلاثون ألف طن والكوبالت ثلاثون ألف طن والتنتاليوم  أربعة وعشرين ألف طن والكادميوم  عشرون  ألف طن والزئبق خمسة آلاف طن والذهب ألفان وخمسمائة طن والفضة ستة عشر ألف طن والبلاتين مائة وخمسون طن والسيليكون  والجرمانيوم  والسيزيوم والجاليوم بضع عشرات من الأطنان لكل منها.

 وتعتبر الأحماض والقواعد من أكثر المركبات الكيميائية التي تحتاجها عملية إنتاج مختلف أنواع العناصر والمركبات الكيميائية ومن أهمها حامض الكبريتيك البالغ إنتاجه 165 مليون طن وحامض الهيدروكلوريك 20 مليون طن سنويا والصودا الكاوية  (هيدروكسيد الصوديوم) 50 مليون طن. وتعتبر المذيبات المستخدمة في الصناعة من أخطر الملوثات التي تؤثر على صحة الإنسان بشكل مباشر وينتج منها سنويا ما يقرب من عشرين مليون طن من مختلف أنواعها التي لا حصر لها كالإيثانول والميثانول والأسيتون والكلوروفورم والأسيتون.  أما المواد البلاستكية فتعتبر من أكثر المركبات الكيميائية إنتاجا في هذا العصر  حيث تبلغ كمية إنتاجها مائة مليون طن سنويا وهي أشد المواد ضررا على البيئة حيث أنها  بطيئة التحلل إلى مركباتها الأصلية وإذا ما تم حرقها فإنها تنتج غازات ذات ضرر بالغ على صحة الكائنات الحية وعلى رأسها الإنسان.  وتعتبر الأسمدة غير العضوية من المركبات الكيميائية التي قام البشر في تصنيعها في هذا العصر وذلك لزيادة خصوبة الأراضي الزراعية وتتكون هذه الأسمدة بشكل رئيسي من مركبات النيتروجين والفوسفور والبوتاس والكالسيوم والكبريت والمغنيسيوم  وبكميات قليلة من بقية المعادن. ويصل معدل إنتاج الأسمدة غير العضوية إلى عدة مئات من ملايين الأطنان سنويا تلعب دورا كبيرا في زيادة إنتاج المحاصيل الزراعية إلا أنها في المقابل ذات أثر سلبي على البيئة حيث يعمل النيتروجين التي تحمله المياه من الأراضي إلى الأنهار والبحيرات والبحار على تقليل نسبة الأوكسجين فيها مما يؤدي إلى موت الكائنات الحية فيها وتزيد كذلك من حموضة الأرض فتقضي على كثير من الكائنات الدقيقة التي تلعب دورا كبيرا في الاتزان البيئي. ومن المركبات الكيميائية البالغة الخطر على البيئة المبيدات الحشرية والنباتية والتي تستخدم لقتل الميكروبات والحشرات والأعشاب الضارة بالمزروعات وكذلك قتل البعوض والذباب والصراصير والقوارض في المنازل والمستشفيات وأماكن العمل. وينتج من مختلف أنواع المبيدات سنويا ما يزيد عن ثلاثة ملايين طن وهي ذات أثر سلبي بالغ على البيئة على المدى القريب والبعيد فعند رشها ينتشر قسم منها في الهواء فتلوثه ويدخل قسم منها في بنية المحاصيل المرشوشة والبقية تترسب في تربة الأرض فتلوثها وتلوث المياه  التي تصرف منها. وتعتبر الصناعة الدوائية مصدرا من مصادر تلوث البيئة فتصنيع الدواء يتطلب تفاعلات كيميائية متعددة تضخ نواتجها في مياه الأرض فتلوثها ناهيك عن الآثار الجانبية التي تحدثها الأدوية في أجسام البشر وغيرها من الحيوانات الأليفة.  ومن الصناعات الأخرى التي تحتوي على مواد كيميائية ملوثة للبيئة صناعة المتفجرات والدهانات والأصباغ والأحبار ومساحيق الغسيل والمواد اللاصقة والعطور وغير ذلك والتي ينتج منها كميات كبيرة تعمل على تلويث البيئة بعد استخدامها.

ومن أخطر أنواع التلوث الذي ظهرت في القرن العشرين هو التلوث بالإشعاعات النووية. وعلى الرغم من أن  العناصر المشعة الطبيعية  كاليورانيوم والثوريم والراديوم موجودة في قشرة الأرض منذ أن خلقها الله إلا أنها موزعة على شكل خامات موزعة على جميع سطح الأرض بحيث لا تشكل أي خطر يذكر على الكائنات الحية. ومع اكتشاف الطاقة النووية الهائلة الموجودة في ذرات العناصر المشعة بدأ البشر باستغلالها كطاقة للتدمير كما في القنابل الذرية وكطاقة مفيدة كما في المفاعلات الذرية وكذلك استخدام الإشعاعات لتشخيص بعض الأمراض ومعالجتها. إن أهم أخطار تلوث البيئة بالإشعاعات النووية هو  إصابة الكائنات الحية بالأمراض السرطانية وكذلك ظهور كائنات مشوهة الخلقة إذا ما أصابت الإشعاعات خلايا التكاثر وغيرت بعض محتويات الشيفرة الوراثية. إن خطر الإشعاعات النووية لا يتوقف فقط على تفجير القنابل النووية في حالة الحروب كما حصل في الحرب العالمية الثانية بل إن التلوث لم يتوقف منذ اكتشاف الطاقة النووية وذلك من طرق متعددة. أولها الإشعاعات الناتجة عن آلاف التفجيرات النووية التجريبية التي تجريها الدول الكبرى لزيادة القدرات التدميرية لأسلحتها النووية وسواء أجريت هذه التجارب في الصحارى المعزولة أو في قيعان المحيطات فإن التفجيرات تنتج كميات كبيرة من النظائر المشعة تنتشر في الهواء أو في الماء فتصل في النهاية إلى الكائنات الحية فتصيبها بالضرر. أما ثانيها فهي الإشعاعات الناتجة عن المفاعلات النووية حيث أن الوقود النووي لهذه المفاعلات ينتج عند احتراقه عناصر أشد إشعاعا من الوقود نفسه مما يتطلب احتياطات كبيرة عند دفن هذه المخلفات لكي لا تلوث البيئة. إن شرح أوجه الفساد الذي أصاب الأرض لا يمكن شرحه بشكل وافي في مقالة قصيرة كهذه بل ولا حتى في عشرات الكتب التي تكتب من قبل مختصين في شتى مجالات العلم التي تتعلق بأوجه هذه الفساد. وإن أفضل ما كتب في هذا المجال هو أحد كتب سلسلة عالم المعرفة بعنوان "التلوث مشكلة العصر" لمؤلفه الأستاذ الدكتور أحمد مدحت إسلام  وهو كتاب قيم جدا يشرح معظم أنواع التلوث الذي أصاب بر وبحر وجو هذه الأرض. وسنشرح باختصار بعض أوجه التلوث الذي أصاب جو وبحر وتراب هذه الأرض.

 

تلوث الجو

إن أكبر ملوثات الهواء هو غاز ثاني أكسيد الكربون الناتج عن  احتراق هذه الكميات الهائلة من  مختلف أنواع الوقود الأحفوري التي تستهلكها محطات توليد الكهرباء  ووسائط النقل المختلفة من طائرات وقطارات ومركبات والآلات الزراعية والمنشآت الصناعية.  إن كل جرام من المادة العضوية المحتوية على الكربون تعطي عند احتراقها ما معدله جرامين من غاز ثاني أكسيد الكربون . وإذا ما علمنا أن العالم يحرق سنويا ما يقرب من 25 بليون برميل من البترول وخمسة بلايين طن من الفحم الحجري و ثلاثة آلاف بليون متر مكعب من الغاز الطبيعي فإن نحو ثلاثين بليون طن من غاز ثاني أكسيد الكربون تضخ إلى الهواء سنويا. إن هذه الكمية ليست بالقليلة إذا ما علمنا أن كمية ثاني أكسيد الكربون الموجودة في الجو لا تزيد عن ألفي بليون طن  حيث أن نسبته في الهواء نسبة ضئيلة جدا تبلغ 0,0383 بالمائة مقارنة ب 78 بالمائة للنيتروجين و 21 بالمائة للأوكسجين وقريبا من واحد بالمائة للأرغون. 


إن ثاني أكسيد الكربون هو المادة الخام الرئيسية التي يصنع منها غذاء جميع أنواع الكائنات الحية التي تعيش على بر وفي بحر هذه الأرض فحسب تقديرات العلماء فإن كمية ثاني أكسيد الكربون التي تأخذه النباتات والطحالب من الهواء سنويا  يبلغ خمسمائة  بليون طن  وكمية الماء الذي تمتصه من الأرض يبلغ 410 بليون طن وكمية الطاقة التي تستمدها من ضوء الشمس يبلغ جزء من ألفي جزء من الطاقة الشمسية التي تصل إلى الأرض وتنتج في المقابل 341 بليون طن من سكر الجلوكوز و205 بليون طن من الماء و364 بليون طن من الأوكسجين. وقد يستغرب بعض القراء من ضخامة كمية ثاني أكسيد الكربون التي تمتصه النباتات والطحالب من الجو سنويا  حيث يبلغ ربع المخزون الموجود في الجو وهذا يعني أن هذا المخزون يمكن أن يستهلك في أربع سنوات فقط. ولكن بتقدير الله سبحانه وتعالى القائل  "وخلق كل شيء فقدره تقديرا" أنه يوجد ما يسمى بدورة الكربون فالكائنات الحية بمختلف أنواعها تقوم بحرق المواد العضوية داخل خلاياها لتستمد منها الطاقة اللازمة لحياتها وينتج عن عملية الاحتراق هذه ثاني أكسيد الكربون الذي ينطلق إلى الجو ليحافظ على نفس المخزون. ومن لطف الخالق سبحانه وتعالى بمخلوقاته أن المواد العضوية التي لا يتم حرقها من النباتات والحيوانات يسلط عليها كائنات حية دقيقة تسمى الكائنات المحللة كالبكتيريا والفطريات حيث تقوم بتحليلها وتحويل الكربون الذي فيها إلى ثاني أكسيد الكربون ليعاد إلى الجو لحفظ توازنه. إن دورة الكربون هذه تعمل بشكل بالغ الدقة منذ بلايين السنين وتعيش الكائنات الحية بأنواعها الثلاث المنتجة (النباتات والطحالب) والمستهلكة (الحيوانات) والمحللة (البكتيريا والفطريات) في توازن تام للحفاظ على مستوى ثابت لثاني أكسيد الكربون في الجو.
 


 

 ولم يكتفي البشر بزيادة مخزون ثاني الكربون من خلال حرق مختلف أنواع الوقود بهذه الكميات الضخمة بل تسلطوا على الغابات وخاصة الاستوائية منها وقاموا بقطع مساحات واسعة جدا من أشجارها التي كانت تمتص جزءا كبيرا من ثاني أكسيد الكربون مما زاد أيضا من مخزونه في الجو. إن ضخ ما يقرب من ثلاثين بليون طن من ثاني أكسيد الكربون إلى الجو سنويا بالإضافة إلى تقليل ما يمتص منه بسبب تقلص المساحات الخضراء  سيزيد من كميته في الجو ولا بد أن يترتب على ذلك آثار بيئية سيئة حيث أن دورة الكربون لا بد وأن تختل. ولقد لاحظ العلماء المهتمين بدراسة البيئة هذه الزيادة المضطردة في مخزون ثاني أكسيد الكربون في الجو حيث كانت نسبته في في بداية القرن العشرين 280 جزء من مليون وأصبحت الآن بحدود 400 جزء من مليون أي بزيادة تقرب من 25 بالمائة. وقد تمكن العلماء من خلال دراساتهم وأبحاثهم معرفة بعض  الآثار السيئة على البيئة الناتجة عن هذه الزيادة. إن أهم هذه الآثار السيئة هي ما يسمى بظاهرة الاحتباس الحراري حيث أن ثاني أكسيد الكربون بهذه النسبة المقدرة تقديرا بالغا من قبل خالق هذا الكون سبحانه وتعالى يلعب دورا بالغا على ثبات معدل درجة حرارة الأرض البالغ خمسة عشر درجة مئوية. فمن خصائص ثاني أكسيد الكربون العجيبة أنه يسمح بمرور الضوء المرئي وتحت الأحمر القادم من الشمس إلى الأرض  أثناء النهار فتقوم بتسخين سطح الأرض أما في الليل فإنه يمنع مرور جزءا كبيرا من الحرارة المنبعثة من سطح الأرض إلى الفضاء الخارجي ولولا ذلك لهبطت درجة حرارة سطح الأرض أثناء الليل إلى درجات متدنية جدا. وفي حالة زيادة كمية ثاني أكسيد الكربون عن الحد الذي قدره الله فإنه سيعكس كمية أكبر من الحرارة التي تنبعث من سطح الأرض مما يزيد من معدل درجة حرارة سطح الأرض عن المعدل الطبيعي. أما الأثر الثاني فهو أن نسبة كبيرة من ثاني أكسيد الكربون الذي يتم ضخه إلى الجو يتم إمتصاصه في مياه المحيطات والتي تلعب دورا بالغ الأهمية في استقرار هذا الغاز في الجو. إن ثاني أكسيد الكربون الذائب في مياه المحيطات يتحول إلى حامض الكربونيك والكربونات والتي ترفع من درجة حموضة هذه المياه والتي ستؤثر حتما على الكائنات البحرية.  


إن حرق مختلف أنواع الوقود الأحفوري لا يقتصر على إطلاق غاز ثاني أكسيد الكربون بل ينتج عن الاحتراق أنواع مختلفة من الغازات تبعا لنوع الوقود خاصة التي تحتوي على عناصر غير الكربون كالنيتروجين والهيدروجين والكبريت. ومن أهم الغازات الضارة التي تنطلق إلى الجو غاز  ثاني أكسيد الكبريت والذي يضخ منه إلى الجو ما يزيد عن مائة مليون طن سنويا وغاز ثاني أكسيد النيتروجين وأكسيد النتريك. وتكمن خطورة هذه الغازات رغم انخفاض كمياتها بالمقارنة مع ثاني أكسيد الكربون في أنها تتحد مع بخار الماء الموجود في الجو منتجة حوامض الكبريتيك والنيتريك والتي تبقى معلقة في الجو على شكل رذاذ إلى أن تسقط مع مياه الأمطار مكونة ما يسمى بظاهرة الأمطار الحمضية. ولقد اكتشف العلماء هذه الظاهرة منذ بداية القرن العشرين خاصة في المدن التي تكثر فيها المصانع والمركبات ومحطات التوليد حيث لاحظوا ارتفاع نسبة الحموضة في هذه الأمطار. وهذه الأمطار ذات أثر سيء على البيئة فهي تلوث مياه الشرب وتلوث التربة من خلال تفاعلها بعناصرها فتتأثر بذلك إنتاجية المحاصيل وتحول مياه البحيرات المغلقة إلى مياه بنسبة حموضة زائدة تقضي على معظم الكائنات الحية التي تعيش فيها وتتسبب كذلك في تآكل المباني والجسور وأجسام المركبات والآليات والمعدات وغيرها وصدق الله العظيم القائل في محكم كتابه "أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70)" الواقعة.
 


 ومن الغازات الخطيرة التي تنطلق إلى الجو عند احتراق مختلف أنواع الوقود في حالة نقص كمية الأوكسجين هو غاز أول أكسيد الكربون وهو غاز بالغ السمية إذا ما تم استنشاقه ودخوله إلى الدم فهو يقلل من كفاءة نقل الدم للأوكسجين ويتسبب في تكون الجلطات التي تسد الشرايين. وتحتوي العوادم الخارجة من المصانع والمركبات إلى جانب هذه الغازات على مخلفات صلبة تخرج على شكل دخان أسود يملأ أجواء المدن مشكلا ما يسمى بالضباب الدخاني الذي يظهر على شكل ضباب يملأ أجواء المدن خاصة الكبيرة منها.  ومن المواد الخطيرة التي تنطلق كذلك مع عوادم المركبات بروميد الرصاص حيث يتكون نتيجة لإضافة رابع أثيل الرصاص إلى البنزين لتحسين كفاءة احتراقه ولمنع ترسب الرصاص على جدران المحركات يتم إضافة مركب كيميائي هو بروميد الأثيلين ليتفاعل مع الرصاص ليخرج على شكل مادة متطايرة وهي بروميد الرصاص السامة. ولا بد أن نذكر أن نسبة الأوكسجين في الهواء تقل موضعيا في داخل المدن المكتظة بالمركبات حيث تلتهم محركاتها كميات كبيرة من الأوكسجين لإتمام عملية حرق الوقود ولا تتم عملية تعويض النقص في الأوكسجين في تلك المناطق إلا بشكل بطيء وقد يصاب الناس القاطنين في المدن بأمراض متعددة  كأمراض الجهاز الدوري والتنفسي نتيجة لنقص الأوكسجين واستنشاق أول أكسيد الكربون السام ودخان المركبات المنطلقة من عوادم المركبات والمصانع وهم لا يدركون أنها هي السبب في ذلك. ولا يقتصر ضرر الغازات والضباب الدخاني على صحة الإنسان بل يمتد تأثيرها إلى النباتات حيث يترسب الدخان على أوراق النباتات فيسد مساماتها ويحد من نموها بشكل كبير.

 وإلى جانب حرق الوقود الأحفوري يوجد مصادر كثيرة تطلق غازات بأنواع وكميات مختلفة إلى الجو وقد تكون بعض أنواعها أكبر خطرا من الغازات الناتجة عن عمليات الاحتراق. فعمليات إنتاج عشرات الأنواع من المعادن من خاماتها والتي تكون على شكل مركبات كيميائية كالأكاسيد والنترات  والكبريتات وغيرها تتم من خلال إجراء سلسلة عمليات كيميائية يعتمد تعقيدها على نوع المعدن المنتج وتنطلق أثناء هذه العمليات أنواع مختلفة من الغازات. أما المصدر الذي ينتج أنواع لا حصر لها من الغازات التي تلوث الجو فهو تصنيع المركبات الكيميائية من عناصرها الأساسية أو من مركبات كيمائية أخرى كما في مصافي البترول وصناعة البتروكيميائيات  وصناعة الاسمنت  والأسمدة والأدوية والمبيدات الحشرية والمواد المنظفة والمطهرة وصناعة الزجاج والبلاستيك والمواد الخزفية والمطاط وصناعة المواد المتفجرة وصناعة الأقمشة والصباغة والجلود وصناعة العطور ومواد التجميل ومزيلات العرق وغيرها الكثير. لقد وجد العلماء أن أخطر هذه الغازات على النظام البيئي هي مركبات الكلور والفلور والتي يقدر ما يضخ منها إلى الجو سنويا ما يزيد عن مليون طن سنويا. وتكمن خطورة هذه المركبات في أنها خفيفة الوزن وتصل لطبقات الجو العليا بسهولة حيث توجد طبقة الأوزون البالغة الأهمية لحياة الكائنات الحية حيث يقوم الأوزون بامتصاص معظم الأشعة فوق البنفسجية القادمة من الشمس ولا يصل منها إلى الأرض إلا القدر القليل. فعند وصول هذه المركبات إلى طبقات الجو العليا تقوم الأشعة فوق البنفسجية بتحليلها لتنتج عناصر الكلور والفلور والتي تتحد على الفور مع جزيئات الأوزون لتنتج الأوكسجين وبهذا تقل كمية الأوزون في هذه الطبقات وتزداد كمية الأشعة فوق البنفسجية التي تصل إلى الأرض والتي تقوم بتدمير خلايا أجسام الكائنات الحية  وتسبب في ظهور السرطانات في أجسامها وتقلل من كفاءة التركيب الضوئي في النباتات والطحالب والأخطر من ذلك إحداث تغييرات في الصفات الوراثية للكائنات مما يتسبب في ظهور كائنات حية بأجسام مشوهة.

 

تلوث البحار

إن التلوث الذي أصاب مياه الأرض لا يقل عن التلوث الذي أصاب جوها فجميع ما ينتجه البشر من مخلفات صلبة وسائلة وغازية سواء كانت سامة أم غير سامة فإن مصيرها عاجلا أم آجلا إلى خزانات وأنهار وبحيرات ومحيطات هذه الأرض. فما يصرف من نفايات  بشكل مباشر إلى مياه الأرض يمكن حصره في نوعين رئيسين وهما الصرف الصحي والصرف الصناعي حيث يتم إلقاء جميع نفايات ومخلفات وفضلات المنازل والمكاتب والمصانع والورش إلى مياه البحيرات والبحار والمحيطات في المدن والقرى الساحلية أو إلى الأنهار والجداول في المدن والقرى الداخلية والتي مصيرها في النهاية إلى البحار والمحيطات. وتعتمد خطورة مواد الصرف على البيئة على نوع هذه المواد فأقلها خطورة مواد الصرف الصحي حيث تنقل مياه الصرف الصحي مخلفات البشر وفضلات الطعام والزيوت ذات التركيب العضوية والتي تقوم البكتيريا بتحليلها إلى عناصرها الأولية ولا خطر منها على البيئة. وتنقل مياه الصرف الصحي كذلك مساحيق الغسيل والمنظفات ومساحيق وزيوت التجميل وهي إما ذات تركيب كيميائي أو عضوي وفي الغالب يتم تحليل معظمها إلى  عناصرها الأولية ولا خطر منها على البيئة.  
 


إن المخلفات التي تنتجها المصانع بمختلف أنواعها والتي تلقيها في مياه الأنهار والبحار هي الأخطر على البيئة  وذلك لأن معظم ما تنتجه هذه المصانع هي مواد كيميائية عالية الثبات لا يمكن تحليلها من قبل البكتيريا وحتى إذا ما تحللت بطريقة ما فإن عناصرها قد تكون مضرة بالبيئة أكثر مما لو بقيت على حالها ويسمى هذا النوع من التلوث بالتلوث الكيميائي. وتتنوع المواد الكيميائية التي تنتجها المصانع من حيث كمياتها وأنواعها وخطورتها تبعا لنوع الصناعة التي تنتجها فبعض المصانع تنتج مواد كيميائية شديدة السمية وعالية الثبات مثل المنظفات الصناعية والمذيبات العضوية ومركبات الفوسفور ومركبات العناصر الثقيلة كالزئبق والرصاص والزنك والزرنيخ والكادميوم وغيرها من المعادن. فعلى سبيل المثال فإن بعض المنظفات الصناعية عندما تلقى في الأنهار تكون طبقات سميكة من الرغوة التي تعزل مياه الأنهار عن الهواء وتحول دون امتصاص الأوكسجين فتموت الكائنات الحية التي فيها كالأسماك بسبب نقص الأوكسجين. ويعتبر التلوث بالزئبق الذي يستخدم في كثير من الصناعات من أخطر أنواع التلوث الكيميائي حيث أنه عنصر شديد السمية ويكفي تركيز بالغ الضآلة منه في الأنهار والبحار لتسميم الكائنات البحرية وكذلك الكائنات التي تعيش عليها كالإنسان والطيور. وقد اكتشف العلماء مشكلة التسمم بالزئبق في كثير من مناطق العالم وقد لاحظوا أن بعض الكائنات الحية التي تعيش في أماكن بعيدة من مصادر التلوث مصابة بهذا التسمم وذلك بسبب سلسلة الغذاء المعقدة حيث ينتقل الزئبق من كائن إلى كائن من خلال تغذي بعضها على بعض. ولقد وجد العلماء أيضا أن تركيز المواد السامة في أجسام الكائنات البحرية العليا كالحيتان والأسماك الكبيرة تزيد بألف مليون مرة عن تركيزه في ماء البحر التي تعيش فيه وذلك بسبب تراكم هذه المواد في أجسامها وأجسام الكائنات الأصغر منها التي تتغذى عليها. وبما أن الإنسان يقع على رأس الهرم في التسلسل الغذائي فإنه الأكثر تضررا من هذه المواد السامة بسبب أكله لمختلف أنواع الكائنات البحرية والدليل على ذلك  انتشار مختلف أنواع الأمراض بين البشر دون معرفة أسبابها كالسرطان والعقم والأمراض الجلدية والنفسية وغيرها.



 ويعتبر البترول ومشتقاته من أخطر ملوثات مياه البحار والمحيطات حيث يتسرب من البترول مئات آلاف من الأطنان سنويا. ويحدث التسرب بطرق مختلفة كحوادث تحطم ناقلات النفط العملاقة التي تحمل الواحدة منها مئات الآلاف من الأطنان من البترول أو من آبار البترول البحرية أو عند تعبئة الناقلات بالبترول في الموانئ أو تفجر آنابيب البترول. ومن أسباب التسرب أيضا أن ناقلات النفط  تقوم بتعبئة خزاناتها بكميات كبيرة من  ماء البحر بعد تفريغ حمولتها من البترول وذلك للحفاظ على توازنها في رحلة العودة وعند وصولها لمنابع البترول تقوم بضخ هذا الماء بما يحمله من بقايا البترول إلى البحر وبما أن هذه العملية تتمم بشكل مستمر من قبل آلاف ناقلات النفط العملاقة فإن كميات لا بأس بها من البترول تتسرب سنويا إلى مياه المحيطات والبحار. وبما أن البترول ومشتقاته أخف من الماء ولا يذوب فيه فإن كميات قليلة منه تغطي مساحات شاسعة من سطح البحر حيث يشكل طبقة رقيقة على السطح تحول دون دخول الأوكسجين إلى ماء البحر فتموت الكائنات الحية التي توجد تحت البقع الزيتية خنقا. ويعتبر الخليج العربي والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط من أكثر بحار العالم تلوثا بالبترول بسبب وجود معظم منابع البترول في الخليج العربي وأن خط سير معظم ناقلات النفط يمر من خلال البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط.  

   

تلوث التربة والمياه الجوفية

لا يقل خطر التلوث الذي أصاب تربة الأرض عن ذلك الذي أصاب هواء ومياه الأرض. وتتلوث التربة إما بشكل مباشر أو غير مباشر. فالتلوث المباشر يتم من خلال المبيدات التي يستخدمها المزارعون لمكافحة الحشرات والنباتات التي تضر بأشجارهم ومحاصيلهم ويوجد أنواع لا حصر لها من المبيدات الكيميائية التي يتم اختيار تركيبها لتتناسب ونوع الحشرة أو النبتة المراد مكافحتها. ويكمن خطر هذه المبيدات في أنها شديدة السمية حيث لا يقتصر مفعولها على الآفات التي رشت من أجلها بل تقتل طيفا واسعا من النباتات والحشرات والديدان الصغيرة التي لا بد وأنها تلعب دورا مهما في التوازن البيئي.  ويمتد أثر هذه المبيدات إلى العمال الذين يقومون برشها والسكان الموجودين حول المزارع فيتسممون بدرجات متفاوتة فيصابون بالأمراض دون أن يشعرون أنها السبب في ذلك. وقد تتسمم المحاصيل التي رشت عليها هذه المبيدات دون أن تقضي عليها ومن ثم تنتقل هذه المواد السامة إلى أجسام من يتغذى عليها من إنسان وحيوان وتصيبها بالتسمم بشكل بطيء. وغالبا ما تنتقل هذه المبيدات السامة عند نزول الأمطار إلى المياه الجوفية والأنهار والبحيرات والبحار فيتسمم ما فيها من كائنات بدرجات متفاوتة.
 


ومن أشهر المبيدات المستخدمة في مكافحة الحشرات مبيدات الدي دي تي واللندان والدايلدرين والهثباكلور والكلوردان والذي ينتج منها ملايين الأطنان سنويا. وقد يكون من غير المتوقع أن يكتشف العلماء أن الأسمدة أو المخصبات وكذلك الهرمونات التي تضاف إلى التربة لزيادة نمو المحاصيل الزراعية تلعب دورا كبيرا في تلوث التربة وبالتالي مياه الأنهار والبحار. فإلى جانب المخصبات العضوية التي في الغالب لا ضرر منها على التربة فإن المزارعون يضيفون كميات لا بأس بها من الأسمدة غير العضوية كمركبات الفوسفور والبوتاسيوم والنيتروجين والكالسيوم والكبريت والمغنيسيوم  وكذلك كميات قليلة من المعادن الأخرى كالحديد والمنغنيز والزنك والنحاس وغيرها مما تحتاجه النباتات لنموها. ويكمن الخطر الأكبر من هذه المخصبات أن الزائد منها في التربة تنقله مياه الأمطار ومياه الري إلى المياه الجوفية  ومياه الأنهار والبحار مما يزيد من نسب هذه المواد فيها وتصبح غير مناسبة لعيش الكائنات الحية فيها. ومن أخطر هذه المخصبات مركبات الفوسفور أو الفوسفات ومركبات النترات التي يضاف كميات كبيرة منها إلى التربة وقد لاحظ العلماء ارتفاع  نسب هذه المركبات في الأنهار والبحيرات المغلقة والمياه الجوفية وهي ذات أثر وخيم على صحة الإنسان والحيوان إذا زادت نسبها عن حد معين. ومن الملوثات لتربة الأرض الأمطار الحامضية التي شرحناها آنفا فعند سقوطها على التربة تتفاعل الحوامض التي تحملها مع مركبات التربة المختلفة منتجة مركبات جديدة قد تضر بالنباتات التي تزرع فيها هذا بالإضافة إلى أنها ترفع من حموضة التربة التي قد تعمل على قتل كثير من الكائنات الحية الدقيقة والديدان المفيدة للتربة كمثبتات النيتروجين.  


إن آثار هذا الفساد في بيئة الأرض بدأت بوادرها بالظهور فقد لاحظ العلماء من خلال دراسات كثيرة أن معدل درجة حرارة الأرض بدأ بالزيادة عن معدله الطبيعي وأن آثار هذه الزيادة على البيئة  بدأت بالظهور بأشكال مختلفة.  إن أحد نتائج ارتفاع درجة حرارة الأرض هو ذوبان جزء من طبقات الجليد التي تغطي القطب الشمالي والجنوبي للأرض مما سيرفع من منسوب مياه المحيطات والبحار وإغراق كثير من المدن الساحلية وسيؤدي ذوبان  الجليد الذي يغطي قمم الجبال إلى تغير في مناسيب مياه الأنهار العظيمة إما بالزيادة أو النقصان. إن ذوبان جليد القطبين هو أبسط الآثار المتوقعة لظاهرة الاحتباس الحراري فالعلماء متخوفون من آثار أكبر من ذلك لا يمكن لدراساتهم وأبحاثهم التنبؤ بها لما في النظام البيئي من تعقيد وحساسية بالغة لبعض عوامله. فقد يؤدي ارتفاع معدل درجة حرارة الأرض إلى تحول شامل في مناخ هذه الأرض فيزداد التفاوت بين درجات الحرارة الدنيا والعليا في معظم مناطق العالم وتزداد شدة سرعة الرياح بسبب هذا التفاوت وتزداد أو ربما تقل معدلات تكون المنخفضات والمرتفعات الجوية ويزداد معدلات تكون الأعاصير والزوابع وتزداد شدتها وبالتالي قوة تدميرها. وبسبب تفاوت درجات الحرارة ستتأثر إنتاجية الأشجار المثمرة والمحاصيل الزراعية وقد تتحول مناطق زراعية مهمة إلى صحارى أو العكس أو يصيب القحط مناطق كبيرة من الأرض فيقل طعام وشراب الإنسان وبقية الكائنات الحية فيتحقق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تقوم الساعة حتى تُمطِر السماء ولا تنبت الأرض).
 



 أما أخطر أنواع الفساد في النظام البيئي فهو زيادة أنواع الكائنات الحية المعرضة للانقراض بسبب السطو الجائر على كثير من الكائنات الحية أو السطو على أماكن سكناها أو تلويثها بمختلف أنواع المواد الكيميائية أو الإشعاعية. ولقد تنبأت كثير من الأحاديث النبوية بحصول مثل هذا الاختلال البيئي في آخر الزمان وربما انهياره بشكل كامل وانتهاء ظاهرة الحياة على الأرض.  فقد جاء في كتاب الفتن لنعيم بن حماد: حدثنا عبيد بن واقد القيسي عن محمد بن عيسى الهذلي عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "خلق الله تعالى ألف أمة ستمائة في البحر وأربع مائة في البر وأول شيء من هذه الأمم هلاكا الجراد فإذا هلكت تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه" ويمكن للقارئ الرجوع لمقالة (حديث هلاك الجراد) لمزيد من التفصيل.                          

المراجع

1-      القرآن الكريم

2-      تفسير القرطبي

3-      التلوث مشكلة العصر، تأليف الأستاذ الدكتور أحمد مدحت إسلام، عالم المعرفة،1990م.

4-       الإنسان والطبيعة،  تأليف جان ميري بيلت، ترجمة محمد عثمان، عالم المعرفة 1994.