2013-08-20

أخرج منها ماءها ومرعاها


أخرج منها ماءها ومرعاها

الدكتور منصور أبوشريعة العبادي\جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية

إن كثيرا من الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة  التي تتحدث عن الأحداث التي مرت بها مكونات هذا الكون منذ أن خلقه الله عز وجل أصبح تفسيرها في هذا العصر سهلا وواضحا بعد أن أشكل على القدامى تفسيرها. وقد جاء هذا الوضوح في تأويل هذه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بعد أن مكن الله عز وجل البشر من كشف كثير من أسرار الكون في هذا العصر  والذي أكد القرآن الكريم عليه في عدة آيات كما في قوله تعالى "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)"  فصلت وقوله تعالى "وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93)" النمل.   ومن الحقائق التي أشكل على المفسرين القدامى فهم معناها هي المقصود بكلمة المرعى في  قوله تعالى " وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (33)  " النازعات وقوله تعالى " سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (5) " الأعلى. وقد حدث هذا الإشكال في فهم معنى المرعى نتيجة لإرتباط معنى كلمة المرعى بما ترعاه الحيوانات من الشجر والعشب وعلى هذا فلا يمكن أن يكون المرعى متاعا للبشر كما نصت على ذلك آية النازعات ولذلك قال المفسرون أن المرعى  يشمل ما يأكله الناس من الأقوات والثمار وذلك على سبيل الإستعارة.  أما الإشكال في آية الأعلى فهو  في وصف الغثاء الذي جعله الله عز وجل من المرعى بأنه أحوى وهو الأخضر  الضارب للسواد أو الأسود وهذا ما لا  يكون إذا كان المقصود بالغثاء هو العشب اليابس حيث أن العشب عند يباسه له لون أصفر  وليس أسود ولذا قال بعض المفسرين كالقرطبي أن الأحوى هو صفة للمرعى وليس للغثاء رغم أنها جاءت بعد الغثاء. والحقيقة أن المرعى الوارد في الآيتين له معنى أشمل من أن يكون مرعى الحيوانات الآكلة للنباتات بل المقصود به هو الغازات التي أخرجها الله عز وجل من باطن الأرض عند أول نشأتها لتملأ جو الأرض. فمن الحقائق التي اكتشفها البشر  في هذا العصر أن حياة جميع الكائنات الحية تقوم على أربعة عناصر كيميائية رئيسية وهي الأوكسجين والهيدروجين والكربون والنيتروجين وجميعها تأخذها النباتات والطحالب من الماء  ومن غازي ثاني أكسيد الكربون والنيتروجين الموجودين في الهواء. 

ولكي نتمكن من فهم مدلولات الآيات القرآنية التي تتحدث عن مراحل خلق الكون وعلى الخصوص الآية عنوان هذه المقالة لا بد من سرد الحقائق العلمية التي اكتشفها العلماء في هذا العصر عن مراحل خلق الكون ثم نشرح هذه الآيات على ضوء هذه الحقائق. لقد نشأ هذا الكون طبقا للنظريات العلمية الحديثة نتيجة لانفجار كوني عظيم انبثقت منه جميع مادة هذا الكون أطلق عليه العلماء الانفجار  اسم "الانفجار العظيم".  لقد كان الكون الأولي على شكل كرة نارية متجانسة تملؤها سحابة من المادة الصرفة وظلت هذه الكرة تتمدد وتتسع بصورة مذهلة إلى أن وصلت درجة حرارتها إلى ألف تريليون درجة مطلقة بعد مرور أقل من ميكروثانية من لحظة الإنفجار. وعند درجة الحرارة هذه بدأت الجسيمات الأولية البسيطة  كالكواركات واللبتونات والفوتونات بالتشكل من هذه المادة الصرفة وبدأت كذلك قوى الطبيعية الأربعة التي كانت موحدة في قوة واحدة  بالانفصال عن بعضها البعض.  ومع استمرار تناقص درجة حرارة هذا الكون الناشئ  إلى تريليون درجة مطلقة بعد مرور ما يقرب من ثانية واحدة بدأت مكونات الذرة الأساسية من بروتونات ونيوترونات وإلكترونات بالتشكل من خلال اندماج أنواع الكواركات والليبتونات المختلفة مع بعضها البعض نتيجة  لتأثير القوى الطبيعية المختلفة.

 


أما المرحلة الثانية من مراحل خلق الكون فهي مرحلة تكون المجرات والنجوم من هذا الدخان الذي أصبح يتكون من البروتونات والنيوترونات والإلكترونات والفوتونات.  فبعد أن برد الكون المتمدد إلى ما دون ثلاثة آلاف درجة كلفن بدأت الإلكترونات بالارتباط بالبروتونات نتيجة لتأثير القوة الكهرومغناطيسية مشكلة بذلك ذرات الهيدروجين والتي تتكون من بروتون واحد وإلكترون واحد. ومع اتحاد البروتونات مع الإلكترونات أصبحت جميع مكونات الكون متعادلة كهربائيا معطية المجال لقوة الجاذبية لكي تقوم بدورها في بناء أجرام هذا الكون رغم ضعفها الشديد مقارنة مع قوى الطبيعة الأخرى. لقد بقي الكون حتى هذه اللحظة متجانسا أيّ أن المادة الدخانية المكونة من ذرات الهيدروجين  والنيوترونات موزعة على جميع أنحاء الكون بالتساوي وبنفس الكثافة ولكن في لحظة ما بدأت كثافة مادة الكون بالاختلال لسبب لم يجد العلماء له تفسيرا قاطعا وتكونت نتيجة لهذا الاختلال مراكز جذب موزعة في جميع أنحاء الكون وبدأت قوة الجاذبية تلعب دورها في غياب تأثير القوة الكهرومغناطيسية  وذلك من خلال جذب مزيد من الهيدروجين المحيط بهذه المراكز  إليها منشئة بذلك كتل ضخمة من الهيدروجين.  وعندما وصل حجم هذه الكتل الهيدروجينية إلى حجم معين ونتيجة للضغط الهائل على الهيدروجين الموجود في مراكز هذه الكتل ارتفعت درجة حرارته إلى الحد الذي بدأت فيه عملية الاندماج النووي  بين ذرات الهيدروجين منتجة بذلك ذرات الهيليوم بالإضافة إلى كميات كبيرة من الطاقة فتكونت بذلك النجوم. وتتفاوت أحجام النجوم المتكونة حسب كمية الهيدروجين الذي سحبته من الفضاء الكوني وحسب موقعها في إطار هذا الكون فكلما ازداد حجم النجم كلما ازدادت درجة حرارة باطنه بسبب ازدياد الضغط الواقع عليه. فالنجوم التي هي بحجم شمسنا لا يمكنها أن تحرق إلا الهيدروجين في باطنها وذلك بسبب صغر حجمها النسبي وبالتالي قلة درجة حرارة جوفها ولذلك فهي لا تصنع إلا عنصر الهيليوم في داخلها. ولتصنيع عناصر أثقل من الهيليوم قدّر الله وجود نجوم أكبر حجما وأعلى درجة حرارة من الشمس وبداخل  مثل هذه النجوم العملاقة بدأت عمليات اندماج نووية أكثر تعقيدا بين ذرات الهيليوم منتجة بذلك ذرات عناصر الليثيوم والكربون والنيتروجين والأكسجين وانتهاء بالعناصر الثقيلة كالحديد والرصاص واليورانيوم وبقية العناصر الطبيعية التي يزيد عددها عن مائة عنصر.  وكما أن الاختلال الذي حصل في كثافة مادة الكون قد أدى إلى تكون النجوم بشكل منتظم في أرجاء الكون فإن اختلال آخر قد حصل في كثافة هذه النجوم بحيث أن النجوم المتجاورة بدأت بالانجذاب نحو مراكز ثقلها وبدأت بالدوران حول هذه المراكز مكونة المجرات. 

ولقد ذكر القرآن الكريم  هذه المراحل من مراحل خلق الكون في قوله تعالى " ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12)" فصلت. ولقد ذكرنا في مقالة (خلق الأرض في يومين) أن القرآن الكريم  من بين الكتب السماوية قد تفرد بذكر  حالة الدخان التي كان عليها الكون عند أول نشأته وفي إيراد القرآن لهذه الحقيقة معجزة كبرى تدل على أنه منزل من لدن من خلق هذا الكون سبحانه وتعالى فالبشر لم يهتدوا إلى معرفة هذه الحقيقة إلا في القرن الميلادي العشرين. وذكرنا كذلك أن المقصود باليومين هو المدة الزمنية التي مرت على الأرض منذ أن كانت في حالة الدخان إلى أن أخذت موقعها في مدار ثابت حول الشمس على شكل كرة ملساء ذات سطح شبه سائل. وهذان اليومان هما نفس اليومين اللذين خلق الله فيهما السموات السبع حيث أن عملية خلق السموات والأرض قد بدأت في نفس الوقت وصنعت من نفس الدخان الذي كان يملأ الفضاء الكوني كما هو واضح من نص الآية.


 

أما المرحلة الثالثة من مراحل تكون الكون فهي تكون الكواكب والتي لم يجمع العلماء على رأي واحد حول الكيفية التي تكونت بها حول نجومها بل تم طرح عدة نظريات لتفسير طريقة تكونها. فمن هذه النظريات أن المجموعة النجمية والتي تتكون من نجم واحد يدور حوله عدد من الكواكب وكذلك عدد من الأقمار  التي تدور حول هذه الكواكب قد تكونت بكاملها من كتلة ضخمة من السديم الناتج عن إنفجار نجم ضخم جدا تمكن من تصنيع معظم عناصر الطبيعة.  وقد تجمع السديم الواقع في مركز هذه الكتلة ليكون نجما جديدا بينما تجمع السديم البعيد عن المركز  في مواضع متباعدة ليكون الكواكب وأقمارها. ومن هذه النظريات تلك التي تقول أن المواد الخام المكونة لكواكب المجموعة الشمسية قد جاءت من خارج هذه المجموعة وتستند هذه النظرية إلى حقيقة مهمة وهي أن عدد وكمية العناصر الطبيعية الموجودة في الكواكب وخاصة الأرض لا يمكن لنجم واحد أن ينتجها.  ويرجح العلماء  فكرة أن مادة الكواكب قد جاءت نتيجة انفجار عدد كبير من النجوم الضخمة بعد  نضوب وقودها من الهيدروجين وغيرها من العناصر الخفيفة وتحولها إلى العناصر الطبيعية المختلفة. وقد وقعت المواد المتطايرة من هذه النجوم في أسر جاذبية الشمس فأخذت تدور حولها مكونة الكواكب المختلفة وذلك نتيجة لقوى الجذب بين المواد المتطايرة الغنية بمختلف العناصر الطبيعية.

 


أما المرحلة الرابعة فهي مرحلة تأهيل الأرض لتكون صالحة لظهور الحياة عليها وهي ظاهرة فريدة قد لا تتكرر في هذا الكون رغم وجود بلايين المجموعات النجمية فيه وذلك بسبب ضرورة إجتماع عدد كبير من الشروط التي تلزم لظهور الحياة على كوكب ما كما شرحت ذلك بالتفصيل في مقالة (وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام). لقد كانت الأرض عند بداية تكونها كرة ملتهبة من مادة سائلة أو شبه سائلة مكونة من جميع العناصر الطبيعة وذلك بسبب التصادمات العنيفة بينها وبين النيازك والشهب التي تقع عليها من الحطام المتناثر  في الفضاء. ولقد كان من الضروري أن تكون مادة الأرض عند بداية تكونها على شكل سائل أو شبه سائل وذلك لكي تأخذ الشكل الكروي الذي هي عليه الآن فالشكل الوحيد الذي تتخذه كتلة من المادة السائلة في الفضاء الكوني هو الشكل الكروي. وعند وجود هذه الكتلة السائلة في مجال جاذبية جسم ما كالشمس فإن تبعجا سيحدث في شكل هذه الكرة باتجاه قوة الجذب ويمكن إزالة مثل هذا التبعج من خلال تدوير هذه الكرة بسرعة مناسبة حول محور متعامد مع اتجاه القوة الجاذبة وهذا بالضبط ما حصل مع الأرض عند بداية تكونها.   أما الحكمة الثانية من ضرورة أن تكون الأرض البدائية على شكل كتلة سائلة فهي لتمكين العنصر  الثقيلة وخاصة الحديد والنيكل من التجمع في مركز  الأرض  وكذلك تمكين كثير من العناصر والمركبات الضرورية للحياة للطفو على سطح الأرض أو التجمع كغازات لتكون الغلاف الجوي للأرض. إن وجود قلب كبير من الحديد والنيكل في مركز الأرض ضروري لإنتاج مجال مغناطيسي قوي حول الأرض وقد تبين للعلماء أن هذا المجال المغناطيسي لم يخلق عبثا بل هو الدرع الذي يحمي سطح الأرض من وصول إشعاعات الشمس الضارة إلى سطحها والتي تدمر أي شكل من أشكال الحياة عليها.  ومع تضاؤل كمية هذا الحطام وتوزعه على كواكب المجموعة الشمسية بدأت الكميات  التي تقع منه على الأرض تقل بشكل تدريجي. وبدأ سطح الكرة الأرضية يبرد شيئا فشيئا نتيجة الإشعاع الحراري للفضاء الخارجي ولكن لا زال  باطنها يغلي ويفور بالمواد المنصهرة والتي كانت الأرض تقذف بها على شكل براكين رهيبة إلى خارج سطحها. ولكن سطح الأرض شبه السائل  لم يكن ليقوي على حمل الكتل  الضخمة من المواد المنبعثة من هذه البراكين حيث سرعان ما تغوص إلى داخل الأرض. ولكن مع تواصل الإشعاع الحراري من سطح الأرض الملتهب بدأ سطحها يبرد شيئا فشيئا إلى أن بدأ بالتجمد مكونا قشرة صلبة ولكنها رقيقة نسبيا ولكن سمك هذه القشرة بدأ بالازدياد مع مرور الزمن إلى أن وصل لعدة عشرات من الكيلومترات في الوقت الراهن.  

 

وعندما أصبح سمك القشرة الأرضية بالقدر الكافي بدأت المواد التي تقذف بها البراكين من جوف الأرض بالتراكم فوقه ليبدأ بذلك تكون الجبال. والتي لا زال مشهد تكونها من البراكين قائما إلى يومنا هذا.  ومن عجائب التقدير أن البشر يعيشون آمنين مطمئنين على ظهر كرة ملتهبة من المواد المنصهرة تبلغ درجة حرارتها عند مركز الأرض خمسة آلاف درجة ويزيد نصف قطرها عن ستة آلاف كيلومتر ولا يعزلهم عن حرارتها إلا قشرة رقيقة من الصخور لا يتجاوز سمكها الخمسين كيلومتر. ولكن هذه القشرة الرقيقة هي التي ساعدت على بقاء مواد الأرض في حالتها المنصهرة حيث عملت كطبقة عازلة حالت دون إشعاع حرارة الأرض الداخلية إلى الفضاء الخارجي الذي تصل درجة حرارته قريبا من الصفر المطلق.  وفي الإبقاء على مواد الأرض الداخلية في حالة الانصهار حكمة بالغة حيث أن هذه المواد المنصهرة التي تخرج على شكل براكين من حين لآخر هي التي تزود سطح الأرض بالمواد اللازمة للكائنات الحية التي تعيش على سطح الأرض كالماء وثاني أكسيد الكربون وغيرها من العناصر الطبيعية.  ولو أن القشرة الأرضية قد تكونت وكانت بسمك لا يسمح بخروج المواد المنصهرة منها على شكل براكين فسيبقى سطح الأرض كرة ملساء  جامدة وقاحلة لا تضاريس عليها كما هو الحال مع أسطح كثير من كواكب المجموعة الشمسية وكما سيكون حالها في آخر الزمان عند تعرضها لزلازل رهيبة تسوي الجبال بالأرض وذلك مصداقا لقوله تعالى "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107)" طه.

وبعد أن تكونت القشرة الأرضية أصبح سطح الأرض باردا نسبيا وأصبحت درجة حرارته تتحدد من كمية الإشعاع الشمسي الذي يصل إلى سطحها وكذلك من مكونات الغلاف الجوي والذي كان يتكون في البدء بشكل رئيسي من بخار الماء وثاني أكسيد الكربون والنيتروجين والميثان ولكنه يخلو تماما من الأوكسجين الذي إتحد بكامله مع معظم العناصر  الطبيعية الموجودة في القشرة الأرضية وذلك بسبب شدة تفاعله مع العناصر المختلفة. ويعمل الغلاف الجوي على إبقاء درجة حرارة سطح الأرض في الليل والنهار ضمن الحدود المسموح بها لبقاء الحياة على الأرض حيث لا يتجاوز الفرق بين أعلى وأقل درجة في أقسى الظروف الأرضية الخمسين درجة مئوية وعند مقارنة ذلك بدرجة حرارة سطح القمر الذي يفتقر لغلاف جوي نجد أن درجة حرارة سطحه تبلغ مائة وثلاثون درجة مئوية في النهار ومائة وسبعون درجة مئوية تحت الصفر في الليل أيّ بفارق ثلاثمائة درجة مئوية. أما المهمة الثانية للغلاف الجوي فهي حماية الكائنات الحية من الإشعاعات الضارة التي تصل إلى الأرض من الشمس ومن الشهب والنيازك القادمة من الفضاء الخارجي حيث تعمل طبقة الأوزون الموجودة في أعالي الغلاف الجوي على امتصاص هذه الإشعاعات الضارة بينما يتم حرق كتل الشهب والنيازك أثناء مرورها عبر الغلاف الجوي بسرعات عالية. أما المهمة الثالثة للغلاف الجوي فهي توفير الغذاء اللازم لجميع الكائنات الحية حيث يحتوي على أهم أربعة عناصر تحتاجها الكائنات الحية وهي الكربون والأوكسجين والنيتروجين والهيدروجين.
 


وعندما برد سطح الأرض بدأ بخار الماء بالتكثف ليغمر معظم سطح الأرض مكون محيط هائل من الماء. ولو أن الأرض بقيت على شكل كرة ملساء كما كان حالها عند بداية خلقها لغطت كمية الماء الموجودة على سطحها فقط جميع سطح الأرض بارتفاع  ثلاثة كيلومترات. ولكن بتقدير من الله  عز وجل وبسبب ضغط الماء الهائل على قشرة الأرض التي كانت طرية ورقيقة عند بداية تكونها فقد بدأ جزء من سطح الأرض بالانخفاض تحت وطأة هذا الضغط ممّا جلب مزيدا من الماء لهذا الجزء الذي واجه مزيدا من الانخفاض. وقد توالت هذه العملية حتى تجمع الماء في جهة واحدة من سطح الأرض وانحسر عن الجزء المتبقي من السطح الذي ارتفع مستواه بسبب الضغط المعاكس على القشرة من  داخل الأرض مكونا اليابسة. ولقد تأكدت هذه الحقيقة بعد اكتشاف علماء الجيولوجيا أن المحيطات الحالية كانت محيطا واحدا وكذلك القارات التي كانت قارة واحدة ولكن وبسبب حركة الصفائح التي تتكون منها القشرة الأرضية بدأت القارة الأولية بالانقسام إلى عدة قارات بشكل بطيء جدا بما يسمى ظاهرة انجراف القارات. ومع تكون المحيطات بدأ ثاني أكسيد الكربون الموجود في جو الأرض بالذوبان في الماء لتتقلص كمياته في الجو بشكل كبير جدا. ومع إنخفاض كميات بخار الماء وثاني أكسيد الكربون في الجو  حصل مزيد من الإنخفاض على درجة حرارة سطح الأرض وذلك لأنهما يلعبان دورا كبيرا في ظاهرة الإنحباس الحراري.  وبعد مرور ما يقرب من بليون سنة من نشأة الأرض خلق الله عز وجل أول شكل من أشكال الحياة وهي بكتيريا قادرة على القيام بعملية التمثيل الضوئي حيث تمتص غاز ثاني أكسيد الكربون من الجو  وتطلق الأوكسجين إلى الجو  الذي كان خاليا تماما من الأوكسجين وقد استمرت هذه الكائنات الدقيقة بإنتاج الأوكسجين إلى أن وصلت نسبته في الجو إلى 21 % بينما تقلصت نسبة ثاني أكسيد الكربون إلى 0,038%. وبعد أن وفر الله عز وجل كل أسباب الحياة على هذه الأرض بدأت الكائنات البحرية بالظهور تدريجيا ومن ثم خلق الله النباتات والحيوانات بمختلف أنواعها ومن ثم خلق الله الإنسان في آخر ساعة من ساعات اليوم السادس من أيام الخلق كما جاء ذلك في حديث خلق العالم.  ففي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه والإمام أحمد في مسنده عن أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "خلق الله التربة يوم السبت وخلق الجبال فيها يوم الأحد وخلق الشجر فيها يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبثّ فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد عصر يوم الجمعة فيما بين العصر إلى الليل". وقد ضعف الإمام البخاري هذا الحديث بسبب تعارضه مع صريح القرآن حيث حدد القرآن أيام الخلق بستة أيام بينما حددها هذا الحديث بسبعة أيام ولكن هذا التضعيف بسبب حصول خطأ ما في الحديث أثناء تناقل الرواة له لا يمنع الاستفادة من بعض الحقائق الواردة فيه. ومن الواضح أن هذا الحديث النبوي يحدد أهم الأحداث التي حصلت على الأرض فقط بينما حددت الآيات القرآنية أهم أحداث خلق الكون ككل. وقد جاء ترتيب خلق المخلوقات في هذا الحديث موافقا للمدد الزمنية التي حددتها الآيات القرآنية ومتوافقا كذلك مع الترتيب الذي وضعه علماء التطور لأنواع الكائنات الحية وأزمان ظهورها على سطح الأرض. فقد تمكن العلماء في مختلف التخصصات من رسم صورة واضحة وتفصيلية لجميع الأحداث التي مرت على الأرض منذ أن كانت كرة ملتهبة إلى أن أصبحت على هذا الشكل البديع التي هي عليه الآن وكذلك أزمان خلق مختلف أنواع الكائنات الحية والتي جاءت متطابقة تماما مع  الترتيب الذي جاء في حديث خلق العالم.

 وقد ذكر الله عز وجل هذه المراحل الأخيرة  من مراحل خلق الكون في عدة آيات منها قوله تعالى "قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10)" فصلت. وكما هو واضح من هذه الآية فإن عملية تجهيز الأرض بعد أن استقرت في مدارها حول الشمس لتكون صالحة لظهور الحياة عليها قد استغرق أربعة أيام من أيام الله وهي من مثل الأيام التي خلق الله بها السموات والأرض بشكلها الأولي والذي استغرق يومين من أيام الله. إن هذه الأيام التي لا يعلم طولها بالتحديد إلا هو سبحانه وتعالى ولكن بمقارنتها مع الأزمان التي حددها العلماء للأحداث التي مر بها تطور الكون يتبين أن طول اليوم الواحد لا يقل عن ألف مليون سنة. وتعني كلمة الأقوات في هذه الآية كل ما يلزم من شروط ظهور الحياة على سطح الأرض فالقوت للكائن الحي هو ما يلزمه من طعام يبقيه على قيد الحياة. ففي هذه الأيام الأربعة تكونت الجبال والقارات والمحيطات والبحيرات والأنهار وتشكل الغلاف الجوي الذي بدأ بحماية الأرض من بقايا النيازك الشهب التي كانت ترشق الأرض من الفضاء الخارجي ومن الأشعة الضارة التي تصدرها الشمس  وامتلأ كذلك بمختلف أنواع الغازات التي ستلزم لحياة الكائنات الحية.  

أما الآية الأخرى  التي تتحدث عن مراحل تهيئة الأرض لتكون صالحة لظهور الحياة فهي قوله تعالى " وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (33)  " النازعات. فهذه الآية تقرر ثلاث حقائق بالغة الأهمية حول نشأة الأرض فأولها  حقيقة تدوير الأرض حول محورها بسرعة مناسبة لتأخذ شكلها الكروي عندما كانت سائلة وكذلك لتعريض سطحها لأشعة الشمس من خلال تعاقب الليل والنهار  وذلك في قوله تعالى " وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ". أما الحقيقة الثانية فهي إخراج  أهم عناصر الحياة وهي الماء وغازي ثاني أكسيد الكربون والنيتروجين من باطن الأرض إلى الغلاف الجوي لكي تتمكن الكائنات الحية المنتجة وهي النباتات في البر والطحالب في البحر من إمتصاصه بسهولة من الجو وذلك في قوله تعالى " أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا". ولقد تم إخراج معظم هذه العناصر من باطن الأرض إلى الغلاف الجوي قبل  تشكل القشرة الأرضية  وذلك بدليل أنها تمت قبل عملية تشكل الجبال والتي لا يمكن أن تحدث إلا بعد تكون القشرة الأرضية التي رست عليها هذه الجبال وذلك في قوله تعالى " وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا".  إن  حدوث عملية إخراج الماء والمرعى من الأرض قبل عملية تكون الجبال يدل بوضوح أن المقصود بالمرعى ليس النباتات أبدا كما يعتقد المفسرون  فلا يمكن للحياة أن تظهر على الأرض قبل أن تتكون الجبال وكما نصت على ذلك آية فصلت التي تؤكد على أن تكون الجبال كان أول أحداث تقدير الأقوات في قوله تعالى " وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10)" فصلت . وسنورد فيما يلي بعض الحقائق التي تؤكد على أن المقصود بالمرعى في الآية هو الغازات الموجودة في الغلاف الجوي وخاصة ثاني أكسيد الكربون والنيتروجين والتي تقوم عليها حياة جميع أنواع الكائنات الحية وكذلك العناصر الطبيعية الأخرى التي أخرجت من باطن الأرض إلى  قشرتها.

وتحتاج الكائنات الحية لبناء أجسامها ما يقرب من ستين عنصرا من العناصر الطبيعية التي يحويها تراب الأرض ومائها وهوائها والبالغ عددها اثنين وتسعين عنصرا. وتشكل أربعة من هذه العناصر  وهي الكربون والأوكسجين والهيدروجين والنيتروجين ما يقرب من ثمانية وتسعين بالمائة من وزن الكائن الحي بينما تشكل بقية العناصر الإثنان بالمائة المتبقية والتي من أهمها الكالسيوم والفوسفور والكبريت والصوديوم والمغنيسيوم والبوتاسيوم والكلور والفلور واليود والحديد والنحاس والزنك والمنغنيز والموليبدنيوم والسلينيوم والكروم والبرومين والسيليكون والرصاص والألمنيوم والليثيوم والزرنيخ. ويوجد تفاوت ملحوظ في نسب العناصر الرئيسية من حيث الوزن في النباتات والحيوانات الحية فنسبها في النباتات هي 75% للأوكسجين و12% للكربون و 10% للهيدروجين و 2% للنيتروجين وأما نسبها في الحيوانات فهي 63% للأوكسجين و19% للكربون و 10% للهيدروجين و 4% للنيتروجين بالإضافة إلى 2% من الكالسيوم والذي يلزم لبناء العظام في الحيوانات.  وإذا ما استثنينا الماء من أجسام الكائنات الحية فإن نسب هذه العناصر الأربعة  من وزن المواد العضوية الموجودة في أجسام الكائنات الحية هي 45% للكربون و 42% للأوكسجين و 7% للهيدروجين و 3% للنيتروجين.

ومن الجدير بالذكر  أن الأرض تحتوي على 92 عنصرا من عناصر الطبيعة ولكن بنسب متفاوته حيث يشكل الحديد 32 % من وزن الأرض يليه الأوكسجين بنسبة 30% ثم السيليكون بنسبة 15% ثم المغنيسيوم بنسبة 14 % ثم الكبريت بنسبة 3 % ثم النيكل والكالسيوم بنسبة 2 % لكل منهما ثم الألمنيوم بنسبة 1 % بينما تشكل العناصر المتبقية النسبة المتبقية وهي 1 %.  إن نسب العناصر  الطبيعية في القشرة الأرضية يختلف كثيرا عن نسبها في الأرض ككل وذلك بسبب غوص العناصر الثقيلة إلى باطن الأرض وطفو  الخفيفة إلى السطح حيث تبلغ نسبة الأوكسجين في القشرة الأرضية 47 % يليه السيليكون بنسبة 28 % ثم الألمنيوم بنسبة 8% ثم الحديد بنسبة 5 % ثم الكالسيوم بنسبة 4 % ثم الصوديوم والبوتاسيوم والمغنيسيوم بنسبة 2%  لكل منها ثم بقية العناصر بنسبة 2 % . ومن عجائب التقدير أن جميع العناصر الطبيعية بلا إستثناء موجودة في القشرة الأرضية وكان من الممكن أن تغوص الثقيلة منها كاليورانيوم والنحاس والتنجستون وغيرها في باطن الأرض ولكن بسبب إتحادها مع الأوكسجين أصبحت مركباتها خفيفة الوزن فطفت على السطح وذلك لكي يستفيد البشر منها وخاصة في هذا العصر وصدق الله العظيم القائل "وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)" إبراهيم.

تتكون أجسام الكائنات الحية من ثلاثة أنواع رئيسية من المواد وهي الماء (Water) والمواد العضوية (Organic) والمواد غير العضوية (Nonorganic). ويشكل الماء نسبه عالية من وزن أجسام الكائنات الحية حيث تتراوح هذه النسبة بين خمس وستين بالمائة وتسعين بالمائة وذلك حسب نوع الكائن. إن الدور المهم الذي يلعبه الماء في ظاهرة الحياة هو كونه السائل الوحيد الذي يسهل التفاعلات الكيميائية بين جزيئات المواد التي تلزم لبناء أجسام الكائنات الحية بل إنه يدخل في تركيب المواد العضوية التي تنتجها الخلايا الحية. وكذلك فإن كمية الماء العالية في أجسام الكائنات تساعد على حفظ حرارة أجسامها عند درجات حرارة محددة وذلك لأن درجة حرارة الماء لا تستجيب بسرعة للتغيرات في درجة حرارة الجو المحيط به بسبب ارتفاع حرارته النوعية.  أما المواد العضوية فتصنف إلى أربعة أنواع رئيسية وهي البروتينات والدهون والكربوهيدرات  والأحماض النووية وأما المواد غير العضوية فتتكون من أنواع مختلفة من الأملاح المعدنية (Mineral salts). فالبروتينات Proteins)) تبنى من أربعة عناصر رئيسية وهي الكربون والهيدروجين والأوكسجين والنيتروجين إلى جانب كميات قليلة جدا من العناصر الأخرى كالكبريت والفسفور واليود والمغنيسيوم والمنجنيز والحديد وغيرها. وتستخدم البروتينات لبناء أجسام الحيوانات وتدخل في تركيب كثير من الجزيئات العضوية التي تنظم مختلف العمليات الحيوية في أجسام جميع أنواع الكائنات الحية. أما الكربوهيدرات (Carbohydrates) فتبنى من ثلاثة عناصر فقط وهي الكربون والهيدروجين  والأوكسجين ووظيفتها الرئيسية هي تخزين الطاقة الكيميائية التي تستمدها من الشمس في روابطها ومن ثم إمداد خلايا الجسم بهذه الطاقة للقيام بمختلف وظائفها الحيوية. وأما الدهون Lipids or Fats)) فتبنى من ثلاثة عناصر وهي الكربون والهيدروجين والأوكسجين بالإضافة إلى بعض العناصر الثانوية كالفوسفور والنيتروجين والكبريت ولها وظائف متعددة أهمها تخزين الطاقة لفترات زمنية طويله وإمداد الجسم بها عند الحاجة وتدخل كذلك في تركيب كثير من مكونات الخلية وعلى وجه الخصوص الغشاء الخلوي والغشاء النووي. أما الأحماض النووية Nucleic Acids)) فتبنى من أربعة عناصر رئيسية وهي الكربون والهيدروجين والأوكسجين والنيتروجين وتستخدم كوحدات بناء في الأشرطة الوراثية وذلك لتخزين البرامج التي تقوم بتصنيع أجسام الكائنات الحية وكذلك إدارة العمليات الحيوية التي تجري داخل خلاياها.

لقد تبين من الشرح السابق أن حياة جميع أنواع الكائنات الحية  تقوم بشكل رئيسي على أربعة عناصر طبيعية وهي الكربون والهيدروجين والأوكسجين والنيتروجين حيث تشكل ما نسبته 98 % من وزن جسم الكائن الحي. إن المصدر الرئيسي للكربون والأوكسجين هو ثاني أكسيد الكربون الموجود في الهواء أو المذاب في الماء وأما مصدر الهيدروجين فهو الماء وأما مصدر النيتروجين فهو الهواء الذي تقوم الكائنات الحية الدقيقة بتثبيته في تراب الأرض ومياهها.  وعلى الرغم من أن نسبة الأوكسجين في القشرة الأرضية هي 47 % إلا أن الكائنات لا  تستفيد إلا من الأوكسجين الموجود في ثاني أكسيد الكربون حيث أن معظمه متحد مع بقية العناصر على شكل أكاسيد المعادن والسيليكات. ولهذا فإن كميات هذه العناصر  الكيميائية الأربعة التي تحتاجها الكائنات الحية والموجودة في الهواء والماء تعتبر ضئيلة جدا ويمكن أن تستهلك في فترة زمنية قصيرة نسبيا ولذلك أبدع الخالق سبحانه وتعالى آليات بالغة الإتقان لحفظ هذه العناصر من النضوب وذلك من خلال ما يسمى بدورات هذه العناصر وهي دورة الماء ودورة الكربون ودورة الأوكسجين ودورة النيتروجين.

دورة الماء

يقدّر علماء الجيولوجيا كمية الماء الموجودة على الأرض بستة عشر بليون كيلومتر مكعب أو ما يساوي ستة عشر بليون بليون طن أي أن نسبة كتلته إلى كتلة الأرض تبلغ 0,25%. ويوجد القسم الأكبر من هذه الكمية والتي تقدر  بثلاثة عشر بليون كيلومتر مكعب في طبقات الأرض الواقعة تحت القشرة الأرضية وهي موجودة على شكل بخار ماء مضغوط وذلك بسبب الحرارة العالية لباطن الأرض. أما الكمية المتبقية والتي تقدّر بثلاثة بلايين كيلومتر مكعب فإن نصفها يدخل في تركيب الصخور والمعادن الموجودة في القشرة الأرضية بينما يوجد النصف الآخر في المحيطات والبحار والأنهار. ويتجمع معظم الماء الموجود على سطح الأرض في محيطات وبحار الأرض إلا أن هناك ما يقرب من مائة مليون كيلومتر مكعب من الماء  موجودة على اليابسة في تجاويف القشرة الأرضية وفي البحيرات والأنهار والتربة على شكل سائل وفي المناطق الجبلية والجليدية على شكل جليد. ويعتقد العلماء أن معظم الماء الموجود على سطح الأرض قد خرج من باطنها وذلك قبل تشكل القشرة الأرضية حيث بدأ الماء بالخروج من باطن الأرض على شكل بخار مع الحمم التي تقذفها البراكين من باطن الأرض إلى سطحها. ويقدّر علماء الجيولوجيا كمية الماء الذي يخرج من باطن الأرض في السنة الواحدة في الوقت الراهن بحوالي كيلومتر مكعب واحد أو ما يعادل ألف مليون طن. وتغطي المحيطات ما يقرب من سبعين بالمائة من سطح الأرض بينما تشكل اليابسة ثلاثين بالمائة من سطحها وقد بينت الدراسات أن أية زيادة أو نقصان في هذه النسب قد يحول دون ظهور الحياة على الأرض. فمتوسط درجة حرارة سطح الأرض الحالي البالغ خمسة عشر درجة قد يتغير فيما لو تغيرت هذه النسبة وذلك بسبب الاختلاف الكبير في الحرارة النوعية لكل من اليابسة والمحيطات وكذلك فإن كمية ثاني أكسيد الكربون الموجود في الغلاف الجوي ستتغير بسبب تفاوت نسب امتصاص البر والبحر لهذا الغاز. وكذلك فإن كمية الماء التي ستسقط على اليابسة ستزداد أو تنقص تبعا لقيمة النسبة بين مساحة كل من البر والبحر.


إن عملية نقل الماء من المحيطات وتوزيعها على اليابسة تتم بآليات بالغة الإتقان حيث تستخدم الطاقة الشمسية لتبخير الماء من المحيطات بدون أن يتم رفع درجة حرارة الماء إلى درجة الغليان. ويقدّر العلماء كمية الماء المتبخر من المحيطات في السنة الواحدة  بأربعمائة ألف كيلومتر مكعب ومن اليابسة بستين ألف كيلومتر مكعب وتحتاج هذه الكمية الهائلة من الماء المتبخر من المحيطات إلى كمية هائلة من الطاقة تقدّر بمائتين وخمسين مليون بليون كيلواط ساعة في السنة الواحدة. إن هذا الماء المتبخر  يصعد إلى طبقات الجو العليا مع التيارات الهوائية ويبدأ البخار بالتكثف على شكل غيوم بسبب البرودة الشديدة لطبقات الجو العليا. إن رفع هذا الكمية الهائلة من الماء إلى ارتفاع عدة كيلومترات فوق سطح البحر يحتاج إلى كمية هائلة من الطاقة لا تقل عن كمية الطاقة التي لزمت لتبخيرها وتقوم الشمس أيضا بتوفير هذه الطاقة من خلال تسخين الهواء الملامس لسطح الأرض والذي يرتفع إلى الأعلى حاملا معه بخار الماء. وبعد أن يرتفع بخار الماء إلى طبقات الجو المختلفة يبدأ بالتكثف ليكون الغيوم التي  تسوقها الرياح إلى مناطق اليابسة حيث تبدأ حبيبات الماء بالتكون لتسقط على شكل أمطار وثلوج وبرد. وينزل على المحيطات من هذا الماء المتبخر 370  ألف كيلومتر  مكعب بينما ينزل على اليابسة فقط 90 ألف كيلومتر مكعب.

إن كمية الماء التي تسقط على اليابسة والتي تقدّر بتسعين ألف كيلومتر مكعب تعود في النهاية إلى المحيطات والبحار حيث يعود ثلاثون ألف كيلومتر مكعب منها بشكل مباشر بواسطة الأنهار بينما تعود الستين ألف المتبقية بطريقة غير مباشرة من خلال عملية التبخر وذلك بعد أن يتم الاستفادة  منها من قبل الكائنات الحية المختلفة وخصوصا النباتات التي تستهلك الجزء الأكبر من هذه الكمية بامتصاصها من التربة. ومن فضل الله على الناس أنه تم توفير آليات مختلفة لتزويد المناطق التي لا تسقط عليها كمية كافية من الأمطار بما يكفيها من الماء الذي يبعث فيها الحياة كالأنهار التي تحمل الماء من المناطق الغنية به إلى المناطق الصحراوية الجافة وبما أن الأمطار لا تسقط إلا في أشهر محددة من السنة في معظم أرجاء اليابسة  فقد وفر الله وسائل عدة لحفظ مياه هذه الأمطار لتزود الكائنات الحية بالماء على طول أشهر السنة. ومن هذه الوسائل الثلوج التي تغطي قمم الجبال الشاهقة والتي تذوب في الصيف لتمد الأنهار والينابيع وبحيرات الماء العذب  بكميات كبيرة من الماء وكذلك طبقات الصخور التي تختزن كميات كبيرة من المياه الجوفية  فتخرج على شكل ينابيع لا تكاد تخلو  منها أيّ منطقة  على هذه اليابسة.

دورة الكربون

إن ترتيب الكربون من حيث الوفرة في  الكون هو الرابع وتبلغ نسبته 0,02% بينما تبلغ نسبته في الأرض 0,07%.  ويشكل الكربون ما نسبته  0,1 % من وزن القشرة الأرضية ومعظمه كربون غير عضوي (inorganic) يوجد على شكل كربونات العناصر المختلفة وخاصة الكالسيوم. وتبلغ كمية الكربون غير العضوي الموجود في القشرة الأرضية ما يزيد عن 75 مليون بليون طن وفي المحيطات 40 ألف بليون طن وذلك على شكل كربونات (carbonates) بينما لا يوجد في الغلاف الجوي إلا 720 بليون طن على شكل ثاني أكسيد الكربون حيث تبلغ نسبته في الجو 0,038% وهي نسبة قليلة جدا إذا ما قورنت بنسبة النيتروجين البالغة 78% والأوكسجين البالغة 21% والأرغون 0,93%. وتبلغ كمية الكربون العضوي (organic) في أجسام جميع أنواع الكائنات الحية ثلاثة آلاف بليون طن وفي الوقود الأحفوري ما يزيد عن أربعة آلاف بليون طن يشكل الفحم الحجري 80% والبقية من البترول والغاز.  
 


ويعتبر عنصر الكربون أهم وأكثر العناصر التي تحتاجها الكائنات الحية لبناء أجسامها حيث تشكل ذراته العمود الفقري لجميع جزيئات المواد العضوية وذلك لما فيه من الخصائص الفريدة التي لا توجد في غيره من العناصر. وإذا ما استثنينا الماء من أجسام الكائنات الحية فإن نسبة وزن الكربون هي 45% من وزن المواد العضوية الموجودة في أجسام الكائنات الحية. ومن أهم خصائص  الكربون هو قدرة ذراته على الاتحاد مع بعضها البعض مشكلة جزيئات ذات سلاسل طويلة تحتوي على آلاف بل ملايين الذرات وكذلك فإن روابطه ليست بالضعيفة ولا بالقوية مما يسهل من إعادة تشكيل الجزيئات في عمليات الأيض في داخل الخلايا.  ومن خصائصه أنه عند ارتباطه بذرات الهيدروجين فإنه يقوم بتخزين كميات كبيرة من الطاقة في داخل الروابط الكربوهيدراتية. وكذلك فإن ذرة الكربون الواحدة قادرة على الارتباط بأربع ذرات من عناصر مختلفة في نفس الوقت مما ينتج عن ذلك  أنواع لا حصر لها من المركبات العضوية. ويؤكد العلماء على أن الحياة ما كان لها أن تظهر على الأرض بدون الكربون حيث لا يوجد أيّ عنصر آخر في الأرض يقوم مقامه لإنجاز مثل هذه المهام ولذلك سميت ظاهرة الحياة على الأرض بالحياة المبنية على الكربون (Carbon-based life).

ويعتبر ثاني أكسيد الكربون الموجود في الجو أو الذائب في مياه المحيطات المادة الخام الرئيسية التي يصنع منها غذاء جميع أنواع الكائنات الحية التي تعيش على بر   وفي  بحر هذه الأرض. فحسب تقديرات العلماء فإن كمية ثاني أكسيد الكربون التي تأخذه النباتات والطحالب من الهواء سنويا  يبلغ خمسمائة  بليون طن  وكمية الماء الذي تمتصه من الأرض  أو البحر  يبلغ 410 بليون طن وكمية الطاقة التي تستمدها من ضوء الشمس يبلغ جزء من ألفي جزء من الطاقة الشمسية التي تصل إلى الأرض وتنتج في المقابل من خلال عملية التركيب الضوئي 341 بليون طن من سكر الجلوكوز  و  205  بليون طن من الماء و364 بليون طن من الأوكسجين. وتقوم البلاستيدات الموجودة في النباتات والطحالب بأخذ ستة جزيئات من ثاني أكسيد الكربون وستة جزيئات من الماء وكمية كافية من الطاقة الشمسية وتنتج مقابل ذلك جزيئا واحدا من سكر الجلوكوز مع ستة جزيئات من الأوكسجين. وقد وجد العلماء أن ثلاثا وتسعين بالمائة من وزن سكر الجلوكوز يأتي من ثاني أكسيد الكربون بينما تأتي السبعة بالمائة المتبقية من الماء. ويستخدم هذا السكر  في أجسام الكائنات الحية لغرضين رئيسين وهما استخدامه كمادة خام لتصنيع جميع أنواع المواد العضوية اللازمة لبناء أجسام هذه الكائنات كالكربوهيدرات والدهون والبروتينات والأحماض النووية واستخدامه كوقود  يزود الكائنات الحية  بالطاقة اللازمة لإجراء مختلف العمليات الحيوية التي تحتاجها.

 

ويقوم عضي الميتوكندريون الموجود في جميع خلايا الكائنات الحية بتفكيك جزيء سكر الجلوكوز وتحويل الطاقة الكيميائية المخزنة فيه إلى طاقة كيميائية يحملها أحد أهم الجزيئات المستخدمة في تداول الطاقة في داخل خلايا الكائنات الحية وهو ثلاثي فوسفات الأدينوساين (ATP). إن تحلل سكر الجلوكوز لمكوناته الأساسية لا تتم إلا بوجود الأوكسجين فهو الذي يقوم بعملية الأكسدة أو الحرق من خلال اتحاده بالهيدروجين وتحرير الطاقة الموجودة في الروابط الكيميائية بين الهيدروجين والكربون من خلال دورة كريبس أو حامض السيتريك (Krebs or citric acid cycle). وفي عملية التنفس التي تتم في خلايا الكائنات الحية ينتج عند حرق جزيء سكر الجلوكوز بوجود  ستة جزيئات من الأوكسجين ستة جزيئات من ثاني أكسيد الكربون وستة جزيئات من الماء مع كمية من الطاقة التي تستخدم في العمليات الحيوية للخلايا. وقد وجد العلماء أن الجزيء الواحد من سكر الجلوكوز ينتج عند تحليله أو حرقه خمس وثلاثين جزيئا ناقلا للطاقة (ATP) وبكفاءة تحويل قد تصل إلى ما يقرب من أربعين في المائة وهي كفاءة تحويل عالية إذا ما قارناها مع كفاءة التحويل في المحركات الميكانيكية التي لا تتجاوز الثلاثين في المائة لمعظم أنواعها.

وقد يستغرب بعض القراء من ضخامة كمية ثاني أكسيد الكربون التي تمتصه النباتات والطحالب من الجو سنويا  حيث يبلغ تقريبا ربع المخزون الموجود في الجو وهذا يعني أن هذا المخزون يمكن أن يستهلك في أربع سنوات فقط. ولكن بتقدير الله سبحانه وتعالى أنه يوجد ما يسمى بدورة الكربون فالكائنات الحية بمختلف أنواعها تقوم بحرق المواد العضوية داخل خلاياها لتستمد منها الطاقة اللازمة لحياتها وينتج عن عملية الاحتراق هذه ثاني أكسيد الكربون الذي ينطلق إلى الجو ليحافظ على نفس المخزون. ومن لطف الخالق سبحانه وتعالى بمخلوقاته أن المواد العضوية التي لا يتم حرقها من النباتات والحيوانات يسلط عليها كائنات حية دقيقة كالبكتيريا والفطريات تقوم بتحليلها وتحويل الكربون الذي فيها إلى ثاني أكسيد الكربون ليعاد إلى الجو لحفظ توازنه. إن دورة الكربون هذه تعمل بشكل بالغ الدقة منذ بلايين السنين وتعيش الكائنات الحية بأنواعها الثلاث المنتجة (النباتات والطحالب) والمستهلكة (الحيوانات) والمحللة (البكتيريا والفطريات) في توازن تام للحفاظ على مستوى ثابت لثاني أكسيد الكربون في الجو.

دورة النيتروجين

على الرغم من أن ترتيب النيتروجين من حيث الوفرة في  الكون هو السابع وتبلغ نسبته 0,04% إلا أنه يعتبر من العناصر النادرة في الأرض حيث أنه قد تسرب إلى الفضاء الخارجي بسبب طبيعته المتطايرة.  وتبلغ نسبة النيتروجين في القشرة الأرضية عشرين جزء من مليون جزء وهو على شكل نترات بعض العناصر  بينما تبلغ نسبته في الجو 78 % وذلك على شكل غاز النيتروجين (N2) حيث يبلغ وزنه في الجو أربعة ملايين بليون طن.  إن وجود غاز النيتروجين الخامل بهذه النسبة العالية في الجو ضروري جدا لحياة الكائنات الحية حيث أنه يخفف من كثافة الأوكسجين في الجو  حيث أن غاز  شديد التفاعل مع مختلف العناصر الطبيعية.  وتحتاج جميع أنواع الكائنات الحية إلى عنصر النيتروجين والذي يدخل في تركيب البروتينات والأحماض النووية والدهون حيث تبلغ نسبته في المواد العضوية المكونة لأجسام الكائنات الحية  3 % للحيوانات و 4 % للنباتات.  وعلى الرغم من أن غاز النيتروجين N2)) يشكل ما نسبته  78 % من الهواء في الغلاف الجوي إلا أن معظم أنواع الكائنات الحية لا يمكنها استخلاصه مباشرة من الغلاف الجوي وذلك بسبب الإرتباط الشديد بين ذرتي جزيء النيتروجين.
 


ويمكن للكائنات الحية الإستفادة من النيتروجين إذا ما تم تحويل جزيء النيتروجين من الحالة الغازية الخاملة N2 إلى أحد مركباته كأيونات الأمونيوم NH4)+) أو النترات NO3)nitrate ion ) من خلال ما يسمى بعملية تثبيت النيتروجين (Nitrogen Fixation). وقد أبدع الخالق عز وجل طريقتيين لتثبيت النيتروجين وهما  التثبيت الجوي (Atmospheric Fixation) والتثبيت الحيوي (Biological Fixation). ففي التثبيت الجوي تعمل الحرارة العالية التي يولدها البرق على فصل ذرتي جزيء النيتروجين عن بعضهما لتقوم كل منهما بالاتحاد مع الأوكسجين منتجة ثاني أكسيد النيتروجين أو النتريت ( (nitrite -NO2  وعندما يتفاعل غاز النتريت مع بخار الماء يتحول إلى حامض النيتريك (nitric acid, HNO3) . إن حامض النيتريك المتكون في الجو يتم إنزالها إلى تربة الأرض مع الأمطار ليتم إمتصاصها من خلال جذور النباتات على شكل ثالث أكسيد النيتروجين أو النترات nitrate -NO3)) ولكن كمية النيتروجين المثبت بهذه الطريقة قليلة جدا إذا ما قورنت بطريقة التثبيت الحيوي. أما التثبيت الحيوي فيتم من خلال  بكتيريا الريزوبيوم Rhizobium) ) والتي تعيش في عقيدات (nodules) تتكون على جذور أنواع معينة من النباتات وهي البقوليات Legumes)) كالفول و الحمص و العدس وغيرها. و تقوم هذه البكتيريا العقيدية بتحويل غاز النيتروجين الجوي الخامل أولا إلى أيون الأمونيوم NH4)+) ثم تقوم أنواع أخرى من البكتيريا بتحويل الأمونيوم إلى أيونات النتريت No2) -) وأخيرا تقوم أنواع ثالثة من البكتيريا بتحويل النتريت إلى نترات (NO3 -) والعمليتين الأخيرتين يطلق عليهما اسم عملية النترجة (Nitrification) . والنترات هي المركب النيتروجيني الذي تستطيع النباتات الخضراء امتصاصه من التربة من خلال جذورها واستعمالها في بناء المركبات العضوية النيتروجينية التي تستفيد منها جميع أنواع الكائنات الحية من خلال سلاسل غذاء  هذه الكائنات. وقد عرف المزارعون منذ القدم حقيقة قدرة البقوليات على إغناء التربة بالنيتروجين اللازم لزيادة إنتاج المحاصيل الأخرى وعملوا على زراعة أراضيهم بالبقوليات كل سنتين أو ثلاث سنوات فيما يعرف بالدورات الزراعية. وتعيش بعض أنواع بكتيريا تثبيت النيتروجين معيشة تكافلية في أمعاء بعض الحيوانات المجترة Ruminants)) كالأبقار والتي يمكنها تزويد هذه الحيوانات بحوالي نصف احتياجها من النيتروجين. وفي العصر الحديث أصبح بالإمكان تثبيت النيتروجين صناعيا باستخدام الحرارة العالية وبعض المحفزات وتسمى هذه الطريقة بالتثبيت الصناعي ((Industrial Fixation و التي تتم في مصانع الأسمدة الكيميائية.

 ويتم إغلاق دورة النيتروجين  بإعادة غاز النيتروجين إلى الغلاف الجوي من خلال عملية يطلق عليها اسم الزنترة Denitrifcation))  حيث تقوم أنواع معينة من البكتيريا والطحالب والتي تعيش في التربة أو في مياه البحيرات و البحار و المحيطات بتحليل المواد العضوية النيتروجينة الموجودة في أجسام الكائنات الميتة وتحويلها إلى غاز النيتروجين الخامل الذي يعاد إلى الغلاف الجوي.  ونظرا للدور المهم الذي تلعبه هذه الكائنات المحللة في استمرار  ظاهرة الحياة على الأرض فقد قسم علماء الأحياء الكائنات الحية إلى ثلاثة أصناف رئيسية وهي الكائنات المنتجة (producer) والتي تقوم بتحويل المواد غير العضوية إلى مواد عضوية من خلال عملية التركيب الضوئي كالنباتات ومعظم أنواع الطحالب البحرية والكائنات المستهلكة (consumers) التي تعتمد في غذائها على ما تنتجه النباتات والطحالب من مواد عضوية مختلفة وتشمل جميع أنواع حيوانات البر والبحر والكائنات المحللة (decomposers) كالبكتيريا والفطريات التي تقوم بتحليل المواد العضوية الموجودة في فضلات ورمم الكائنات الحية وتحويلها إلى مواد غير عضوية يعاد استهلاكها من قبل الكائنات المنتجة.   

دورة الأوكسجين

إن ترتيب الأوكسجين من حيث الوفرة في  الكون هو الثالث حيث تبلغ نسبته 0,06% بينما تبلغ نسبته في الأرض 30% ونسبته في القشرة الأرضية 47% وترتيبه هو الأول في القشرة الأرض من حيث الوفرة. وتبلغ نسبة غاز الأوكسجين  في الغلاف الجوي 21 % بوزن يبلغ  1,4 مليون بليون طن بينما يبلغ مخزونه  في أجسام الكائنات الحية 16 ألف بليون طن وذلك كأحد مكونات المواد العضوية والتي تبلغ نسبته فيها 42%.   لقد كان الغلاف الجوي عند بداية نشأة الأرض  يخلو تماما من الأوكسجين ولكن مع ظهور أول أشكال الحياة على الأرض وهي نوع من البكتيريا القادرة على القيام بعملية التمثيل الضوئي بدأت تمتص غاز ثاني أكسيد الكربون من الجو  وتطلق الأوكسجين إلى الجو  وقد استمرت هذه الكائنات الدقيقة بإنتاج الأوكسجين إلى أن وصلت نسبته في الجو إلى نسبته الحالية وهي  21 %. ومع إنقراض هذا النوع من البكتيريا قبل بليوني سنة ثبتت نسبة الأوكسجين في الجو على هذه القيمة وبدأ ظهور أشكال الكائنات الحية الموجودة على الأرض حاليا. إن دورة الأوكسجين في غاية البساطة فالكائنات الحية المنتجة كالنباتات في البر والطحالب في البحر  تقوم بأخذ ثاني أكسيد الكربون من الجو وتطلق الأوكسجين إليه من خلال عملية التمثيل الضوئي (photosynthesis) حيث تقدر كمية الأوكسجين المنتج في العام الواحد 365 بليون طن. وفي مقابل ذلك تقوم جميع أنواع الكائنات الحية نباتاتها وحيواناتها بأخذ نفس الكمية من الأوكسجين من الجو أثناء عملية التنفس (Respiration) والتي تعمل على حرق المواد العضوية في خلاياها وإطلاق ثاني أكسيد الكربون إلى الجو. 

 

دورة الهيدروجين

إن ترتيب الهيدروجين من حيث الوفرة في  الكون هو الأول وتبلغ نسبته 91% بينما تبلغ نسبته في الأرض 0,14% فقط حيث تسرب معظمه إلى الفضاء  الخارجي بسبب خفة وزنه ولم يتبقى منه إلا الكميات الداخلة في بعض المركبات كالماء والميثان وقد يوجد بشكل حر  في بعض الجيوب تحت القشرة الأرضية. إن معظم الهيدروجين في الأرض مخزن في الماء الذي يشكل  ما نسبته 0,25% من وزن الأرض.  إن مصدر الهيدروجين الذي يدخل في إنتاج المواد العضوية  فهو الماء حيث تقوم البلاستيدات الموجودة في النباتات والطحالب من خلال عملية التركيب الضوئي بأخذ ستة جزيئات من ثاني أكسيد الكربون وستة جزيئات من الماء وكمية كافية من الطاقة الشمسية لتنتج مقابل ذلك جزيئا واحدا من سكر الجلوكوز مع ستة جزيئات من الأوكسجين. وقد وجد العلماء أن ثلاثا وتسعين بالمائة من وزن سكر الجلوكوز يأتي من ثاني أكسيد الكربون بينما تأتي السبعة بالمائة المتبقية من الماء. إن كمية الهيدروجين التي تم أخذها من الماء لبناء المواد العضوية يتم إعادتها  إلى الجو  على شكل بخار ماء من خلال عملية التنفس التي تتم في خلايا الكائنات الحية حيث يتم عند حرق جزيء سكر الجلوكوز بوجود  ستة جزيئات من الأوكسجين إنتاج ستة جزيئات من ثاني أكسيد الكربون وستة جزيئات من الماء مع كمية من الطاقة التي تستخدم في العمليات الحيوية للخلايا.
 


لقد أكدت آيات قرآنية كثيرة على حقيقة أن مصدر أرزاق الكائنات الحية بما فيها الإنسان هو  الغلاف الجوي المحيط بالكرة الأرضية والذي أطلق عليه القرآن الكريم إسم السماء حيث أن كل ما على الأرض فهو سماء. فعندما يقرر القرآن الكريم حقيقة أن الماء ينزله الله عز وجل من السماء فالمقصود بالسماء هنا هو الغلاف الجوي كما في قوله تعالى  "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32)" إبراهيم. وعندما يقرر القرآن الكريم أن أرزاق البشر  وبقية الكائنات الحية تنزل عليهم من السماء فهذا يعني أنها تنزل من الغلاف الجوي الذي يعتبر المصدر الرئيسي للمواد الخام التي تصنع منها جميع حاجات الكائنات الحية من غذاء كما في قوله تعالى "هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (13)" غافر   وقوله تعالى "أَمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (64)" النمل. بل إن الله عز وجل أقسم أشد القسم لتأكيد حقيقة أن أرزاق البشر  مخزنة في الغلاف الجوي وذلك في قوله تعالى  "وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23)" الذاريات.

 

 

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق