2023-11-17

الموجات الكهرومغناطيسية

 

الموجات الكهرومغناطيسية 

 الدكتور منصور أبوشريعة العبادي \ جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية

 

تمهيد

إن من أعظم الاكتشافات التي حققها البشر على مدى تاريخهم بعد اكتشافهم وتوليدهم للطاقة الكهربائية هو اكتشافهم للموجات الكهرومغناطيسية. ويعود الفضل في ذلك لعالم الفيزياء الاسكتلندي الشهير جيمس كلارك ماكسويل والذي تكمن عبقريته في مقدرته الفذة على استخدام الرياضيات في صياغة مختلف أنواع الظواهر الفيزيائية وكذلك استنباط الحقائق الفيزيائية من الصيغ الرياضية. لقد تمكن  ماكسويل في عام 1860م من صياغة جميع القوانين المتعلقة بالكهربائية والمغناطيسية وتفاعلهما مع بعضهما البعض في أربع  معادلات تفاضلية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل استطاع من خلال حل هذه المعادلات التنبؤ بوجود ما يسمى بالموجات الكهرومغناطيسية والتي تم التحقق من وجودها وإيجاد طرق لتوليدها على يد عالم الفيزياء الألماني هينرتش هيرتز (Heinrich Hertz) وذلك في عام 1887م.  ومن الجدير بالذكر أنه لولا تطور علوم الرياضيات وخاصة علمي التفاضل والتكامل لما كان بإمكان ماكسويل صياغة قوانين الكهرباء والمغناطيسية بهذا الشكل المميز ولما كان بإمكانه التنبؤ  بوجود الموجات الكهرومغناطيسية. لقد سهلت الموجات الكهرومغناطيسية عملية نقل مختلف أنواع المعلومات بطريقة لاسلكية (wireless) إلى أي مكان على سطح هذه الأرض بل وتعداها إلى الفضاء الخارجي . فبعد سنوات قليلة من اكتشاف  وتوليد هذه الموجات بدأ ظهور كثير من الأنظمة اللاسلكية فظهر التلغراف اللاسلكي في عام 1900م  ومن ثم البث الراديوي في عام 1918م والبث التلفزيوني في عام 1935م. ولولا اكتشاف هذه الموجات لبقي البشر مقيدين في نقل معلوماتهم المختلفة بالقنوات السلكية التي تحتم عليهم التواجد في أماكن محددة حيث توجد أطراف هذه الأسلاك كما هو الحال مع الهواتف السلكية. لقد مكنت هذه الموجات بناء انظمة اتصالات تكون فيها المرسلات ثابتة والمستقبلات متحركة أو بالعكس أو يكون كليهما متحركا وهذا لا يمكن إنجازه باستخدام القنوات السلكية إلا على نطاق ضيق جدا. ولذلك أصبح الاتصال ممكنا مع السفن وهي في عرض البحار والطائرات وهي في جو السماء والمركبات أين ما كان موقعها والأشخاص وهم في أي واد أو جبل  يهيمون. بل أصبح بالإمكان باستخدام هذه الموجات مشاهدة صور في غاية الوضوح لأسطح كواكب المجموعة الشمسية من خلال كميرات مثبتة على مركبات فضائية وترسل هذه الصور وغيرها من المعلومات من على بعد مئات الملايين من الكيلومترات. وباستخدام هذه الموجات أصبح بإمكان البشر التحكم عن بعد بمختلف أنواع الأجهزة والمعدات الموجودة في البيوت والمكاتب والمصانع وكذلك في الأقمار الصناعية والمركبات الفضائية والطائرات والصواريخ. ومع التقدم المذهل في مجال الإلكترونيات والإستغلال الأمثل لترددات الطيف الكهرمغناطيسي بدأ التحول كليا من القنوات السلكية إلى القنوات اللاسلكية لنقل إشارات المعلومات والتحكم في مختلف المجالات.         

 

 معادلات ماكسويل والمعادلة الموجيه (Wave Equation)

ذكرنا في الباب الأول أن عالم الفيزياء والرياضيات الاسكتلندي الفذ جيمس كلارك ماكسويل (James Clerk Maxwell)  (1831-1879م) قد تمكن في عام 1860م من صياغة جميع القوانين المتعلقة بالمجالات الكهربائية والمغناطيسية وتفاعلهما مع بعضهما البعض ومع الشحنات والتيارات الكهربائية التي تنتجها في أربع  معادلات تفاضلية فقط. فالمعادلة الأولى ما هي إلا قانون جاوس بشكله التفاضلي والذي مفاده أن أي شحنة كهربائية نقطية في الفضاء لا بد أن تولد حولها مجالا كهربائيا تنطلق خطوطه من مكان الشحنة ويكون هذا المجال ساكنا لا يتغير مع الزمن إذا كانت الشحنة ساكنة ومتغيرا مع الزمن إذا كانت متغيرة.   أما المعادلة الثانية فما هي إلا قانون جاوس للمغناطيسية بشكله التفاضلي والذي ينص على أنه لا وجود للشحنات المغناطيسية وعليه فإن خطوط المجال لا بد وأن تكون منغلقة على نفسها. أما االمعادلة الثالثة فما هي إلا قانون فارادي للحث حيث قام ماكسويل بتحويله من شكله التكاملي إلى شكله التفاضلي أو النقطي ومفاد هذه المعادلة أن المجال المغناطيسي المتغير مع الزمن يولد حوله مجالا كهربائيا تتناسب قيمته وتوزعه في الفضاء مع معدل تغير كثافة المجال المغناطيسي مع الزمن وكذلك اتجاهه في الفضاء. أما المعادلة الرابعة فهي شكل معدل لقانون أمبير فبعد أن قام ماكسويل بتحويله من شكله التكاملي إلى شكله التفاضلي أضاف إليه حدا جديدا أطلق عليه اسم تيار الإزاحة(displacement current) وهذه الإضافة هي من أهم إسهامات ماكسويل في مجال الكهرومغناطيسية حيث مكنته من التنبؤ بوجود الأمواج الكهرومغناطيسية. وبإضافة تيار الإزاحة لمعادلة أمبير  أصبح مفاد معادلة ماكسويل الرابعة أن التيار الكهربائي أو المجال الكهربائي المتغير مع الزمن  يولد حوله مجالا مغناطيسيا تتناسب قيمته وتوزعه في الفضاء مع قيمة واتجاه التيار وكذلك مع معدل تغير شدة المجال الكهربائي مع الزمن واتجاهه في الفضاء. وفي عام 1865م تمكن ماكسويل من خلال دمج المعادلات الثالثة والرابعة وههما قانون فارادي وقانون أمبير المعدل الحصول على معادلة تفاضلية من الدرجة الثانية وعندما حل هذه المعادلة تبين له أن المجالات الكهربائية والمغناطيسية لا بد وأن تنتشر على شكل موجات في الفضاء وبهذا فقد أثبت وتنبأ من خلال التحليل الرياضي البحت وجود ما يسمى بالموجات الكهرومغناطيسية (electromagnetic waves). ويمكن لنا من خلال تمعن معادلات ماكسويل وبدون حلها أن نستشف ونستنتج معظم ظواهر الكهرومغناطيسية وخاصة حقيقة وجود الموجات الكهرومغناطيسية ففي حالة وجود شحنات كهربائية ساكنةفقط  (r)  فإن المعادلة الأولى تؤكد وجود مجال كهربائي ساكن فقط ولا وجود للمجال المغناطيسي حيث أن الطرف الأيمن من المعادلة الرابعة يساوي صفر. وفي حالة وجود تيار كهربائي ثابت فقط  (J)  فإن المعادلة الرابعة تؤكد وجود مجال مغناطيسي ساكن فقط ولا وجود للمجال الكهربائي حيث أن الطرف الأيمن من المعادلة الأولى يساوي صفر. وفي حالة وجود شحنات كهربائية متغيرة فقط  فإن المعادلة الأولى تؤكد وجود مجال كهربائي متغير وهذا المجال الكهربائي المتغير سيولد مجالا مغناطيسيا متغيرا كما هو واضح من المعادلة الرابعة حيث أن الحد الثاني من طرفها الأيمن لا يساوي صفر. إن هذا المجال المغناطيسي المتولد من المجال الكهربائي الذي ولدته الشحنة الكهربائية ابتداءا  سيولد بدوره مجالا كهربائيا جديدا حوله كما هو واضح من المعادلة الثالثة وهكذا تتوالى هذه السلسلة حيث يقوم كل من نوعي المجال بتوليد الأخر حسب المعادلتين الثالثة والرابعة وبهذا سيمتلئ كامل الفضاء بهذه المجالات الكهربائية والمغناطيسية  المتفاعلة والتي أطلق عليها ماكسويل اسم الموجات الكهرومغناطيسية. إن مثل هذه الموجات يمكن أن نحصل عليها أيضا من تيار كهربائي متغير فقط كما هو واضح من المعادلة الرابعة حيث سيولد هذا التيار مجالا مغناطيسيا متغيرا يقوم بدوره بتوليد مجال كهربائي متغيير تبعا للمعادلة الثالثة وهكذا دواليك.  لقد تحققت نبوءة ماكسويل بوجود الموجات الكهرومغناطيسية على يد عالم الفيزياء الألماني هينرتش هيرتز (Heinrich Hertz) (1857-1894م) وذلك في عام 1887م حيث تمكن من توليد الموجات الكهرومغناطيسية باستخدام أشكال بسيطة من الهوائيات. ومنذ أن صاغ ماكسويل قوانين الكهرومغناطيسية في معادلاته الأربع لم يتم إضافة إلا الشيء القليل إلى علم الكهرومغناطيسية النظري. أما في المجال التطبيقي فقد تم استخدام هذه المعادلات بشكل كبير من قبل المهندسين الكهربائيين لحل كثير من المسائل كانتشار الموجات في الأوساط المختلفة كخطوط النقل  ومرشدات الموجات والألياف الضوئية وفي تصميم هوائيات الإرسال والإستقبال وفي تطبيقات أخرى لا حصر لها.

      


 الطيف الكهرومغناطيسي (Electromagnetic Spectrum)  

يتكون الطيف الكهرومغناطيسي  من ثلاثة أجزاء رئيسية وهي الطيف الراديوي (radio spectrum) الذي يمتد من الصفر حتى 300 جيغاهيرتز والمستغل بأكمله في أنظمة الاتصالات الراديوية وطيف الأشعة المرئية وما تحت الحمراء والذي يمتد من 300 جيغاهيرتز إلى ثلاثة ملايين غيغاهيرتز والمستغل جزئيا في أنظمة الاتصالات الضوئية وأجهزة الرؤيا الليلية وطيف الأشعة فوق البنفسجية والأشعة السينية والكونية والتي يتعذر استخدامها لصعوبة توليدها ولخطورتها على الكائنات الحية إلا في بعض التطبيقات الطبية والصناعية كاستخدام الأشعة السينية في تصوير الأجسام الحية واختبار المواد. ونظرا للتباين الكبير في خصائص الموجات الكهرومغناطيسية الراديوية من حيث طرق توليدها  وانتشارها وأنواع الهوائيات المستخدمة فيها فقد تم تقسيمها إلى عدة مناطق وهي الترددات مفرطة الإنخفاض (extremely low frequency ELF) (3 إلى 30  هيرتز) والترددات فائقة الإنخفاض (super low frequency SLF) (30 إلى 300  هيرتز) والترددات بالغة الإنخفاض (ultra low frequency ULF) (300 إلى 3000  هيرتز) والترددات المنخفضة جدا (very low frequency VLF ) (3  إلى 30 كيلوهيرتز) والترددات المنخفضة (low frequency LF) (30  إلى 300 كيلوهيرتز) والترددات المتوسطة (medium frequency MF)  (300  إلى 3000 كيلوهيرتز) والترددات العالية (high frequency HF) (3 إلى 30 ميغاهيرتز) والترددات العالية جدا (very high frequency VHF) (30  إلى 300 ميغاهيرتز) والترددات بالغة العلو(ultra high frequency UHF) (300 إلى 3000 ميغاهيرتز) والترددات فائقة العلو(super high frequency SHF) (3 إلى 30 جيغاهيرتز) والترددات مفرطة العلو(extremely high frequency EHF) (30  إلى 300 جيغاهيرتز). لقد أحدث اختراع العنصر الإلكتروني المسمى بالصمام الثلاثي (triode valve) على يد المهندس الكهربائي الأمريكي لي ديفورست (Lee Deforest) في عام 1906م ثورة في أنظمة الاتصالات الكهربائية. فإلى جانب استخدام هذا العنصر في المضخمات الإلكترونية(electronic amplifiers) فقد تم استخدامه في المذبذبات الإلكترونية (electronic oscillators) التي تقوم بتوليد الترددات اللازمة لحمل إشارات المعلومات. لقد تم استخدام  هذه المذبذبات في العشرينيات من القرن العشرين  لتوليد الترددات المنخفضة والمتوسطة ثم  العالية في الثلاثينيات ثم العالية جدا وبالغة العلو في الأربعينات. وتستخدم اليوم الترانزستورات كبديل عن هذه الصمامات لتوليد الترددات في جميع أجزاء الطيف الراديوي إلا أن الصمامات لا زالت مستخدمة لتوليد الترددات في الأنظمة ذات القدرات العالية كما في محطات البث الإذاعي والتلفزيوني وفي أنظمة الرادار.  وتواجه مصممي أنظمة الاتصالات الراديوية أو اللاسلكية مشكلة توفير الترددات اللازمة  لأعداد كبيرة ومتزايدة من أنظمة الاتصالات المختلفة كأنظمة البث الإذاعي والتلفزيوني والهواتف اللاسلكية والخلوية وأنظمة الأقمار الصناعية وأنظمة الرادار وأنظمة الاتصالات العسكرية والمدنية وأنظمة الملاحة الجوية والبحرية والبرية. ويعود  السبب في هذه المشكلة للعدد المحدود من الترددات المتاحة في الطيف الكهرومغناطيسي ولكون جو الأرض  وسطا مشتركا تنتشر فيه جميع الترددات التي تبثها الأنظمة اللاسلكية مما يمنع إعادة  استخدام نفس التردد  في نفس المنطقة تجنبا لتداخل إشارات الأنظمة المختلفة.  وقد استخدمت أنظمة الاتصالات معظم مناطق الطيف الراديوي باستثناء الترددات بالغة العلو التي حال دون استخدامها تأثرها الكبير بالأحوال الجوية بسبب قصر طول موجتها ولكن مع تزايد الطلب على استخدام الأقمار الصناعية وشح الترددات المتاحة فقد بدأ باستخدام هذه الترددات في بعض التطبيقات. يتم تخصيص الترددات للمستخدمين من قبل هيئات تنظيم قطاع الاتصالات الوطنية بالتعاون مع الاتحاد الدولي للاتصالات (International Telecommunication Union ITU) الذي يحدد الترددات المتاحة لأنظمة الاتصالات المختلفة والذي عادة ما يسمح بإعادة استخدام نفس التردد شريطة عدم وجود تداخل بين الأنظمة المختلفة وذلك بالاستفادة من التباعد الجغرافي وقدرة البث المحدودة واستخدام طرق تعديل وتشفير واستقطاب مختلفة. ولقد  تم تخصيص أجزاء من الطيف الراديوي لبعض التطبيقات المهمة بشكل دائم  كتخصيص جزء  من  الترددات المتوسطة  (540 إلى 1700 كيلوهيرتز)  للبث الإذاعي متوسط الموجة  بواقع تسعة كيلوهيرتز لكل محطة وجزء من الترددات العالية للبث الإذاعي قصير الموجة  وجزء من الترددات العالية جدا (من 88  إلى 108 ميغاهيرتز) للبث الإذاعي بتعديل التردد بواقع مائتي كيلوهيرتز لكل محطة وأجزاء من الترددات العالية جدا ( من 54  إلى 88  ومن 174 إلى 216ميغاهيرتز)  وجزء كبير من الترددات فوق العالية (470 إلى 824 ميغاهيرتز)  للبث التلفزيوني  بواقع ستة ميغاهيرتز لكل محطة. أما أنظمة اتصالات الأقمار الصناعية  والأمواج الدقيقة والرادارات فتستخدم الترددات التي تمتد من واحد إلى مائة  جيقاهيرتز. 



 انتشار الموجات الكهرومغناطيسية

تتكون الموجة الكهرومغناطيسية من مجال كهربائي وآخر مغناطيسي متعامدان على بعضهما البعض في الفضاء ويتغيران بشكل دوري مع الزمن وبحيث تنتشر الموجة باتجاه يتعامد مع اتجاهي المجالين الكهربائي والمغناطيسي حسب قاعدة معينة. وتنتشر الموجات الكهرومغناطيسية في الأوساط المختلفة  بسرعة ثابتة تتحدد من قيم السماحية الكهربائية (permittivity) والنفاذية المغناطيسية (permeability) للوسط المعني حيث تساوي معكوس الجذر التربيعي لحاصل ضرب السماحية في النفاذية. وتبلغ سرعة الانتشار في الفضاء الحر ثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية تقريبا وهي نفس سرعة الضوء في الفراغ والذي ما هو إلا أحد أشكال الموجات الكهرومغناطيسية كما اكتشف ذلك ماكسويل. إن سرعة أنتشار الموجات في أي وسط لا يمكن أن تزيد عن سرعتها في الفراغ  لأن قيم السماحية والنفاذية لهذه الأوساط أعلى من قيمهما في الفراغ. وعندما تنتشر موجة كهرومغناطيسية في وسط ما فإن المسافة بين قمتين من قممها مقاسة بالأمتار يسمى طول الموجة (wavelength) والتي تساوي حاصل تقسيم سرعة إنتشار الموجة على ترددها (frequency). إن نسبة شدة المجال الكهربائي إلى شدة المجال المغناطيسي في الموجة الكهرومغناطيسية يسمى المعاوقة المتأصلة (intrinsic impedance) والتي تساوي الجذر التربيعي لحاصل قسمة النفاذية على السماحية للوسط الذي تنتشر فيه هذه الموجة. ويعرف إستقطاب الموجة (wave polarization) بأنه الإتجاه الذي يشير إليه مجالها الكهربائي في الفضاء وعند إتخاذ سطح الأرض كمرجع فإن الموجة تكون عامودية الإستقطاب (vertical polarization) إذا كان إتجاه مجالها الكهربائي عاموديا على سطح الأرض  وأفقية الإستقطاب (horizontal polarization) إذا كان إتجاه مجالها الكهربائي موازيا لسطح الأرض.  وتسير الموجات الكهرومغناطيسية في الفراغ  أو في أي  وسط متجانس على شكل خطوط مستقيمة ولكنها قد تتعرض لظواهر عدة عند انتقالها من وسط إلى وسط وهي ظواهر الإنعكاس (reflection) والإنكسار (refraction) والحيود (diffraction) والتشتت (scattering).   فعند إنتقال موجة كهرومغناطيسية من وسط إلى وسط بينهما حد منتظم غير متعرج فإن جزءا من هذه الموجة سينعكس راجعا في الوسط الذي جاء منه وبحيث تساوي زاوية الإنعكاس زاوية السقوط بينما ينفذ الجزء المتبقي من الموجة الساقطة إلى الوسط الثاني ويسير فيه بشكل منكسر حيث تتحدد زاوية الإنكسار من زاوية السقوط وكذلك معاملات الإنكسار (refractive index) لكلا الوسطين حسب قانون سنل (Snell's Law). وإذا ما سقطت موجة على وسط ذي سطح متعرج فإن الإنعكاس لن يكون في اتجاه واحد بل في اتجاهات متعددة وتسمى هذه الظاهرة بظاهرة التشتت. وعندما تسقط موجة على جسم له أبعاد تقل عن طول الموجة فإن هذه الموجة لن تتأثر كثيرا بوجود هذه الجسم بل ستحيد عنه وتكمل مسارها وتسمى هذه الظاهرة بظاهرة الحيود. وجدير بالذكر أن جميع المعادن لا تسمح بالموجات الكهرومغناطيسية بالنفاذ من خلالها بل تعكسها كليا إلى الوسط الذي جاءت منه وعليه فإنه لا يمكن إستقبال أو إرسال هذه الموجات من داخل مباني جدرانها وأسقفها من المعادن.  وبما أن معظم أنظمة الاتصالات الكهربائية تعمل على سطح الأرض الكروية الشكل وكذلك ضمن الغلاف الجوي المحيط بها والذي تتغير خصائصه بشكل مستمر مع تغير الليل والنهار وتغير الفصول فإنها تتعرض في الغالب إلى عدد من الظواهر بعضها ذا فائدة كبيرة لبعض أنظمة الاتصالات وبعضها الآخر يقلل من حسن أدائها. ومن هذه الظواهر انعكاس الأمواج عند ارتطامها بالأرض وبعض طبقات الغلاف الجوي مما يؤدي إلى تغيير اتجاه انتشارها ومنها انكسار الأمواج عند انتقالها من طبقة إلى طبقة أخرى في الغلاف الجوي وهناك ظاهرة الحيود حيث تقوم بعض الأمواج بتخطي بعض العوائق الطبيعية وتكمل مسارها وهناك الفقد الناتج عن امتصاص مكونات الغلاف الجوي لبعض طاقة الأمواج  وهناك التبعثر الناتج عن ارتداد جزء من الموجة عند ارتطامها بمنطقة غير متجانسة في الغلاف الجوي. ويمكن تقسيم الموجات من حيث طريقة انتشارها فوق سطح الأرض وضمن الغلاف الجوي إلى ثلاثة أنواع وهي الموجات السطحية والسماوية والفضائية.


الموجات السطحية أو الأرضية (Surface or Ground Waves)

 تعرف الموجات السطحية أو الأرضية بأنها تلك التي تسير ملاصقة لسطح الأرض وينحي مسار انتشارها مع انحناء سطح الأرض ويعود السبب في ذلك إلى ظاهرة حيود الموجات الكهرومغناطيسية حول سطح  الأرض الكروي الشكل. وقد وجد العلماء  أنه كلما قل تردد الموجة الراديوية كلما ازداد حيودها وتسير بذلك مسافات طويلة ملاصقة لسطح الأرض.  وعلى العكس من ذلك فكلما ازداد ترددها كلما قل حيودها حيث تختفي ظاهرة الحيود حول الأرض تدريجيا عند بداية نطاق الترددات العالية ( ما يزيد عن 3 ميغاهيرتز)  أي أن ظاهرة الحيود تظهر بشكل واضح  في الترددات المتوسطة والمنخفضة وما دونها. ولقد تم الاستفادة من هذه الظاهرة لبناء أنظمة اتصالات بعيدة المدى كأنظمة البث الإذاعي التي تعمل في نطاق الترددات المتوسطة والتي قد تصل تغطيتها لعدة آلاف من الكيلومترات وكذلك في أنظمة الاتصالات البحرية التي تعمل في نطاق الترددات المنخفضة وتصل تغطيتها لعشرات آلاف من الكيلومترات. إلا أن عيبها يكمن في حاجتها لقدرات بث عالية نظرا للفقد الذي تتعرض له الموجة من قبل امتصاص بعض طاقتها من قبل سطح الأرض وعادة ما يستخدم الاستقطاب العامودي في هذه الموجات للتقليل من أثر الفقد وذلك لكون إتجاه المجال الكهربائي عموديا على سطح الأرض.  

       


الموجات السماوية (Sky Waves)

يستفيد هذا النوع من الموجات من وجود مناطق عالية التأين في طبقات الجو العليا يطلق عليها اسم طبقات الأيونسفير (Ionosphere layers) والتي تمتد في الجو من خمسين كيلومتر إلى ما يزيد عن أربعمائة كيلومتر فوق سطح الأرض. ويعود السبب في ظهور هذه الطبقات لتأين ذرات الهواء المختلفة من الإشعاعات القادمة من الشمس وخاصة الأشعة فوق البنفسجية ولذلك فإن هذه الطبقات تكون عالية التأين  عند منتصف النهار  وقليلة التأين أثناء الليل حيث تختفي الطبقات القريبة من الأرض تماما. وتعمل هذه الطبقات على رد بعض أنواع الأمواج الراديوية الموجهة إليها من محطات البث الأرضية ثانية إلى الأرض حيث تتحدد قوة الموجة المنعكسة على زاوية السقوط وارتفاع الطبقة التي عملت على ردها وكذلك درجة تأينها. ولحسن الحظ أن طبقة الأيونسفير لا تعكس إلا الترددات الواقعة في نطاق الترددات العالية وما دونها (أقل من 30 ميغاهيرتز) وإلا لما كان بإمكاننا استخدام  الأقمار الصناعية  في أنظمة الاتصالات الحديثة. ولقد تم الاستفادة من طبقة الأيونسفير في بناء أنظمة اتصالات بعيدة المدى حيث يتم توجيه هوائيات الإرسال  باتجاه طبقة الأيونسفير بزاوية محددة فتنعكس الأمواج عنها باتجاه منطقة أخرى على سطح الكرة الأرضية وتصل تغطية مثل هذه الأنظمة لعدة آلاف من الكيلومترات. وتعمل أنظمة البث الإذاعي ذات الترددات العالية (الموجات القصيرة) بناء على هذا المبدأ ولكن عيبها أنها لا تعمل إلا في أوقات زمنية محددة وذلك بسبب تغير خصائص طبقة الأيونسفير مع تغير موقع الشمس التي هي المسبب الرئيس في عملية تأين هذه الطبقات.

 

الموجات الفضائية (Space Waves)

الموجات الفضائية هي تلك الموجات التي تسير في خطوط مستقيمة فلا تستطيع الأرض أن تحيدها عن مسارها المستقيم ولا تتمكن طبقة الأيونسفير كذلك من اعتراض طريقها بل تنفذ من خلاله دون فقد يذكر. وتشمل هذه الموجات  جميع الترددات التي تزيد عن 30 ميغاهيرتز أي نطاق الترددات العالية جدا وما فوقها. ونظرا لأن هذه الموجات تسير  في خطوط مستقيمة فلا بد من توفر ما يسمى بخط النظر بين هوائي الإرسال وهوائي الاستقبال (line of sight) لإتمام عملية الاتصال بينهما. ونعني بخط النظر بين الهوائيين أنه لو تم مد خط مستقيم بينهما فيجب أن لا ينقطع هذا الخط بأي عائق مادي يحول دون وصول الأمواج من هوائي الإرسال إلى هوائي الاستقبال. وبسبب أن الأرض كروية الشكل فيجب أن لا تزيد المسافة  بين الهوائيين عن مسافة محددة وإلا انقطع خط النظر بينهما نتيجة لتبعج الأرض بينهما. وتتحدد مسافة الإرسال القصوى بين الهوائيين من ارتفاع كل منهما عن سطح البحر والذي يساوي ارتفاع موقع الهوائي عن سطح البحر مضافا إليه طول الهوائي وكذلك من ارتفاعات الجبال الواقعة بينهما. ولقد وجد عمليا أن المسافة القصوى بين الهوائيات لا تتجاوز في الغالب مائة كيلومتر وذلك نتيجة للصعوبات الفنية والاقتصادية  في بناء أبراج عالية للهوائيات. إن هذه التحديد في المسافة القصوى  بين الهوائيات ليس عائقا دون بناء أنظمة اتصالات بعيدة المدى بين المدن وبين الدول طالما أنه لا يوجد عوائق طبيعية كالبحار والمحيطات  تفصل بينها وذلك باستخدام ما يسمى بالأنظمة متعددة القفزات (multihop). يتكون نظام الاتصالات متعدد القفزات من مرسل رئيس موجود عند مصدر المعلومات ومستقبل رئيس موجود عند مورد المعلومات ومن عدة محطات تقوية تسمى المعيدات (repeaters) حيث يستقبل المعيد الإشارة الضعيفة من هوائي الاستقبال ويقوم بتكبيرها ثم يبثها بهوائي الإرسال  باتجاه المعيد الذي يليه وهكذا حتى تصل الإشارة للمستقبل الرئيس. أما بخصوص الدول التي يفصل بينها عوائق طبيعية كالمحيطات مثلا فلم يكن بالإمكان استخدام الأمواج الفضائية في أنظمة الاتصالات إلى أن تم استخدام الأقمار الصناعية كمعيدات معلقة في السماء في عام 1957م. وتستخدم هذه الموجات الفضائية  في أنظمة البث التلفزيونية وفي البث الراديوي بتعديل التردد وفي أنظمة الهواتف الخلوية وفي معظم وصلات أنظمة الاتصالات كما في أنظمة اتصالات الأمواج الدقيقة وأنظمة الأقمار الصناعية والرادارات وأنظمة الاتصالات الفضائية.

2023-10-29

علماء الإسلام وقوة الجاذبية وقوانين الحركة

 

علماء الإسلام  وقوة الجاذبية وقوانين الحركة

الدكتور منصور أبوشريعة العبادي / جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية

لكي يتمكن البشر من إدراك مدى الإعجاز الموجود في مخلوقات الله عز وجل فقد اقتضت حكمته سبحانه أن يخلقها وفق أسس علمية واضحة وقوانين ثابتة وعلى فترات زمنية محددة على الرغم من أن الله  قادر على خلقها من العدم في لحظة واحدة. فعندما أراد الله عز وجل أن يخلق السموات والأرض من العدم قام سبحانه أولا بخلق مادتها الأولية وهي الجسيمات الأولية على شكل سحابة من الدخان الذي ملأ الفضاء الكوني ثم خيرهما سبحانه بين أن يتكونا طوعا أو كرها فاختارتا الطريقة الطوعية في إشارة إلى أن خلقهما سيتم وفق قوانين فيزيائية أودعها الله مادة هذا الكون مصداقا لقوله تعالى (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12)) فصلت. وما ينطبق على السموات والأرض من قبول خلقهما بطريقة طوعية  ينطبق على كل ما خلق الله عز وجل من مخلوقات في هذا الكون بما فيها الكائنات الحية. ويجب أن لا يفهم بأي شكل من الأشكال أن قبول الكون لأن يتكون بطريقة طوعية وليست قسرية أن خلقه قد تم كيفما اتفق بل إن الله عز وجل قد قام بتصميم كل شيء فيه بحيث يكون شكله في كل لحظة زمنية على الصورة التي أرادها الله له مصداقا لقوله تعالى "قال ربّنا الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثمّ هدى" طه. فقد أكد القرآن الكريم على أن هذه المخلوقات قد تم خلقها وفق تقدير بالغ كما في قوله تعالى "وخلق كلّ شيء فقدّره تقديرا" الفرقان  وقوله تعالى "إنّا كلّ شيء خلقناه بقدر" القمر  وقوله تعالى "وكلّ شيء عنده بمقدار" الرعد  وقوله تعالى "الذي أحسن كلّ شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين" السجدة 7، وقوله تعالى "صنع الله الذي أتقن كلّ شيء" النمل 88. إن الحكمة التي أرادها الله من وراء اختياره لهذه الطريقة في الخلق هي لكي يدرك البشر مدى علم وقدرة من قام بتصنيع هذه المخلوقات  إذا ما تمكنوا من كشف الأسرار العلمية المتعلقة بعملية تصنيعها. ولتحقيق هذا الهدف نجد أن القرآن الكريم يزخر بالأيات القرآنية التي تحث البشر على التفكير فيما خلق الله من مخلوقات لعل ذلك يقودهم لكشف أسرار خلقها وبالتالي يعترفون بوجود صانع لا حدود لعلمه وقدرته يقف وراء تصنيعها. وممّا يؤكد صدق هذا القرآن وأنه منزل من لدن عليم خبير، هو تأكيده المتكرر على وجود أسرار وألغاز في تركيب هذه المخلوقات وتأكيده على أن البشر سيتمكنون في المستقبل من كشف هذه الأسرار ومعرفة أوجه إعجازها وذلك في قوله تعالى "سنريهم ءاياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتّى يتبيّن لهم أنّه الحقّ أولم يكف بربّك أنّه على كلّ شيء شهيد" فصلت 53، وفي قوله سبحانه "وقل الحمد لله سيريكم ءاياته فتعرفونها وما ربّك بغافل عمّا تعملون" النمل 93. فصيغة المستقبل الواردة في كلمتي سنريهم وسيريكم في هاتين الآيتين، تشير بشكل واضح إلى أن أوجه الإعجاز الموجودة في مخلوقات الله  ستتجلى للبشر في المستقبل رغم أن هذه المخلوقات موجودة منذ أن خلق الله هذا الكون.

لقد تمكن علماء الفيزياء من اكتشاف القوى الطبيعية الأربع التي تحكم عمل جميع المكونات المادية للكون  وهي قوة الجاذبية (gravity force) والقوة الكهربائية (electric force) والقوة النووية القوية (strong nuclear force) والقوة النووية الضعيفة (weak nuclear force).  فقوة الجاذبية هي قوة تجاذب بعيدة المدى بين الأجسام ذات الكتلة وهي المسؤولة عن تشكل جميع أجرام الكون من مجرات ونجوم وكواكب وكويكبات من ذرات العناصر الطبيعية وخاصة الهيدروجين والهيليوم. أما القوة الكهرومغناطيسية فهي قوة تجاذب أو تنافر بعيدة المدى بين الجسيمات المشحونة وهي المسؤولة عن تكون ذرات العناصر من الإلكترونات والبروتونات والنيوترونات من خلال دوران الإلكترونات سالبة الشحنة في مدارات محددة حول النواة المكونة من بروتونات موجبة الشجنة ونيوترونات عديمة الشحنة. وأما القوة النووية القوية فهي قوة تجاذب شديدة وقصيرة المدى تعمل على ربط البروتونات والنيوترونات ببعضها البعض  داخل نواة الذرة رغم وجود قوة التنافر الكهربائية بين البروتونات. وأما القوة النووية الضعيفة فهي قوة قصيرة المدى تعمل على تحلل بعض الجسيمات وتحولها من نوع إلى نوع آخر كتحول النيوترون إلى بروتون أو العكس وبالتالي تحول بعض العناصر الطبيعية إلى بعضها البعض تحت ظروف محددة كما يجري من تحولات نووية داخل النجوم. وتمكن علماء الفيزياء الفلكية من كشف الحقب (epoch) التي تم خلالها تحول سحابة الدخان المكونة من الجسيمات الأولية الناتجة عن الانفجار الكوني العظيم تحت تأثير هذه القوى الأربع إلى هذا الكون البديع المكون. لقد تمت ستة من هذه الحقب في الثانية الأولى من عمر الكون  حيث بدأت بحقبة بلانك (Planck Epoch) وهي لحظة حدوث انفجار كوني عظيم (Big Bang) لما يسمى بالبيضة الكونية (cosmic egg) التي كانت تحتوي على جميع مادة وطاقة هذا الكون. لقد كان الكون عند ساعة الصفر على شكل نقطة مادية غاية في الصغر (gravitational singularity)  لها درجة حرارة وكثافة غاية في الكبر ولا يعرف العلماء على وجه التحديد ماهية المادة الأولية التي انبثق منها هذا الكون ولا من أين جاءت ولماذا اختارت هذا الوقت بالتحديد لكي تنفجر ولا يعرفون كذلك أيّ شيء عن حالة الكون قبل الانفجار وصدق الله العظيم القائل "مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا" الكهف 51. ويغلب على ظن العلماء أن مادة الكون كانت عند بداية الانفجار مادة صرفة ذات طبيعة واحدة وتحكمها قوة طبيعية واحدة بدأت بالتمدد بشكل رهيب وبسرعات غاية في الكبر نتيجة لهذا الانفجار لتملأ الفضاء من حولها بسحابة من المادة الصرفة العالية الحرارة والكثافة أو سحابة من الدخان حسب تسمية القرآن الكريم.  وفي حقبة التوحد الكبير(Grand Unification Epoch)  انفصلت قوة الجاذبية عن بقية قوى الطبيعة الأساسية الأربع  وبدأ تشكل بعض الجسيمات الأولية (elementary particles) وضديداتها (antiparticles) تلتها حقبة  الانتفاخ (Inflationary Epoch) حيث انفصلت القوة النووية القوية وبدأ الكون بالتمدد بشكل أسي وليس خطي ليظهر ما يسمى بالكون المنتفخ (inflated universe). وفي حقبة الكهروضعيفة (Electroweak Epoch) التي لا زالت فيها القوة الكهربائية  والقوة النووية الضعيفة  متحدة امتلأ الكون بما يسمى بالبوزنات (bosons) وهي الجسيمات الحاملة لقوى الطبيعة (force carriers)   والفوتونات (photons) أي أن الكون كان مكون  بشكل رئيسي من الإشعاعات (radiation). وفي حقبة الكوارك (Quark Epoch) بدأت الجسيمات الأولية المكونة للذرات والتي أهمها الكواركات والإلكترونات بالتشكل وذلك بعد انفصال القوة الكهربائية عن القوة النووية الضعيفة.  وفي الحقبة السادسة والأخيرة من حقب الثانية الأولى من عمر الكون وهي حقبة الهادرون (Hadron Epoch) وبعد أن هبطت درجة حرارة الكون إلى تريليون درجة بدأت الهادرونات كالبروتونات والنيوترونات وهي الجسيمات المكونة لنوى الذرات بالتشكل.

أما حقب ما بعد الثانية الأولى فهي حقبة الليبتون (Lepton Epoch) وامتدت من بعد الثانية الأولى إلى ثلاثة دقائق من عمر الكون وفيها ظهرت الليبتونات وهي الإلكترونات (electrons) وضديداتها  البوزترون (positrons) بالظهور بكميات كبيرة.  وفي حقبة تشكل النوى (Nucleosynthesis epoch) والتي امتدت من ثلاث دقائق إلى عشرين دقيقة بدأت نوى ذرات الهيدروجين والهيليوم بالتشكل من البروتونات والنيوترونات وذلك بعد أن هبطت درجة حرارة الكون إلى بليون درجة.  وفي حقبة الفوتون (Photon Epoch) والتي امتدت حتى 240 ألف عام أصبح الكون مكون بشكل رئيسي من ذرات الهيدروجين والهيليوم المتأينة (ionized)  وكذلك الإلكترونات وكميات ضخمة من الفوتونات التي تحمل معظم طاقة الكون. وفي حقبة الارتباط (Recombination) والتي امتدت حتى 300 ألف عام  ابتدأت الإلكترونات بالإرتباط بنوى ذرات الهيدروجين والهيليوم لتنتج ذرات متعادلة كهربائيا وذلك بعد أن هبطت درجة حرارة الكون إلى ثلاثة ألاف درجة. وفي الحقبة المظلمة  (Dark Age) والتي امتدت حتى 150 مليون عام كان يتم امتصاص الفوتونات من قبل ذرات الهيدروجين والهيليوم ولا ينفذ منها أي كمية تذكر إلى الخارج ولذا كان الظلام يسود الكون في هذه الحقبة. وفي حقبة التأين (Reionization epoch)  والتي امتدت حتى ألف مليون عام بدأت النجوم والمجرات الأولية بالتشكل وبدأت الإشعاعات التي تصدرها هذه النجوم نتيجة التفاعلات النووية فيها بإعادة تأيين ذرات الهيدروجين والهيليوم المحيطة بهذه النجوم وقل بذلك  امتصاصها للفوتونات وبدأ الظلام ينقشع تدريجيا ليصبح الكون شفافا كما نشاهده اليوم. 

علماء الإغريق وقوة الجاذبية

لم يكن من الصعب على علماء الطبيعة إكتشاف وجود قوة الجاذبية منذ ما يزيد عن الفي سنة وربما أكثر وذلك لأنهم كانوا يشاهدون آثارها بأم أعينهم في جميع نشاطاتهم اليومية.  فالأشياء إذا ما رفعتها عن سطح الأرض وأفلتها فإنها سرعان ما تسقط وتعود إلى الأرض وحتى لو قذفتها إلى الأعلى بقوة  فإنها ستطير في الفضاء لفترة زمنية محددة ثم تعود إلى الأرض. إن أول من كتب عن ظاهرة الجاذبية وحاول تفسير كنها هو الفيلسوف الإغريقي أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد حيث قال أن الأجسام تتحرك باحثة عن مكانها الطبيعي في الكون فالأجسام الثقيلة التي تتكون من التراب والماء تسقط نحو الأرض بينما الأجسام الخفيفة  كالدخان والسحب فإنها ترتفع إلى أعلى لأن مكانه الطبيعي هو السماء.  وقد أخطأ أرسطو حين قال أن سرعة سقوط الأجسام  نحو الأرض تتناسب طرديا مع وزنها فالأجسام الثقيلة تصل إلى الأرض قبل الأجسام الخفيفة إذا ما أسقطت من نفس الإرتفاع.  أما الأجرام السماوية فقد علل أرسطو عدم سقوطها إلى الأرض بأنها محكومة بقوانين تختلف عن القوانين التي تعمل على الأجسام الأرضية حيث أنها أجسام مثالية تنتمي إلى عالم الكمال.  ولم يتم إضافة أي مساهمات تذكر  عن الجاذبية من قبل علماء الإغريق والرومان بعد أرسطو.

علماء الإسلام وقوة الجاذبية

مع بداية ظهور العصر الذهبي للحضارة الإسلامية في القرن التاسع الميلادي قام علماء الطبيعة المسلمون بترجمة ودراسة كتب العلماء الإغريق في مختلف مجالات  علوم الطبيعة وأضافوا إليها إضافات وإسهامات كبيرة أدت إلى ظهور ثورة علمية جديدة لا تقل  عن الثورة العلمية الإغريقية. ففي مجال دراسات الجاذبية قام عالم الطبيعة ابن خرداذبة الخرساني في بداية القرن الثالث الهجري  بوصف جاذبية الأرض في كتابه المسالك والممالك  ما نصه (والأرض جاذبة لما في أبدانهم من الثقل لأن الأرض بمنزلة الحجر الذي يجتذب الحديد). أما عالم الفلك والرياضيات الشهير ثابت بن قرة  فقد شرح  في نفس القرن خصائص الجاذبية بشكل دقيق وقال إنها موجودة في كل الأجسام ويقل تأثيرها مع بعد المسافة بين الأجسام وهذا تماما ما صاغه اسحق نيوتن رياضيا في القرن السابع عشر ميلادي حيث قال ابن  قرة  (إن (الشيء ينجذب إلى مثله، والأصغر ينجذب إلى الأعظم وإلى المجاور الأقرب قبل انجذابه إلى مجاوره الأبعد). لقد بلغت عبقرية ابن قرة أنه تخيل أن الأرض لو تم تفجيرها فتطاريت أجزاؤها في الفضاء لتجاذبت هذه الأجزاء ولكونت أرضا كروية  من جديد في أي مكان في الفضاء فقال (بل لو توهم أن الأرض كلها قد رفعت إلى فلك الشمس ثم أطلق من الموضع الذي هي فيه آلان حجر لكان يرتفع ذلك الحجر إليها لطلبه للشيء العظيم الذي هو شبيهه، وكذلك لو توهم أنها قد تقطعت وتفرقت في جوانب العالم ثم أطلقت لكان يتوجه بعضها  إلى البعض ويقف حيث يتهيأ التقاء جملة أجزائها فيه ولا تفارق ذلك الموضع لأنه لا فرق بين موضعها حينئذ وموضعها آلان وكانت أجزاؤها إذا بعدت من ذلك الموضع طلبته على حسب ما عليه الأمر في هذا الوقت. ولإن كل جزء  يطلب جميع الأجزاء منها طلبا واحدا ولما استحال أن يلقى الجزء الواحد  جميع الأجزاء لا جرم طلب أن يكون قربه من جميع الأجزاء قربا واحدا  متساويا وهذا هو طلب الوسط ثم إن جميع الأجزاء هذا شأنها فيلزم من ذلك استدارة الأرض وكرويتها وأن يكون كل جزء منها يطلب المركز حتى يستوي قربه من الجملة).

أما البيروني  فقد أشار في القرن الرابع الهجري  في كتابه القانون المسعودي  إلى قوة الجاذبية الأرضية وأن تأثيرها على الأجسام يعتمد على بعدها عن مركز الأرض وهذا ما يعرف اليوم بمركز الثقل فقال (إن الأجسام الساقطة تنجذب نحو مركز الأرض وإن اختلاف قوة الجذب يرجع إلى المسافة بين الجسم الساقط و هذا المركز). بل ذهب البيروني إلى أبعد من ذلك وأشار إلى أن جميع الأجرام وليس الأرض فقط تمتلك مثل هذه الجاذبية وأن الأجسام تجذب بعضها البعض  فقال ( إن كل جسم ينجذب نحو مركز الجسم الآخر لأنهما الأثنان يمتلكان خاصية الجذب و ليس الأثير). ولم يكن بإمكان البيروني وهو يجهل قوة الطرد المركزي  تفسير  بقاء الشمس والكواكب والقمر سابحة في السماء  ولا تسقط على الأرض رغم وجود قوة الجذب بينها فوكل الأمر لله عز وجل فقال ( لو لم تمتلك الاجرام السماوية (كالقمر و الشمس) تلك الخاصية لأنجذبت الى مركز الأرض لأن الأرض تمتلك تلك الخاصية، و لكنها تبقى سابحة في الأعلى لأنها ممسوكة و محفوظة و مجذوبة بتدخل من الله). وقال الجغرافي والفلكي اليمني ابن الحائك  الحسن بن أحمد الهمداني في القرن الرابع الهجري في كتابه الجوهرتين العتيقتين في وصف كروية الأرض وجاذبيتها (فمَن كان تحتها (أي الأرض) فهو  في الثابت في قامته كمن فوقها، ومسقطه وقدمه إلى سطحها الأسفل كمسقطه إلى سطحها الأعلى، وكثبات قدمه عليه، فهي بمنزلة حجر المغناطيس الذي تجذب قواه الحديد إلى كل جانب).  وقد تحدث أبو جعفر الخازن في القرن الرابع الهجري عن التسارع أو العجلة في سقوط الأجسام نحو الأرض في كتابه  المدخل الكبير إلى علم النجوم  (إن ذلك ناتج عن قوة تجذب هذه الأجسام باتجاه مركز الأرض).  وشرح ابن سينا في القرن الخامس الهجري  في كتابه الإشارات والتنبيهات بعض خصائص الجاذبية فقال ” القوة في الجسم الأكبر، إذا كانت مشابهة للقوة في الجسم الأصغر حتى لو فصل من الأكبر مثل الأصغر، تشابهت القوّتان بالإطلاق، فإنها في الجسم الأكبر أقوى وأكثر، إذ فيها من القوة شبيهة تلك). وأشار عبد الرحمن الخازني في القرن السادس الهجري في كتابه ميزان الحكمة إلى الجاذبية الأرضية فقال (إن الأجسام تتجه في سقوطها إلى الأرض، وأن ذلك ناتج عن قوة تجذب هذه الأجسام في اتجاه مركز الأرض). وقال أيضا أن الجاذبية هي التي تعطي الثقل للأجسام فقال (الجسم الثقيل هو الجسم الذي يتحرك بواسطة قوة ضمنية، وبشكل ثابت، بإتجاه مركز العالم. إنه لمن الكافي القول: أني أعني أن الجسم الثقيل هو الجسم الذي لديه قوة تحركه بإتجاه النقطة المركزية، وبشكل ثابت بإتجاه المركز، ودون أن يتحرك من قبل هذه القوة في أي إتجاه مختلف؛ وهذه القوة المرجعية هي ضمنية في الجسم، لا تشتق بدونه، ولا تنفصل عنه). وأشار كذلك إلى أن ثقل الجسم يعتمد على بعده عن مركز الجاذبية الأرضية وهو يعني طاقة الوضع للجسم فقال (لكل جسم ثقيل معروف الوزن وموضوع على مسافة معينة من مركز العالم، فإن جاذبيته الأرضية تعتمد على تأثيره عن بعد من قبل مركز العالم. لهذا السبب، تعتمد الجاذبية الأرضية للأجسام على المسافات التي تبعد بها عن مركز العالم. حيث انه كلما ازداد بعد الجسم عن مركز العالم، أصبح أكثر ثقلاً؛ وكلما اقترب من مركز العالم، أصبح أخف ثقلاً). وأشار الخازني كذلك إلى أن الأجسام تفقد جزءا من وزنها إذا كانت مغمورة في  الماء أو الهواء فقال (إن للهواء وزنًا وقوة رافعة كالسوائل تمامًا؛ فالهواء كالماء يحدث ضغطًا من أسفل إلى أعلى على أي جسم مغمور فيه، وعلى ذلك فإن وزن أي جسم مغمور في الهواء ينقص عن وزنه الحقيقي، وأن مقدار ما ينقص من الوزن يتوقف على كثافة الهواء). ومن علماء الدين الاسلامي الذين أقروا بوجود الجاذبية الأرضية شيخ الاسلام ابن تيمية في القرن الثامن الهجري وقام بتفسير  ظاهرة بقاء ماء البحار والمحيطات ملتصفا بسطح الأرض الكروية ومتكورا مع تكورها بسبب ما سماه محط الأثقال فقال ( اعْلَمْ أَنَّ "الْأَرْضَ" قَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا كُرَوِيَّةُ الشَّكْلِ وَهِيَ فِي الْمَاءِ الْمُحِيطِ بِأَكْثَرِهَا؛ إذْ الْيَابِسُ السُّدُسُ وَزِيَادَةٌ بِقَلِيلِ وَالْمَاءُ أَيْضًا مُقَبَّبٌ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ لِلْأَرْضِ وَالْمَاءُ الَّذِي فَوْقَهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ كَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا مِمَّا يَلِي رُءُوسَنَا وَلَيْسَ تَحْتَ وَجْهِ الْأَرْضِ إلَّا وَسَطُهَا وَنِهَايَةُ التَّحْتِ الْمَرْكَزُ؛ فَلَا يَكُونُ لَنَا جِهَةٌ بَيِّنَةٌ إلَّا جِهَتَانِ: الْعُلُوُّ وَالسُّفْلُ وَإِنَّمَا تَخْتَلِفُ الْجِهَاتُ بِاخْتِلَافِ الْإِنْسَانِ. فَعُلُوُّ الْأَرْضِ وَجْهُهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. وَأَسْفَلُهَا مَا تَحْتَ وَجْهِهَا - وَنِهَايَةُ الْمَرْكَزِ - هُوَ الَّذِي يُسَمَّى مَحَطَّ الْأَثْقَالِ فَمِنْ وَجْهِ الْأَرْضِ وَالْمَاءُ مِنْ كُلِّ وُجْهَةٍ إلَى الْمَرْكَزِ يَكُونُ هُبُوطًا وَمِنْهُ إلَى وَجْهِهَا صُعُودًا). 

علماء الإسلام  وقوانين الحركة

من المعروف والمؤكد أن العالم الإنجليزي إسحق نيوتن هو أول من قام بصياغة قانون الجاذبية وقوانين الحركة الثلاث رياضيا في القرن السابع عشر الميلادي.  ولكن قد يجهل كثير من الناس أن علماء الإسلام قد عرفوا قوانين الحركة الثلاث وقاموا بوصفها وصفا دقيقا وعرفوها كما عرفها نيوتن بشكل عام.   فقد قام ابن سينا في القرن الرابع الهجري بتعريف قانون نيوتن الأول في كتابه الإشارات والتنبيهات فقال "إنك لتعلم أن الجسم إذا خُلِّي وطباعه، ولم يَعْرِضْ له من خارجٍ تأثيرٌ غريبٌ، لم يكن له بُدٌّ من موضع معين وشكل معين، فإن في طباعه مبدأ استيجاب ذلك، وليست المعاوقة للجسم بما هو جسم، بل بمعنى فيه يطلب البقاء على حاله".  وهذا التعريف مطابق إلى حد كبير للنص الحديث لقانون نيوتن  الأول وهو  (إن الجسم يبقى في حالة سكون أو في حالة منتظمة في خط مستقيم ما لم تُجبره قوى خارجية على تغيير هذه الحالة). وقام هبة الله بن ملكا البغدادي في القرن السادس الهجري في كتابه المعتبر  في الحكمة بصياغة قانون نيوتن الثاني وكذلك الثالث حيث عرف القانون الثاني بقوله (وكل حركة ففي زمان لا محالة، فالقوة الأشدّ تُحرِّك أسرع وفي زمن أقصر.. فكلما اشتدت القوة ازدادت السرعة فقصر الزمان، فإذا لم تتناه الشدة لم تتناه السرعة، وفي ذلك تصير الحركة في غير زمان أشد؛ لأن سلب الزمان في السرعة نهاية ما للشدة). وهذا يناظر قانون نيوتن الثاني والذي يقول أن تسارع الجسم يزداد مع زيادة القوة المؤثرة عليه إلا أن نيوتن قام بتحديد الصيغة الرياضية للقانون وهي أن مقدار تسارع الجسم يساوي  حاصل تقسيم القوة المؤثرة على كتلة الجسم.  ووصف ابن ملكا كذلك قانون نيوتن الثالث الذي ينص على  أن لكل فعل رد فعل مساوي له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه بقوله (إن الحلقة المتجاذبة بين المصارعين لكل واحد من المتجاذبين في جذبها قوة مقاومة لقوة الآخر، وليس إذا غلب أحدهما فَجَذَبَهَا نحوه يكون قد خلت من قوة جذب الآخر، بل تلك القوة موجودة مقهورة، ولولاها لما احتاج الآخر إلى كل ذلك الجذب). وقد قام ابن ملكا  أيضا في نفس الكتاب بتصحيح خطأ "أرسطو"  في أن الأجسام الثقيلة تسقط أسرع من الأجسام الخفيفة وبهذا فقد سبق جاليليو  في إثبات أن سرعة الجسم الساقط سقوطا حرا في الفراغ لا تتوقف على كتلتها  فقال (وأيضًا لو تحركت الأجسام في الخلاء لتساوت حركة الثقيل والخفيف والكبير والصغير والمخروط والمتحرك على رأسه الحاد والمخروط المتحرك على قاعدته الواسعة، في السرعة والبطء؛ لأنها إنما تختلف في الملاء بهذه الأشياء بسهولة خرقها لما تخرقه من المقاوم المخروق كالماء والهواء وغيرهما).  وقد أوضح ابن ملكا تأثير الجاذبية الأرضية على  حركة المقذوفات وقال إن القوة التي يقذف بها الجسم إلى الأعلى تعمل ضد قوة الجاذبية الأرضية (فكذلك الحجر المقذوف فيه ميل مقاوم للميل القاذف؛ إلا أنه مقهور بقوة القاذف؛ ولأن القوة القاسرة عرضية فيه، فهي تضعف لمقاومة هذه القوة والميل الطبيعي ولمقاومة المخروق.. فيكون الميل القاسر في أوله على غاية القهر للميل الطبيعي، ولا يزال يضعف ويبطئ الحركة ضعفًا بعد ضعف وبطئًا بعد بطء حتى يعجز عن مقاومة الميل الطبيعي، فيغلب الميل الطبيعي فيحرك إلى جهته، ومن توهم أن بين حركة الحجر علوا المستكرهة بالتحليق وبين انحطاطه وقفة فقد أخطأ، وإنما تضعف القوة المستكرهة له وتقوى قوى ثقله، فتصغر الحركة، وتخفي حركته على الطرف، فيتوهم أنه ساكن). وقد شرح ابن الهيثم في القرن الخامس الهجري في كتابه المناظر  قانون نيوتن الثالث فقال (المتحرك إذا لقي في حركته مانعًا يمانعه، وكانت القوة المحركة له باقية فيه عند لقائه الممانع، فإنه يرجع من حيث كان في الجهة التي منها تحرك، وتكون قوة حركته في الرجوع بحسب قوة الحركة التي كان تحرك بها الأول، وبحسب قوة الممانعة). وكذلك أشار فخر الدين الرازي في القرن السابع الهجري في كتابه المباحث المشرقية في علم الإلهيات والطبيعيات إلى قانون نيوتن الثالث فقال (الحلقة التي يجذبها جاذبان متساويان حتى وقفت في الوسط، لا شك أن كل واحد منهما فعل فيها فعلاً معوَّقًا بفعل الآخر).

إسحق نيوتن وقانون الجاذبية وقوانين الحركة الثلاث

ينص قانون الجاذبية الذي اكتشفه الفيزيائي والرياضي الانجليزي الشهير اسحق نيوتن في عام  1687م على أن أي جسمين في هذا الكون يجذبان بعضها البعض بقوة تتناسب طرديا مع حاصل ضرب كتلتيهما  وعكسيا مع مربع المسافة بين مركزيهما وبثابت تناسب يسمى ثابت التجاذب الكوني (universal gravitational constat G= 6.674x10-11 m3/kg.s2) .  وإلى جانب قانون الجاذبية اكتشف نيوتن في نفس الفترة قوانين الحركة الثلاث فأولهما ينص على أن الجسم يبقى على حالته من سكون أو حركة طالما لم تؤثر عليه قوة خارجية. وأما الثاني فينص على أن الجسم إذا ما اثرت عليه قوة ثابتة فإنه يتسارع بمقدار يساوي حاصل قسمة القوة على كتلته وأما الثالث فينص على أن الجسم إذا أثر بقوة على جسم آخر فإن الجسم الثاني سيؤتر بنفس القوة على الجسم الأول ولكن بعكس الاتجاه أو  بصيغة أخرى لكل فعل رد فعل مساوي له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه.  لقد أحدثت قوانين نيوتن ثورة  في شتى المجالات أولها الفهم الصحيح لحركة كل متحرك وسكون كل ساكن سواء في الأرض أو في السماء كحركة  الحيوانات على الأرض وطيران الطيور وبعض الحشرات  في الجو وجريان الأنهار وحركة الهواء والسحب والعواصف وسقوط الأمطار والثلوج وحركة الأمواج والمد والجز في مياه البحار والمحيطات وكذلك  دوران وجريان الأجرام السماوية من  مجرات ونجوم وكواكب وكويكبات ومذنبات ونيازك وغيرها في الفضاء الكوني. أما الثورة الأخرى فهي استخدام هذه القوانين في تصنيع وبناء أنواع لا حصر من المصنوعات الساكنة والمتحركة على أكمل وجه لما فيه مصلحة البشر ورفاهيتهم.  فمن المصنوعات الساكنة المنازل والعمارات وناطحات السحاب والجسور والطرق والسدود والأنفاق والقنوات حيث يتطلب في تصميمها معرفة مراكز الثقل وقوى الشد والسحب  والضغط المؤثرة عليها. ومن المصنوعات المتحركة مختلف أنواع الآلات والمحركات الميكانيكية والكهربائية والمركبات والطائرات والقطارات والسفن والبواخر والغواصات والصواريخ والمقذوفات والأقمار الصناعية والمركبات الفضائية وغيرها.  

إن أول ما قام به نيوتن بعد وضعه لقوانينه هو التأكد من صحة نموذج  كوبرنيكس لمركزية الشمس وكذلك صحة قوانين كيبلر الثلاث المتعلقة بشكل مدارات وسرعات الكواكب حول الشمس باستخدام قانون الجاذبية وقوانين الحركة بطريقة رياضية بحتة. ففي عام 1619م   تمكن الفلكي الألماني جوهانس كيبلر (Kepler)  من خلال القياسات التجريبية التي قام بها علماء سبقوه لمدارات الكواكب حول الشمس من تحديد أشكال ومواصفات هذه المدارات.  فقد قام  كيبلر بوضع ثلاثة قوانين رياضية تجريبية تصف بدقة عالية طبيعة هذه المدارات فالقانون الأول يحدد شكل المدار الذي يتخذه الكوكب حول الشمس وهو مدار بيضاوي أو اهليلجي بحيث تكون الشمس في إحدى بؤرتيه وأما الثاني فيحدد سرعة الكوكب في المدار وأما الثالث فيحدد زمن دورة الكوكب في مداره.  ومع ظهور هذه القوانين الثلاث لكيبلر  زال أي شك في نموذج مركزية الشمس الذي اقترحه الفلكي البولندي نيكولاس  كوبرنيكس (Nicolaus Copernicus)  في عام 1543م بسبب قدرته الفائقة على تحديد مدارات وسرعات جميع  كواكب المجموعة الشمسية. وكانت النتيجة التي حصل عليها نيوتن بطريقة  رياضية بحتة  بالاعتماد على قوانين فيزيائية هو التوافق التام مع قوانين كيبلر  المبنية على القياسات التجريبية. ومع ظهور قوانين نيوتن أصبح تفسير   حركات جميع أجرام السماء  وليس فقط كواكب المجموعة الشمسية في منتهى السهولة بالنسبة للمختصين في هذا المجال.  أما النتيجة الأهم لهذه القوانين فهي أن الكون بناء على قانون الجاذبية لا يمكن أن يكون مستقرا إلا إذا كان كل جرم من أجرامه في حالة حركة مستمرة ولو حدث أن توقف أي جرم عن الحركة لأنجذب فورا إلى أقرب الأجرام إليه وأندمج معه.  ولمنع الأجرام السماوية من الإنهيار على بعضها البعض كان لزاما أن  يدور بعضها حول بعض بحيث تتساوى قوة الجذب بينها مع قوة الطرد المركزي الناتجة عن حركتها الدائرية. ولذلك نجد أن الأقمار تدور حول كواكبها والكواكب تدور حول نجومها  والنجوم تدور حول مركز  المجرة  مصداقا لقوله تعالى "وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40)" يس. لقد اختار الله سبحانه وتعالى الحركة الدائرية لحفظ الأقمار حول الكواكب والكواكب حول النجوم والنجوم حول مراكز المجرات والمجرات حول مراكز عناقيد المجرات ولكن بما أن هذه المتوالية لن تستمر  إلى ما لانهاية بسبب محدودية حجم هذا الكون كان لا بد من وقفها. لقد كان الحل لهذه المعضلة الكبرى التي تتعلق باستقرار الكون في اكتشاف ما يسمى  بالإنفجار العظيم (the big bang) والذي عمل على دفع المجرات بسرعات خيالية بعيدا عن مركز الكون للتغلب على قوة الجاذبية بينها وبذلك تمنع الكون من الانهيار على بعضه وصدق الله العظيم القائل "إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا" فاطر 41.

ألبرت آينشتاين وتعريف الجاذبية

يخلط بعض الناس بين القوانين الرياضية التي تصف عمل قوى الطبيعة الأربع على الأجسام والجسيمات المختلفة وبين معرفة كنه ومنشأ هذه القوى!  فكيف ولماذا تنتج الأجسام ذات الكتلة مجال جذب حولها والأجسام ذات الشحنة مجال جذب أو طرد حولها وكذلك الحال مع القوة النووية القوية والضعيفة؟ وكيف تكتسب الأجسام كتلتها وشحنتها وغير ذلك من الخصائص الفيزيائية؟  ولم يتمكن علماء البشر حتى الآن من تفسير علمي مقنع للكيفة التي تنشأ بها هذه القوى في مادة هذا الكون ليصدق فيهم قوله تعالى ( وَیَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنۡ أَمۡرِ رَبِّی وَمَاۤ أُوتِیتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِیلࣰا)الإسراء ٨٥. ولقد قام العالم الفيزيائي ألبرت آينشتاين في عام 1915م  بنشر عدة أبحاث في مجال ما سماه نظرية النسبية العامة وقام فيها بتعميم نظريتة في النسبية الخاصة والتي نشرها في عام 1905م.  وفي نظرية النسبية العامة قام آينشتاين بتعميم قانون الجاذبية الكلاسيكي لنيوتن ليشمل حركة الأجسام عند  السرعات الفائقة وتبين أن قانون الجاذبية الكلاسيكي لا ينطبق إلا على الأجسام ذات السرعات البطيئة نسبيا.  وفي النسبية العامة تبين لآينشتاين أن الجاذبية تنشأ عن حدوث تشوه في الزمان والمكان أو انحناء في الفضاء الزمكاني ذي الأبعاد الأربعة المحيط بالجسم  مما يؤدي  إلى تدحرج الأجسام المحيطة به إليه منتجا بذلك مجال الجاذبية. وتعتمد شدة  الانحناء في الفضاء الزمكاني على كتلة الجسم وسرعته  فكلما زادت الكتلة والسرعة كلما زاد الانحناء حول الجسم زادت قوة الجذب للأجسام المجاورة. لقد تم التأكد من صحة نظرية النسبية العامة بعد أن تنبأت ببعض الظواهر الطبيعية وتم تأكيدها بالتجربة كأنحناء الضوء عند مروره بالقرب من أجرام ضخمة ووجود الثقوب السوداء وغيرها. ومن الجدير بالذكر أن  نظرية ميكانيكا الكم  تمكنت من وصف ثلاث من قوى الطبيعة  وهي الكهرمغناطيسية والقوة النووية الضعيفة والقوة النووية القوية بينما فشلت في وصف قوة الجاذبية التي عالجتها النظرية النسبية لألبرت أينشتاين.