2020-06-28

فإذا النجوم طمست


فإذا النجوم طمست
الدكتور منصور أبوشريعة العبادي \ جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية


لقد كان البشر علماؤهم وعامتهم حتى منتصف القرن التاسع عشر ميلادي يجهلون ماهية نجوم السماء من حيث تركيبها وأحجامها وأبعاد مواقعها من الأرض وطبيعة ضيائها. بل إن كثير من الناس في هذا العصر رغم الاكتشافات المذهلة في علم الفلك يعتقدون أن أحجام النجوم هي بنفس الأحجام التي تراه بها أعينهم ويجهلون تماما مدى أبعادها عن الأرض وشدة إشعاعها. وفي المقابل نجد أن القرآن الكريم قد أشار قبل أربعة عشر قرنا إلى عظم أبعاد النجوم وضخامة أحجامها وأن النجوم لها عمر محدد بعده ستموت ويخبو ضياؤها وأقسم كذلك ببعض أنواعها للتدليل على عظيم شأنها. فلقد أشار القرآن الكريم إلى عظم أبعاد مواقع النجوم في قوله تعالى "فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)" الواقعة و‏أكد على أن عظمة هذا القسم مرتبط بمقدار علم البشر بهذه المواقع. وأقسم  ببعض أنواع النجوم للتدليل على عظم شأنها كما في قوله سبحانه "وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) " الطارق وقوله سبحانه "فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16)" التكوير وقوله تعالى "وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (49)" النجم. وبغض النظر عن نوع النجوم التي تتحدث عنها هذه الآيات إلا أنها تؤكد على وجود أنواع مختلفة من النجوم في هذا الكون وأنها عظيمة الشأن من حيث بعد مواقعها أو أحجامها أو شدة ضيائها وما أقسم الله بها إلا ليلفت أنظار البشر إلى عظم شأنها وعجيب صنعها. وأشار القرآن كذلك إلى أن هذه النجوم لها نهاية رغم عمرها الطويل الذي يقاس ببلايين السنين وليس كما كان يظن البشر من أنها أزلية كما في قوله تعالى "إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2)" التكوير وقوله تعالى "فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (8)" المرسلات وقوله تعالى "وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1)" النجم. إن هذه المصطلحات التي استخدمتها الآيات القرآنية لوصف النجوم كالتكوير والإنكدار والطمس والهوي والخنس والكنس والجريان تدل دلالة واضحة على الأحوال التي تمر بها النجوم عند نفاد وقودها فالتكوير هو إنهيار النجم على نفسه والإنكدار هو تغير حال النجم إما بالتمدد أو بالإنفجار وأما الطمس فهو إنطفاء النجم وتوقف إشعاعه والتي سنشرح تفصيلاتها في هذه المقالة.

تكونت النجوم بعد أن برد الكون إلى ما دون عشرة آلاف درجة كلفن وذلك بعد مرور ما يقرب من نصف مليون سنة من الانفجار الكوني العظيم (the big bang) حيث بدأت الإلكترونات بالارتباط بالبروتونات لتملأ الكون بسحابة من ذرات الهيدروجين والهيليوم والنيوترونات ومختلف أنواع الإشعاعات. لقد بقي الكون حتى هذه اللحظة متجانسا أيّ أن هذه السحابة كانت تتوزع على جميع أنحاء الكون بنفس الكثافة ولكن في لحظة ما بدأت كثافة مادة الكون بالاختلال لسبب لم يجد له العلماء تفسيرا مقنعا وتكونت نتيجة لهذا الاختلال مراكز جذب موزعة في جميع أنحاء الكون وبدأت قوة الجاذبية تلعب دورها بجذب مزيد من الهيدروجين المحيط بهذه المراكز إليها منشئة بذلك سحب ضخمة من الهيدروجين تدور حول نفسها على شكل دومات. ومن ثم بدأت هذه السحب الهيدروجينية الضخمة تنهار على نفسها بفعل الجاذبية (gravitational collapse)  ويتقلص حجمها وكذلك تزداد سرعة دورانها حول نفسها وذلك للحفاظ على طاقتها الحركية الكلية وأصبح شكلها كالقرص عند أطرافها وكالكرة عند مركزها. وعندما وصل حجم الكرة المركزية إلى حجم معين ونتيجة للضغط الهائل على الهيدروجين الموجود في مراكزها ارتفعت درجة حرارته إلى ما يزيد عن ثلاثة ملايين درجة وهو الحد الأدنى اللازم لبدء عملية الاندماج النووي (Nuclear fusion)  بين ذرات الهيدروجين منتجة بذلك ذرات الهيليوم بالإضافة إلى كميات كبيرة من الطاقة فتكون بذلك نجما مشعا في مركز السحابة.

تتحدد مواصفات النجم وطول عمره والمراحل التي يمر بها أثناء حياته على كتلته الإبتدائية وذلك حسب كمية الهيدروجين الذي سحبته من الفضاء الكوني المحيط به. وقد قسم العلماء النجوم إلى ثلاثة أقسام تبعا لكتلتها الإبتدائية وهي النجوم صغيرة الكتلة (small-mass stars) وتتراوح كتلتها بين عشر إلى نصف كتلة الشمس والنجوم متوسطة الكتلة (intermediate-mass stars) وتتراوح كتلتها بين نصف إلى ثمانية أضعاف كتلة الشمس والنجوم عالية الكتلة (high-mass stars) وهي التي تزيد كتلتها عن ثمانية أضعاف كتلة الشمس. أما إذا قلت كتلة النجم عن عشر كتلة الشمس فإن ضغط ودرجة حرارته باطنه لا تكفي لإشعال فتيل التفاعل النووي في داخله ويطلق إسم الأقزام البنية (brown dwarfs) على مثل هذه النجوم غير المشعة. وفي النجوم صغيرة الكتلة يكون معدل حرق الهيدروجين قليل جدا بسبب إنخفاض درجة حرارة باطنها مما يعني أن عمرها طويل جدا قد يزيد عن مائة بليون سنة وتشع كذلك ضوءا أحمر بسبب تدني درجة حرارة سطحها ولذلك تسمى بالأقزام الحمراء (red dwarfs). إن مثل هذه النجوم لا يمكنها أن تحرق إلا الهيدروجين وعند نفاذه فإنها تنطفأ وتنكمش على نفسها لتتحول إلى أقزام بيضاء (white dwarfs) ومن ثم إلى أقزام سوداء(black dwarfs).

أما النجوم متوسطة الكتلة فتبدأ حياتها كنجم أولي (protostar) يستغرق تكونه ما يقرب من مائة ألف سنة ولا تزيد درجة حرارة سطحه عن أربعة آلاف درجة مئوية وبعد إشتعال التفاعل النووي في باطنه يمر النجم في مرحلة إنتقالية غير مستقرة لمدة عشرة ملايين سنة يتمدد خلال النجم ويتقلص بشكل دوري إلى أن يصل إلى حالته المستقرة ويسمى النجم في هذه المرحلة بالنجم (T-Tori star). وعندما يدخل النجم في مرحلة الإستقرار يسمى بالنجم الإعتيادي (main-sequence star) ويبقى في هذه الحالة طالما يوجد في داخله من الهيدروجين ما يكفي للحفاظ على عملية الإندماج النووي وإنتاج الحرارة اللازمة لمنعه من الإنهيار . ويتحدد عمر النجم من مقدار كتلته بالنسبة لكتلة الشمس فكلما زادت نقص عمره فالشمس على سبيل المثال يقدر عمرها بعشرة بلايين سنة. وعندما تقل كمية الهيدروجين في باطن النجم عن حد معين ينهار النجم بشكل مفاجيء ويتقلص حجمه وتزداد درجة حرارته إلى ما يزيد عن مائة مليون درجة وهو الحد اللازم لبدء عملية الإندماج النووي للهيليوم لينتج بذلك الكربون والأوكسجين. وبسبب الحرارة العالية التي تنتجها عملية الإندماج النووي للهيليوم يتمدد النجم بشكل كبير ويزداد حجمه وتقل درجة حرارة سطحه لتعطي ضوءا أحمرا ولهذا يطلق على النجم في هذه المرحلة بالعملاق الأحمر (red giant). وبعد نفاد الهيليوم تتوقف عملية الإندماج النووي وينهار النجم مرة أخرى بشكل عنيف بسبب كبر حجمه فترتفع درجة حرارة باطنه بشكل كبير ولكن ليس للحد الذي يمكنه من حرق عناصر الكربون  مما يؤدي إلى إنفجاره وقذف معظم طبقاته الخارجية إلى الفضاء بينما يتحول ما تبقى منه إلى قزم أبيض ومن ثم إلى قزم أسود.

أما النجوم عالية الكتلة فتبدأ حياتها أيضا كنجم أولي (protostar) يستغرق تكونه ما بين عشرة آلاف ومائة ألف سنة ومن ثم تتحول إلى نجم إعتيادي ولكن بعمر أقصر من النجوم متوسطة الكتلة بسبب المعدلات العالية لحرق الهيدروجين وبقية العناصر. وهذه النجوم بسبب إرتفاع درجة حرارة باطنها قادرة على حرق الهيدروجين وكذلك الهيليوم في عملية الإندماج النووي وتنتج كميات هائلة من الطاقة مما يرفع من درجة حرارة سطحها ليشع ضوء أميل إلى الأزرق ويزيد شدة لمعانها ما بين ألف ومليون مرة عن لمعان النجوم متوسطة الكتلة وذلك حسب كتلتها. وعندما ينفد مخزون هذه النجوم من الهيدروجين والهيليوم تنهار بشكل مفاجيء وترتفع درجة حرارة باطنها إلى ما يزيد عن 700 مليون درجة وهو الحد اللازم لحرق الكربون لينتج النيون والأوكسجين والصوديوم والمغنيسيوم. وعند نفاد قلب النجم من الكربون ينهار مرة أخرى وترتفع درجة حرارة باطنه إلى ما يزيد عن ألف ومائتي مليون درجة وهو الحد اللازم لحرق النيون لينتج المغنيسيوم والأوكسجين. وعند نفاد قلب النجم من النيون ينهار مرة أخرى وترتفع درجة حرارة باطنه إلى ما يزيد عن ألف وخمسمائة مليون درجة وهو الحد اللازم لحرق الأوكسجين الذي ينتج السيليكون والفوسفور والكبريت. وعند نفاد قلب النجم من الأوكسجين ينهار مرة أخرى وترتفع درجة حرارة باطنه إلى ما يزيد عن ثلاثة آلاف مليون درجة وهو الحد اللازم لحرق السيليكون لينتج الحديد والنيكل والكوبلت والكروم والكالسيوم والزنك والتيتانيوم. وأثناء حرق السيليكون في قلب النجم يتم حرق ما تبقى من الأوكسجين والنيون والكربون والهيليوم والهيدروجين في الطبقات العليا وذلك حسب شدة درجة الحرارة. وبسبب الحرارة الهائلة التي تنتج عن الحرق النووي لهذه العناصر يبدأ النجم بالتمدد بشكل رهيب ويشع ضوءا أحمرا ولذا يسمى النجم في هذه المرحلة بالعملاق الأحمر الفائق (red supergiant).


إن الحرق النووي للعناصر الآنفة الذكر ينتج في النهاية عنصر الحديد وهو عنصر في غاية الإستقرار ولا يمكن أن يحرق نوويا رغم أن درجة حرارة باطن النجم قد تصل إلى عشرة بلايين درجة ولهذا فهو أعلى عنصر يمكن تصنيعه من خلال الإندماج النووي. ومن الجدير بالذكر أن العناصر الأعلى من الحديد يتم تصنيعها في خارج النجوم من خلال ما يسمى بالإمساك النيوتروني (neutron capture) وفيه تقوم العناصر الخفيفة بالإمساك بالنيوترونات المتوفرة بكثرة في الكون فتتحول إلى نظائر (isotopes) وعند تحلل هذه النظائر تتحول إلى العناصر الثقيلة المختلفة. إن الحديد الناتج عن الإندماجات النووية يبدأ بالتراكم في باطن النجوم بسبب كثافته العالية وبعد نفاد جميع العناصر القابلة للحرق النووي في داخل العملاق الفائق يبدأ بالإنهيار فترتفع درجة حرارة باطنه المكون من الحديد إلى مئات الملايين من الدرجات. إن الحالة التي سيصبح عليها النجم بعد هذا الإنهيار يتوقف على مقدار كتلة القلب الحديدي له فإذا بلغت كتلة القلب واحد ونصف كتلة الشمس فإن القلب الحديدي سينهار على نفسه وترتفع درجة حرارته إلى عشرة بلايين درجة وعندها ستتحلل ذرات الحديد إلى نيوترونات وإشعاعات مختلفة وبسبب غياب التنافر بين النيوترونات يتقلص حجم القلب بشكل مفاجيء بحيث يصبح قطره أقل من عشرة كيلومترات ولكنه يعود فيتمدد بشكل مفاجيء ليرسل موجة صدم (shock wave) في أنحاء النجم فتفجره تفجيرا رهيبا لتقذف بمكوناته في الفضاء الخارجي ويسمى النجم في مثل هذه الحالة بالمستعر الأعظم (supernova). أما إذا زادت كتلة القلب الحديدي عن واحد ونصف كتلة الشمس ولم تتجاوز ثلاثة أضعافها فإنه سينهار ويتحول إلى قلب من النيوترونات دون أن ينفجر ويسمى النجم في هذه الحالة بالنجم النيوتروني (neutron star) والذي لا يتجاوز قطره عدة عشرات من الكيلومترات بينما قد يبلغ وزنه مئات الكتل الشمسية. أما إذا زادت كتلة القلب الحديدي عن ثلاثة أضعاف كتلة الشمس فإن القلب سيتحول أولا إلى قلب نيوتروني ثم ينهار القلب النيتروني بسبب شدة الجاذبية ليتحول إلى ثقب أسود (black hole). ومن الواضح أن النجوم بعد موتها تتحول إلى إما إلى أقزام بيضاء (white dwarfs) أو أقزام سوداء(black dwarfs) أو نجوم نيوترونية (neutron stars) أو ثقوب سوداء (black holes) وذلك حسب مقدار كتلتها.

يتكون النجم النيوتروني في داخل النجوم العملاقة الفائقة إذا زادت كتلة قلبه الحديدي عن واحد ونصف كتلة الشمس ولم تتجاوز ثلاثة أضعافها حيث ينهار النجم على نفسه ويتحول إلى قلب من النيوترونات محاطة بطبقة من الحديد ويسمى النجم في هذه الحالة بالنجم النيوتروني (neutron star) والذي لا يتجاوز قطره العشرين كيلومتر. وكما هو واضح من إسم هذا النجم فإنه يتكون من النيوترونات فقط وهي جسيمات عديمة الشحنة ولذا فهي تتراص مع بعضها البعض بشكل كبير لسبب غياب قوة التنافر بينها ولذا فإن نجما بكتلة تبلغ ثلاثة أضعاف كتلة الشمس وبحجم يزيد بآلاف المرات عن حجم الشمس يتحول إلى جرم بقطر لا يتجاوز العشرين كيلومتر ولكن بكثافة قد تصل إلى خمسمائة مليون طن لكل سنتيمتر مكعب. وتقدر درجة حرارة سطح النجم النيوتروني بستمائة ألف درجة كلفن وهذه الدرجة أعلى بكثير من درجة حرارة أي من أنواع النجوم الأخرى والتي لا تتجاوز خمسين ألف درجة ولهذا فإن الضوء الصادر عنها له لون أبيض. وبسبب صغر حجمها وكبر كتلتها فإن جاذبيتها عند سطحها تزيد بمائة بليون مرة عن جاذبية الأرض ويحتاج أي جسم للإفلات منها إلى سرعة هروب (escape velocity) تبلغ مائة ألف كيلومتر في الثانية مقارنة بينما تبلغ سرعة هروب الأجسام من الأرض ما يقرب من 11 كيلومتر في الثانية.

وتدور النجوم النيوترونية حول محورها بسرعات خيالية تتراوح بين عشرات الدورات في الثانية وما يقرب من سبعمائة دورة في الثانية وذلك للحفاظ على الزخم الزاوي للنجم الأصلي بينما لا تتجاوز سرعة دوران النجوم العادية عدة عشرات دورة في الثانية. وعندما نحول سرعة الدوران هذه إلى سرعة السطح الخطية فإنها قد تصل إلى 75 ألف كيلومتر في الثانية أي ربع سرعة الضوء ولا يمكن لأي نجم غير النجم النيوتروني أن يتحمل مثل هذه السرعات الهائلة حيث أنه سيتفتت ويتناثر في الفضاء بسبب قوة الطرد المركزي. وقد تم إكتشاف ما يقرب من ألفي نجم نيوتروني في مجرة درب التبانة وأقربها إلينا على بعد أربعمائة سنة ضوئية. وتطلق بعض النجوم النيوترونية التي تدور بسرعات عالية نبضات راديوية بشكل منتظم وذلك بسبب وجود مجال مغناطيسي قوي حولها وتسمى هذه النجوم بالنوابض (pulsars) أو النجوم النابضة (pulsating stars). ويتراوح معدل عدد النبضات التي تطلقها هذه النجوم بين عدة نبضات في الثانية إلى ما يقرب من سبعمائة نبضة في الثانية وذلك حسب سرعة دوران النجم. وقد تم استخدام بعض النجوم النابضة كساعات طبيعية دقيقة قد تصل دقتها إلى دقة الساعات الذرية كما في النجم (PSR J0437-4715) الذي يرسل نبضات بمعدل 174 نبضة في الثانية تقريبا.
أما الثقوب السوداء فتتكون في داخل النجوم العملاقة الفائقة إذا ما زادت كتلة القلب الحديدي فيها عن ثلاثة أضعاف كتلة الشمس حيث يتحول القلب أولا إلى قلب نيوتروني ثم ينهار القلب النيوتروني بسبب شدة الجاذبية ليتحول إلى ثقب أسود (stellar mass black holes). وإذا كان قطر النجم النيوتروني لا يتجاوز العشرين كيلومتر رغم أن كتلته قد تصل لثلاثة أضعاف كتلة الشمس فإن قطر الثقب الأسود سيؤول إلى الصفر بينما كتلته تزيد بثلاثة أضعاف عن كتلة الشمس وهذا يعني أن كثافته ستؤول إلى مالانهاية. وعلى هذا فإن جاذبية الثقب الأسود ستصبح لانهائية وله القدرة على جذب والتهام الأجسام التي تقع ضمن أفقه (black hole's horizon) وتحطيمها وتحويلها إلى نفس حالة المادة التي يتكون منها والتي في الأغلب هي نفس حالة المادة في بداية الإنفجار العظيم (gravitational singularity). وببدأ الثقب الأسود حياته كثقب أسود نجمي تتراوح كتلته بين ثلاثة أضعاف و عشرين ضعف كتلة الشمس ثم يتحول بسبب إلتهامه للأجرام المحيطة به إلى ثقب أسود متوسط الكتلة تتراوح كتلته ما بين مائة وعشرة آلاف كتلة الشمس ثم يتحول إلى ثقب أسود فائق الكتلة (supermassive black holes) قد تصل كتلته إلى بليون كتلة شمسية. وغالبا ما توجد الثقوب السوداء في مراكز المجرات ويستدل عليها من خلال دراسة طبيعة حركة النجوم التي تدور حولها وكذلك إنحراف مسار الضوء الذي يمر قريبا منها. وبسبب الجاذبية اللانهائية للثقوب السوداء فإنه يستحيل حتى على الضوء الإفلات منها ولذا فهي لا تطلق أي نوع من الإشعاعات وبالتالي لا يمكن رؤيتها وتبدو كمنطقة سوداء في الفضاء خالية من أي مادة مرئية ولذا أطلق عليها اسم الثقوب السوداء. إن الثقوب السوداء تعمل كمكانس كونية لا يمكن رؤيتها وعندما تتحرك فإنها تبتلع كل ما تصادفه في طريقها من أجرام. ومن العجيب أن علماء الفيزياء يحاولون تصنيع ثقوب سوداء في معاملهم وهم يعلمون أنهم لو نجحوا في ذلك لما أمكنهم السيطرة عليها وستبتلع كل ما حولها بما فيها الأرض فهي كالنار التي تبدأ من شرارة ثم تكبر بشكل هائل إذا ما توفر لها ما تأكله.

وقد تكون هذه الثقوب السوداء هي المقصودة في قوله تعالى "فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16) " التكوير فهذه المخلوقات التي أقسم الله بها للتدليل على عظمة خلقها تتصف بالخنوس دلالة على خفائها وبالجري دلالة على حركتها في هذا الكون وبالكنس دلالة على شفطها لأي مادة تقع ضمن جاذبيتها والله أعلم. وأما الحديث الشريف الذي يؤكد وجود هذه الثقوب السوداء القادرة على إلتهام النجوم والمجرات فقد ذكره القرطبي عند تفسير سورة فصلت لهذه الآية " فقال لها وللأرض إئتيا طوعا أو كرها " ففي حديث ذكره الثعلبي: إن موسى عليه الصلاة والسلام قال: يا رب لو أن السموات والأرض حين قلت لهما " ائتيا طوعا أو كرها " عصياك ما كنت صانعا بهما ؟ قال كنت آمر دابة من دوابي فتبتلعهما. قال: يا رب وأين تلك الدابة ؟ قال: في مرج من مروجي. قال: يا رب وأين ذلك المرج ؟ قال علم من علمي))ا.ه. فهذا الحديث يؤكد بشكل واضح على وجود مثل هذه الثقوب السوداء في أرجاء هذا الكون والتي شبهها الله عز وجل بالدواب فهي تأكل مادة الكون كما تأكل الدواب العشب في مروج الأرض وما مروج الله عز وجل إلا هذه المجرات وعناقيد المجرات.ـ ولقد ربط الحديث معرفة مكان المرج بعلم الله عز وجل للتأكيد على أن معرفة طبيعة هذه المروج لا تتم إلا من خلال العلم ولقد شاء الله عز وجل أن يحيط البشر في هذا العصر ببعض علمه ليريهم بعض آياته في هذا الكون. مصداقا لقوله تعالى "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)" فصلت، وقوله سبحانه "وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93)" النمل.


        أما الكوازارات أو أشباه النجوم ( Quasars or quasi-stellar radio sources) فهي أجرام سماوية تشع كميات ضخمة من الضوء والأمواج الكهرومغناطيسية وأشعة إكس وعند تحليل طبيعة الإشعاعات القادمة منها وجد العلماء أنها تختلف عن إشعاعات النجوم العادية مما ينفي أن تكون نجوما ولذا أطلقوا عليها إسم أشباه النجوم. ولقد تبين للعلماء أن شبه النجم هو عبارة عن سحب كثيقة وحارة تحيط بثقب أسود فائق الكتلة يقع في قلب بعض المجرات وتستمد طاقتها من التصادمات العنيفة الناتجة بين النجوم التي يبتلعها هذا الثقب الأسود العملاق. وتعتبر أشباه النجوم أشد الأجرام السماوية ضياءا حيث يفوق شدة إشعاع بعضها أربعة آلاف بليون ضعف إشعاع الشمس ولكنها تبدو خافتة جدا لبعدها عن الأرض وتقدر كتلة الواحد منها بمائة مليون ضعف كتلة الشمس. وعند قياس مقدار الإنزياح الأحمر لأشباه النجوم وجدوا أن معظمها يبتعد بسرعات عالية عن الأرض مما يعني أنها موجودة في مجرات بدأت بالتشكل عند بداية نشأة الكون أو ما يطلق عليها مجرات نشطة (active galactic nuclei).

وعلى الرغم من البعد الهائل الذي يفصلنا عن نجوم هذا الكون إلا أن علماء الفلك والفيزياء قد تمكنوا من معرفة كثير من خصائصها الفيزيائية والكيميائية وذلك من خلال النظر إليها بالتلسكوبات أو من خلال دراسة الضوء الذي يصل منها إلى الأرض بمختلف أنواع الأجهزة كالمطياف الضوئي (Spectroscope). ومن أهم هذه الخصائص بعد النجم عن الأرض وكتلته وحجمه وكثافته وعمره ولونه ودرجة حرارة باطنه وسطحه ودرجة لمعانه‏ (Brightness) وشدة إضاءته‏ (luminosity) ونوع الإشعاعات الصادرة منه وشدة مجاله المغناطيسي وسرعة دورانه حول محوره‏ وسرعته في مداراته المختلفة‏ وعدد النجوم المرافقة له وكذلك تركيبه الكيميائي‏ أو ما يسمى بمعدنيته (metallicity) ونوع التفاعلات النووية التي تجري في داخله‏.‏ فمن حيث بعد النجم عن الأرض فيتراوح بين 4,23 سنة ضوئية أو ما يعادل 40 ألف بليون كيلو متر وهو النجم ألفا سنتوريا (Alpha Centauri) الذي هو أقرب النجوم إلى الأرض ويقع في نفس مجرتنا و وما يزيد عن 13 بليون سنة ضوئية. ومن حيث الكتلة فتتراوح بين عشر كتلة الشمس البالغة ألفي مليون بليون بليون طن (2 × 1030 kg) كما في الأقزام الحمراء (red dwarfs) إلى مائتين وخمسين ضعف كتلة الشمس كما في المستعرات العظمى. أما أحجام النجوم فتتراوح أقطارها (diameter) بين عشرات الكيلومترات للنجوم النيوترونية (neutron star) رغم أن كتلتها تزيد بعشرات المرات عن كتلة الشمس و ألف وسبعمائة ضعف قطر الشمس للنجوم فوق العملاقة (supergiant) علما بأن قطر الشمس يبلغ مليون وأربعمائة ألف كيلومتر وهذا يعني أن حجم أكبر النجوم قد يزيد بخمسة بلايين مرة عن حجم الشمس لأن الحجم يتناسب مع مكعب القطر. أما كثافة مادة النجم فتتراوح بين أجزاء من الميكروغرام لكل سنتيمتر مكعب في النجوم الضخمة وخمسمائة مليون طن لكل سنتيمتر مكعب في النجوم النيوترونية. وأما العمر بالسنين فيتراوح بين عدة ملايين للنجوم عالية الكتلة وعشرات البلايين للنجوم قليلة الكتلة بسبب إنخفاض معدل إستهلاكها للوقود النووي. أما لون الضوء المرئي للنجم كما نشاهده من الأرض فيعتمد على درجة حرارة سطحه حيث يبدأ من الأحمر عند ثلاثة آلاف درجة مرورا بالأصفر عند ستة آلاف درجة وينتهي بالأزرق عند ثلاثين ألف درجة علما بأن شمسنا من النوع الأصفر. أما درجة حرارة باطن النجم فتتراوح بين ثلاثة ملايين درجة كما في الأقزام الحمراء وثلاثين بليون درجة كما في النجوم النيوترونية. وأما درجة اللمعان الظاهري للنجم‏ (apparent brightness) وهو مقياس لشدة الضوء كما يقاس من الأرض فيستخدم فيه نظام الإتساع (amplitude system). وأما شدة إضاءة النجم‏ (luminosity) فهو مقياس لكمية الطاقة التي يشعها في الثانية الواحدة فالشمس تشع ما مقداره 400 بليون بليون ميجاوات وهناك نجوم يزيد إشعاعها بعشرة ملايين مرة عن إشعاع الشمس. ومن حيث عدد النجوم المترافقة فهناك النجوم المفرد‏ة كالشمس والنجوم المزدوجة (Binary Stars)‏ والنجوم المتعددة (Multiple Stars) والنجوم المزدوجة والمتعددة‏ تدور في مدار واحد أو أكثر حول مركز ثقلها. ‏وأما من حيث معدنيته وهي مقياس لكمية العناصر الطبيعية الموجودة فيه فالنجوم التي تكونت في أول نشأة الكون تحتوي على الهيدروجين والهيليوم بشكل رئيسي أما النجوم التي تكونت حديثا فتحتوي على معظم العناصر الطبيعية بنسب متفاوته حيث أن النجوم القديمة قامت بتصنيعها من خلال الإندماج النووي ومن ثم قذفتها إلى الفضاء بعد إنفجارها وموتها.

ولا بد أخيرا من ذكر أحجام وكتل وأبعاد وشدة إشعاع بعض أكبر النجوم اللامعة في السماء فنجم الشعرى اليمانية (Sirius) الذي أقسم الله به في قوله تعالى "وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (49)" النجم فهو ألمع نجوم السماء ويتكون من نجمين الأكبر منهما يزيد حجمه بخمسة مرات عن حجم الشمس وتبلغ كتلته ضعف كتلة الشمس ويبعد عنا 8,6 سنة ضوئية وشدة إشعاعه تزيد بخمس وعشرين مرة عن إشعاع الشمس. وأما نجم الدبران (Aldebaran) فهو نجم عملاق يزيد حجمه بمائة ألف مرة عن حجم الشمس وتبلغ كتلته 1,7 ضعف كتلة الشمس ويبعد عنا 65 سنة ضوئية وشدة إشعاعه تزيد بخمسمائة مرة عن إشعاع الشمس. وأما قلب العقرب (Antares) فهو عملاق أحمر فائق يزيد حجمه بسبعمائة مليون مرة عن حجم الشمس وتبلغ كتلته عشرة أضعاف كتلة الشمس ويبعد عنا ستمائة سنة ضوئية وشدة إشعاعه تزيد بستين ألف مرة عن إشعاع الشمس. وأما نجم منكب الجوزاء Betslgeuse))   فهو أيضا عملاق أحمر فائق يزيد حجمه ببليون مرة عن حجم الشمس وتبلغ كتلته 15 ضعف كتلة الشمس ويبعد عنا 650 سنة ضوئية وشدة إشعاعه تزيد بمائة ألف مرة عن إشعاع الشمس. وأما أضخم النجوم المكتشفة فهو النجم (UY Scuti) فيزيد حجمه بخمسة بلايين مرة عن حجم الشمس وتبلغ كتلته 32 كتلة الشمس ويبعد عنا 7800 سنة ضوئية وشدة إشعاعه تزيد 340 ألف مرة عن إشعاع الشمس. وأما أثقل النجوم فهو النجم (R136a1) إذ تبلغ كتلته 265 كتلة الشمس ويزيد حجمه بأربعين ألف مرة عن حجم الشمس ويبعد عنا 165 ألف سنة ضوئية وشدة إشعاعه تزيد بتسعة ملايين مرة عن إشعاع الشمس وهو النجم الأشد إشعاعا. وأما أبعد النجوم فهو النجم (UDFj-39546284)  إذ يبعد 13.42 بليون سنة ضوئية عن الأرض.


2020-06-20

إنها ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالة صفر


إنها ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالة صفر
الدكتور منصور أبوشريعة العبادي \ جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية


لقد ساعدت الاكتشافات العلمية الحديثة في مجال فيزياء الشمس (heliophysics) على فهم المعنى الصحيح لكل من كلمتى القصر والجمالة الصفر التي وردت في وصف الشرر المنبعث من نار جهنم وذلك في قوله تعالى "إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32) كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ (33)" المرسلات. فلقد أوردت جميع تفاسير القرآن الكريم معنيين لكل من كلمتي القصر والجمالة المذكورة في هذه الآيات الكريمة وقام المفسرون بترجيح أحد المعنيين على الآخر وذلك تبعا لقناعاتهم. فالمعنى الأول للقصر هو البناء العالي والضخم وأما الثاني فهو أصول أو جذوع الشجر والنخيل التي يتم تقطيعها إلى قطع بطول عدة أذرع لتخزينها واستخدامها كوقود للنار. أما المعنى الأول للجمالة الصفر فهي الأبل سوداء اللون وأما الثاني فهي القلوس او الحبال الغليظة صفراء اللون والتي تستخدم في الغالب لربط السفن. إن من الظواهر التي قام علماء فيزياء الكون بدراستها حول الشمس هو الشرر أو الشواظ أو اللهب التي تقذف بها الشمس من سطحها بشكل متواصل وأطلقوا عليها اسم الشواظ أو اللهب الشمسي (solar prominences). ومما يدعو للدهشة والعجب أن علماء الفيزياء أطلقوا أسماء على الأنواع المختلفة لهذا الشرر تتطابق  مع الاسماء التي أطلقها القرآن الكريم على الشرر المنبعث من نار جهنم. فقد أطلقوا على أحد أنواع الشرر الشمسي اسم الفتائل (filaments)  وكذلك الحبال (ropes) وشبه بعضهم نوع اخر من أنواع الشرر الشمسي بجذوع الشجر (tree trunks) كما سنبين ذلك لاحقا. وبهذا فقد رجحت الاكتشافات العلمية كفة القائلين بأن القصر هي جذوع الاشجار وليس البناء العالي وأن الجمالة الصفر هي الحبال الصفراء الغليظة وليس الابل السوداء. أما النتيجة الأهم لهذه الاكتشافات العلمية فهي إثبات إحاطة علم الله عز وجل بأسرار كونه فهذه الأوصاف لنار جهنم لا توجد في أي من نيران الأرض ولكن يوجد ما يشبهها في نيران الشمس والنجوم  والتي لم يتمكن البشر من كشفها إلا في القرن الماضي وصدق الله العظيم القائل "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12)" الطلاق. 

 تعتبر الشمس نجم متوسط الحجم بالنسبة لنجوم الكون حيث يبلغ نصف قطرها ما يقرب من سبعمائة ألف كيلومتر أي أن حجمها يزيد بمليون وثلاثمائة ألف مرة عن حجم الأرض بينما تزيد كتلتها عن كتلة الأرض بثلث مليون مرة تقريبا. وتتكون الشمس من الهيدروجين بنسبة 74 بالمائة والهيليوم بنسبة 25 بالمائة ومن الأوكسجين والكربون والنيون وبعض العناصر الأخرى بنسبة واحد بالمائة.  وتحرق الشمس باستخدام الاندماج النووي (nuclear fusion) ستمائة مليون طن من عنصر الهيدروجين في الثانية الواحدة ليتحول إلى 596 مليون طن من عنصر الهيليوم. ويتم تحويل فرق الكتلة بين العنصرين البالغ أربعة ملايين طن إلى طاقة تقدر بما يقرب من أربعمائة بليون بليون ميجاوات (3.846×1026 W) وذلك تبعا لمعادلة أينشتاين المشهورة وهي أن كمية الطاقة الناتجة من تحويل الكتلة إلى طاقة (mass–energy conversion) تساوي مقدار الكتلة مضروبة بمربع سرعة الضوء. تتكون الشمس من عدة طبقات أولها طبقة النواة (core) والتي يبلغ نصف قطرها 150 ألف كيلومتر ودرجة حرارة مركزها 15 مليون درجة كلفن وفيها تتم عملية الاندماج النووي وإنتاج الطاقة. ثم تليها الطبقة الإشعاعية (radiative zone)  التي يبلغ سمكها 300 ألف كيلومتر ودرجة حرارتها عند حافتها الخارجية مليوني درجة ومن خلالها يتم نقل الطاقة المتولدة في النواة إلى الخارج من خلال الإشعاع.  ومن ثم طبقة الحمل (convection zone) والتي يبلغ سمكها 200 ألف كيلومتر ويتم فيها نقل الطاقة إلى سطح الشمس بالحمل.  ومن ثم الطبقة الأخيرة للشمس وهي الكرة الضوئية (photosphere) والتي يبلغ سمكها 500 كيلومتر ودرجة حرارة سطحها وهي سطح الشمس 5800 درجة كلفن وفيها يتم إشعاع طاقة الشمس على شكل موجات ضوئية مرئية وغير مرئية إلى المحيط الخارجي. ويتكون الغلاف الجوي للشمس من طبقتين رئيسيتين وهما طبقة الكرة الملونة (chromosphere) بسمك ألفي كيلومتر وتصل درجة حرارتها عند حافتها العليا عشرين ألف درجة كلفن تليها طبقة الهالة (corona) والتي قد تمتد في الفضاء إلى عدة ملايين من الكيلومترات وقد تصل درجة حرارتها إلى مليوني درجة كلفن أي أعلى بكثير من درجة حرارة سطح الشمس.

بسبب الحرارة العالية التي تتعرض لها مادة الشمس والتي لا تقل عن خمسة الآف درجة كلفن عند سطحها فإنها جميع عناصرها موجودة في الحالة الرابعة من حالات المادة وهي حالة البلازما (plasma). والبلازما هي الحالة التي تنفصل فيها الإلكترونات عن الذرات تاركة ذرات موجبة الشحنة تسمى الأيونات (ions) وعندها تصبح المادة خليط من الإلكترونات الحرة سالبة الشحنة والأيونات موجبة الشحنة. ويتم تحويل المادة من الحالة الغازية إلى حالة البلازما من خلال رفع درجة حرارتها أو تعريضها لمجالات كهرومغناطيسية قوية وتزداد نسبة البلازما في غاز المادة مع رفع درجة الحرارة  أو شدة المجال الكهرومغناطيسي. يتم نقل كمية الطاقة الهائلة التي تتولد في قلب الشمس من خلال الإشعاع في الطبقة الإشعاعية ومن ثم من خلال تيارات حمل ضخمة من البلازما في طبقة الحمل تتحرك بسرعات عالية جدا نحو سطح الشمس. إن تيارات البلازما المشحونة كهربائيا تولد حولها مجالات مغناطيسية ضخمة وتقوم هذه المجالات بدورها في حصر البلازما في داخلها وتسريع حركتها لتخرج من سطح الشمس على شكل فورانات تخرج من انحاء مختلفة من سطح الشمس  بسطوع شديد أسماها العلماء بالتوهج أو الفوران الشمسي (solar flares). ويتخلل مناطق التوهج أو الفوران الشمسي مناطق هادئة تسمى البقع الشمسية (sun spots) تبدو سوداء اللون بالمقارنة بالسطح الأصفر المحيط بها وذلك لأن درجة حرارتها أقل منه. ولقد أشار القرآن الكريم لظاهرة التوهج أو الفوران التي تحدث في نار جهنم والشبيهة لما يحدث في الشمس وبقية النجوم في قوله تعالى "إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7)" الملك.

وقد يكون التوهج الشمسي من الشدة بحيث يقذف بكميات كبيرة من البلازما والإشعاعات المختلفة إلى الغلاف الجوي للشمس سميت بالشواظ الشمسية أو اللهب الشمسي (solar prominence). تتبع الشواظ مسارات المجالات المغناطيسية التي قامت بتشكيلها وهي في الغالب على شكل عرى (loop shaped) تبدأ من سطح الشمس ثم تعود إليه. وعند مراقبة الشواظ بمعدات خاصة ويكون سطح الشمس هو الخلفية فإنها تظهر على شكل حبال أو فتائل سوداء تمتد على السطح ولذا أطلق عليها العلماء الفتائل الشمسية (solar filaments). وتتراوح أطوال هذه الفتائل بين 30 ألف وما يزيد عن مائة ألف كيلومتر (the average filament length varies from about 3 × 104 to about 1.1 × 105 km) أما عرضها فيتراوح بين ألف وعشرة الاف كيلومتر. وقد تصل سرعة البلازما المقذوفة في الشواظ الشمسية إلى ألف كيلومتر في الثانية أو ثلاثة ملايين وستمائة ألف كيلومتر في الساعة  لتقطع  هذه الحبال الطويلة  في دقائق معدودة.  إن الفتائل الشمسية من أغرب الظواهر الفيزيائية حيث يتكون حبل ضخم من الفيض المغناطيسي (flux rope) طرفاه مغموسان في سطح الشمس ويمتد لعشرات الآلاف من الكيلومترات في الغلاف الشمسي على شكل قوس. ومن ثم يقوم هذا الحبل بشفط كميات هائلة من البلازما في داخله تقدر طاقتها الحركية ببليون بليون ميجا جول وتتحرك بسرعة قد تصل ألف كيلومتر في الثانية ويصبها في مكان آخر من سطح الشمس.

ومن الواضح أن العلماء يستخدمون  في أبحاثهم كلمة الحبال (ropes) في وصف هذه الظاهرة والتي أسماها القرآن الكريم الجمالة الصفر أي الحبال الصفر فقد جاء في أحد الأبحاث ما نصه (إن نموذج الثوران يؤكد أن حبل الفيض المشكل يثور بمجرد أنه يتجاوز عتبة اللاستقرار) (The eruption models agree that a formed flux rope erupts once it exceeds the instability threshold). أما عند مراقبتها عند حافة الشمس ويكون الفضاء هو الخلفية فإنها تظهر على شكل عرى (loops) أو أعمدة مقوسة (arching columns)  أو جذوع الشجر (tree trunks)  أو الأشجار والشجيرات (trees and shrubs) ويمكن مشاهدتها بالتليسكوبات عند الكسوف الكلي للشمس. وقد وصف كثير من الباحثين بعض أنواع الشواظ  او اللهب الشمسي بجذوع الأشجار ففي أحد هذه الأبحاث قال أحدهم (الشواظ العمودية التي تشبه جذوع الأشجار تم تصنيفها ANb) (Columnar prominences that resemble tree trunks are classified as ANb).  وتم وصف أنواع أخرى بالأشجار والشجيرات (الشواظ مروحية الشكل الشبيهة بالأشجار والشجيرات تم تصنيفها ANc) (Fan-shaped prominences resembling shrubs or trees are classified as ANc). 

وقد يمتد الشواظ الشمسي الفتائلي ليصل طبقة هالة الشمس وقد ينقطع الفتيل بسبب درجة الحرارة العالية  للهالة التي قد تصل إلى عدة ملايين درجة وفي حال انقطاع الفتيل فإن البلازما التي في داخله تندفع بسرعات عالية إلى الفضاء الخارجي  منتجة ما يسمى بالمقذوفات الكتلية الهالية (coronal mass ejections). وتتكون المادة المقذوفة في الغالب من بلازما الهيدروجين وهي البروتونات والإلكترونات وكميات كبيرة من الإشعاعات التي تغطي كامل الطيف الكهرومغناطيسي وخاصة الأشعة السينية وأشعة جاما. ويبلغ معدل كتلة المقذوفة الواحدة بليون طن وتندفع  بسرعات معدلها 500 كيلومتر في الثانية وقد تصل إلى 3000 كيلومتر في الثانية وتصل إلى الأرض في مدة ثلاثة أيام للسرعات المعتدلة. وعن وصول هذه المقذوفات إلى الأرض فإنها تصطدم بالغلاف المغناطيسي الأرضي منتجة موجة صدم عنيفة (shock wave). ومن لطف الله عز وجل بسكان الأرض أن الكتلة الضخمة من مادة المقذوفة المكونة من البروتونات والالكترونات المشحونة تتفاعل مع المجال المغناطيسي الأرضي فيغير مسارها باتجاه القطبين لتكمل مسارها إلى الفضاء الخارجي دون أن تصطدم بالأرض إلا قليل منها. إن هذا الجزء القليل من البروتونات والالكترونات الذي يصل للمناطق القطبية يقوم بتأيين الهواء فيها فيقوم بإشعاع طيف واسع من الضوء المرئي يطلق عليها الأضواء القطبية الأورورا (polar lights or aurorae ) والتي يمكن مشاهدتها بوضوح من المناطق المجاورة للقطبين. أما الإشعاعات الكهرومغناطيسية عديمة الشحنة فإنها تنفذ إلى الأرض لتصل إلى الغلاف الجوي الذي يقوم بامتصاص معظم الإشعاعات عالية الطاقة التي تقع فوق الأشعة البنفسجية مكونة ما يسمى بطبقة الأوزون.



 إن موجة الصدم العنيفة تنتج ما يسمى بالعاصفة المغناطيسية الأرضية ( geomagnetic storm) أو العاصفة الشمسية (solar storm) التي تعمل على تشويه المجال المغناطيسي الأرضي فتضغط (compressing) الجانب النهاري منه وتمد (expanding) الجانب الليلي. وعندما يعيد المجال المغناطيسي إلى وضعه الطبيعي فإن يطلق كمية هائلة من الطاقة تبلغ في المتوسط ألف بليون جول على شكل موجات كهرومغناطيسية.  إن العواصف المغناطيسية القوية قد تتسبب في تعطل شبكات نقل الطاقة الكهربائي وشبكات الاتصالات والأجهزة الالكترونية والأقمار الصناعية وفي سريان تيارات كهربائية عالية في أنابيب البترول والمياه المعدنية. تحصل المقذوفات الكتلية الشمسية بمعدل ثلاثة مرات في اليوم الواحد في ذروة دورة البقع الشمسية البالغة أحد عشر عاما وبمعدل مرة كل خمسة أيام عند الحضيض وتقذفها الشمس إلى الفضاء في جميع الاتجاهات. وعلى هذا فإن معدل ما يصيب الأرض من هذه المقذوفات سيكون متدنيا  ولذلك لا تتكرر العواصف الشمسية القوية على الأرض إلا مرة أو مرتين خلال الدورة الشمسية الواحدة. ومن الجدير بالذكر أن الأرض تتعرض بشكل دائم لسيل ضخم من الإشعاعات الشمسية والجسيمات المشحونة تسمى الرياح الشمسية (solar winds) ويقوم الغلاف المغناطيسي والغلاف الجوي للارض بصدها وامتصاصها لحماية سكان الأرض من أضرارها. 

         

المراجع
1-  Atkinson, Nancy (6 August 2012). "Huge Solar Filament Stretches Across the Sun". Universe Today. Retrieved 11 August 2012.
2-  Amari, T., Luciani, J.F., Mikić, Z. and Linker, J., 2000, “A Twisted Flux Rope Model for Coronal Mass Ejections and Two-Ribbon Flares”, Astrophys. J. Lett., 529, L49–L52.
3-  Aulanier, G., Török, T., Démoulin, P. and DeLuca, E.E., 2010, “Formation of Torus-Unstable Flux Ropes and Electric Currents in Erupting Sigmoids”, Astrophys. J., 708, 314–333.
4-  Jones, F. S., 1958, “Classification of Solar Prominences” Journal of the Royal Astronomical Society of Canada, Vol. 52, p.149.