2021-02-09

أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت

 

أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت

الدكتور منصور أبوشريعة العبادي \ جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية


 

        لقد إزداد اهتمام العلماء حديثا في مختلف تخصصات الأحياء والطب البيطري والطب البشري بدراسة الخصائص البيولوجية والفسيولوجية العجيبة للإبل التي مكنتها من تحمل الجوع والعطش لما يزيد عن عشرة أيام في الصحاري القاحلة ولما في ألبانها من شفاء لكثير من الأمراض. ولقد قال أحد الباحثين حول هذا الموضوع ما نصه (إن قدرة الإبل على العيش تحت الظروف الصحراوية والبقاء في البيئة الصحراوية بالغة القساوة  يعود لخصائصها البيولوجية والفسيولوجية الفريدة) ( The capacity of the dromedary to live under desert conditions and to survive in the incredibly hard environment of the Sahara is due to its biological and physiological particularities). ولقد تم إجراء كثير من الدراسات والتجارب على أجسام الإبل وكذلك تم نشر آلاف الأبحاث العلمية كشفت أسرار عجيبة في الأجهزة المختلفة لأجسام الأبل لا توجد في بقية الحيوانات الثديية. ومن هذا الأسرار التي سنشرحا لاحقا هو أن درجة حرارة جسم الجمل تتغير على مدى سبعة درجات مئوية مقابل درجتين في بقية الحيوانات. ويوجد في معدة الجمل أكياس مائية تتسع لثلاثين لتر من الماء الصافي يخزنها الجمل لحين الحاجة إليها عند شح الماء.  ووجد العلماء أن كمية الدم فيها تزيد بمرة ونصف لكل كيلوغرام من وزنها عن بقية الحيوانات وأن كريات الدم الحمراء فيها لها شكل بيضاوي بدل الشكل الكروي الموجود في بقية الثدييات. ووجدوا كذلك أن تركيز البول فيها يزيد عن تركيز ماء البحر المالح  مما يمكنها من شربه عند الحاجة وأن كمية البول المخرج بحدود لتر واحد في اليوم مقابل عشرات اللترات في الأبقار. ومن أسرار أجسام الإبل أنها قادرة على تكثيف ماء الزفير في أنوفها وأن مستوى السكر واليوريا في الدم قد يزيد بعدة أضعاف دون أن تتسمم وأن أجسامها تحتوي على أجسام مضادة نانوية لا توجد في غيرها من الحيوانات.  ولقد اكتشف الباحثون أيضا  فوائد غذائية وعلاجية فريدة في حليب الإبل وتم نشر أبحاثهم في مجلات علمية مرموقة فجاء ذلك تصديقا للأحاديث النبوية الشريفة التي أشارت لهذا الأمر.


        لقد أشار القرآن الكريم إلى وجود معجزات خلقية في أجسام الإبل ودعا البشر إلى التفكر فيها ليوقنوا بوجود خالق حكيم خبير يقف وراء خلقها القائل عز من قائل "أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ"  الغاشية. ويتضح من نص الآية أن الأمر للنظر إلى الإبل هو التفكر في كيفية خلق مكونات أجسامها وليس فقط  في شكلها الخارجي. إن هذه الدعوة للتفكر في خلق الإبل من بين كل الحيوانات لا يمكن أن تصدر إلا عن من خلقها سبحانه وتعالى وقام سبحانه بإجراء هذه التعديلات في أجهزة أجسامها لتتحمل العيش في المناطق الصحراوية القاحلة والحارة. وتعد الإبل الوسيلة الأولى لنقل الأحمال لمسافات طويلة وخاصة في المناطق الصحراوية وهي من الأنعام المستخدمة للركوب والتحميل التي ذكرت في قوله تعالى "وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)" النحل. وتعد الإبل من أكثر الأنعام فائدة للبشر حيث لا يقتصر دورها على الركوب والتحميل بل يستفاد من لحومها وألبانها وأوبارها وجلودها كما جاء في قوله تعالى "وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22)" المؤمنون وقوله تعالى "وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80)" النحل.



تنتمي الإبل أو الجمال إلى فصيلة الجمليات (Camelus) والتي تتكون من الجمال الحقيقية (true camels) وموطنها جزيرة العرب والشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأشباه الجمال وهي اللاما (llama) والألبكة (alpaca) والغوناق (guanaco) والفيكونيا (vicuña) وموطنها أمريكا الجنوبية. ويوجد ثلاثة أنواع رئيسية من الجمال الحقيقية وهي الجمل ذو السنام الواحد (one-humped dromedary) أو الجمال العربية (Arabian camels)  وتشكل أكثر من أربعة وتسعين بالمائة من الجمال والجمل ذو السنامين (two-humped Bactrian camel) والجمل البري ( Wild Bactrian camel ). والإبل من رتبة ذوات الظلف أو شفعيات الأصابع (even-toed) حيث تتكون أقدامها من إصبعين فقط وهما الثالث والرابع بينما ضمرت بقية الأصابع الخمس. وتتميز الإبل عن بقية الثدييات (mammals) بوجود السنام (hump) المكون من الشحوم الخالصة والذي يلعب دورا كبيرا في تحملها للجوع والعطش. والإبل من الحيوانات المستأنسة (domesticated) وتعد من الأنعام ( livestock) التي يستخدمها البشر وخاصة سكان المناطق الصحراوية القاحلة للركوب وحمل الأثقال وكذلك لأكل لحومها وشرب ألبانها والإستفادة من أوبارها وجلودها. ويطلق اسم الجمل وجمعها جمال أو البعير وجمعها البعران والأبعر والبعارين على ذكور الإبل واسم الناقة وجمعها نوق على إناثها بينما يطلق على صغارها أسماء متعددة حسب عمرها كالحوار والقعود وغير ذلك.  



        تتميز الإبل بتفرد شكل جسمها عن بقية أجسام الحيوانات الثديية بضخامة أجسامها وطول أرجلها وضخامة أخفافها وطول أعناقها واعوجاجها ووجود السنام لها. ويتراوح وزن الجمل بين 300 و 1000 كيلوغرام ويبلغ متوسط طولها من رأسها إلى ذيلها ثلاثة أمتار بينما يبلغ ارتفاعها عند كتفها 185 سم وعند سنامها 215 سم. وتتميز الإبل على بقية الأنعام بطول عمرها الذي يصل إلى خمسين عام بينما لا يتجاوز العشرين عام في الأبقار و15 عام في الماعز و 12 عام في الضأن أو النعاج.  وتتفوق الإبل كذلك على الخيل والبغال والحمير في سرعة مشيها وجريها لمسافات طويلة وعلى تضاريس مختلفة حيث يمكنها الركض بسرعة 40 كيلومتر في الساعة لعدة ساعات و65 كيلومتر في الساعة لفترات قصيرة.  ومما تتميز بها الإبل على حيوانات الركوب كالخيل والحمير والبغال هو سهولة إنقيادها وكذلك إناختها لوضعية الجلوس وذلك لكي يسهل ركوبها وتحميلها. ويمكن للإبل أن تحمل على ظهورها ما يزيد عن نصف وزنها حيث يتراوح وزن الحمل بين 150 و 300 كيلوغرام وذلك تبعا لوزن الجمل ولذلك أطلق عليها اسم سفن الصحراء (ships of the desert).



ويوجد في عيون الإبل ثلاثة جفون (eyelids) فالجفنان الخارجيان يرتبط كل منها برموش غليظة (eyelashes) أما الجفن الداخلي فهو شبه شفاف ويعمل على تنظيف قرنية العين من الغبار ويمكن أن يرى الجمل من خلاله. أما آذان الإبل فهي صغيرة الحجم ومليئة من داخلها بالشعر الذي يمنع دخول الرمل إلى داخلها.  وتتغذى الإبل على جميع نباتات الأرض خاصة تلك التي لا يمكن لبقية الحيوانات العشبية أكلها وهي النباتات الشوكية والنباتات المالحة. إن قدرة الإبل على أكل النباتات الشوكية تعود للخصائص الموجودة في شفاهها حيث أنها كبيرة الحجم ومبطنة بتجاعيد صلبة وتتميز بمرونة حركتها بسبب الشق الموجود في شفتها العليا. وتشرب الإبل كذلك جميع أنواع المياه بما فيها مياه البحر المالحة ومياه المستنقعات الملوثة والتي لا يمكن لأي حيوان آخر أن يقوم بشربها. وعلى الرغم من أن طعام الإبل يقتصر على النباتات الصحراوية إلا أن الأبحاث العلمية بينت أن محتويات لحومها وألبانها من العناصر الغذائية تتفوق على تلك الموجودة في الأبقار والأغنام بل إن في ألبانها شفاء لكثير من الأمراض كالسرطان والتوحد والسكري وغيرها الكثير.



إن أهم ما يميز الإبل على جميع الحيوانات الثديية والمجترة هو قدرتها على تحمل الجوع والعطش لفترات زمنية طويلة حيث يمكنها أن لا تشرب الماء لمدة أسبوعين في الأجواء الصحراوية الحارة ولا تأكل الطعام لمدة عشرة أيام. أما في الأجواء معتدلة الحرارة والمنخفضة فيمكنها العيش بدون ماء لعدة أشهر وكذلك الحال إذا كانت تتغذى على الأعشاب الخضراء الطرية. ومما يميزها كذلك هو قدرتها على شرب كميات كبيرة من الماء فالجمل العطشان يمكنه شرب مائة وخمسين لترا من الماء في أقل من خمس عشرة دقيقة يتم تخزين جزء منها في أكياس مائية في المعدة لوقت الحاجة. ولقد وجد الباحثون أن كمية إنتاج الحليب في الإبل لا تتأثر كثيرا عند حرمانها من شرب الماء لعشرة أيام بينما يقل إنتاج الحليب عند البقر والغنم بشكل كبير عند حرمانها من الماء ليومين أو ثلاثة.  إن قدرة الإبل على تحمل الجوع والعطش لفترات زمنية طويلة وكذلك قدرتها على شرب المياه المالحة وأكل النباتات المالحة تطلب إجراء عدد من التعديلات الفيسيولوجية  الجوهرية (physiological adaptations) في أجهزة أجسامها المختلفة وخاصة الأجهزة البولية والهضمية والدورية والتنفسية.



        إن التعديل الأول والأهم الذي مكن الإبل من تحمل العطش لفترات زمنية طويلة هو التركيب العجيب للكلى فهي قادرة على فلترة الدم من المخلفات الأيضية بحيث يكون تركيزها في البول أعلى من تركيز ماء البحر المالحة ولذا فهو قادر على شرب ماء البحر ولكن ليس لفترات طويلة. وبناء على هذا فإن كمية البول التي يخرجها الجمل في اليوم الواحد لا يتجاوز اللتر والنصف مقارنة بما يزيد عن عشرين لتر في الأبقار المساوية لها في الحجم. إن رفع الضغط الأسموزي للبول (osmolarity of urine) قد تم من خلال عدة تحويرات في تركيب الكلية أهما زيادة طول أنشوطة هينلي (long loop of henle) حيث يزيد طولها من أربعة إلى ستة أضعاف طولها في الأبقار (four to six times longer than in cattle).  أما التحوير الثاني فهو زيادة نسبة سمك نخاع الكلية لقشرتها ((the ratio medulla: cortex) مقارنة بكلى الحيوانات الأخرى. أما التحوير الثالث فهو قيام الهايبوثالموس (hypothalamus) عند ارتفاع أسموزية الدم (blood osmolarity) بإفراز كميات زائدة من هرمون مضاد الإدرار (Anti-diuretic hormone (ADH)) الذي يحفز الكلى على إعادة إمتصاص الماء عند تعرض الإبل للجفاف (dehydration). ويحتفظ الجمل كذلك بالبول في المثانة طالما أنه في حاجة إلى الماء حيث تقوم الأوعية الدموية في المثانة بإمتصاص البول مرة أخرى وتنقله إلى المعدة حيث تقوم بكتريا خاصة بتحويل البولينا إلى أحماض أمينية وماء. وقد وجد العلماء أن الجمال قادرة على إعادة تدوير النيتروجين بنسبة 90 بالمائة مقارنة بنسب لا تتجاوز 20 بالمائة في بقية الحيوانات وذلك لتأمين إنتاج البروتين في غياب الطعام لفترة طويلة (Camelids can recycle up to 90% of blood ureic nitrogen,).  



        أما التعديل الثاني فهو يتعلق ببعض مكونات الجهاز الهضمي وخاصة المعدة والأمعاء الغليظة وتتكون معدة الجمل من ثلاث حجرات فقط وهو على خلاف بقية الحيوانات المجترة والتي تتكون معدها من أربعة حجرات. وقد وجد العلماء أن المعدة الرئيسية أو الكرش (rumen) في الإبل تتميز عن بقية الحيوانات الثدية  بوجود عدد كبير من الأكياس المائية (water sacs) في جدارها الداخلي يحتوي كل منها على 45  خلية مائية أساسية (primary aquatic cells) مزودة بصمامات يتم فتحها عند الحاجة. وتحتل الأكياس المائية ما يقرب من خمسة بالمائة من مساحة سطح المعدة ويوجد فيها ما يقرب من ألف خلية مائية تتسع لثلاثين لتر من ماء صافي ونقي غير ممزوج بالطعام (full  of  a  clear  and  pure  water  away  from  mixing  with  the  food.). ولتوفير استهلاك الماء في الإبل تم زيادة طول الأمعاء الغليظة بشكل كبير وذلك لكي تمتص أكبر كمية ممكنة من الماء لدرجة أن بعر الإبل يخرج على شكل كرات جافة يستخدمها البدو للوقود مباشرة دون تجفيفها.



        أما التعديل الثالث فقد تم على بعض مكونات الجهاز الدوري كي يتمكن من ضمان عمل أجهزة الجسم المختلفة في حالة الجفاف الحادة (dehydration) التي يتعرض لها جسم الجمل بعد فقده لما يقرب من ثلاثين بالمائة من وزنه. ومن هذه التعديلات هو أن كريات الدم الحمراء لها شكل بيضاوي (oval shape) في الإبل بينما لها شكل كروي في بقية الحيوانات الثديية ولهذا الشكل البيضاوي عدة ميزات على الشكل الكروي. فمن هذه الميزات أن الشكل البيضاوي يسمح بحركة الكريات الحمراء بسهولة في الأوعية الدموية عند تضيقها بسبب الجفاف وزيادة لزوجة الدم. أما الميزة الثانية فإن كرية الدم بشكلها البيضاوي يمكنها أن تتمدد ليصبح حجمها 250 بالمائة من حجمها الطبيعي مقارنة بحجم كرية الدم الدائرية الموجودة في بقية الحيوانات والتي لا يمكنها أن تتمدد لأكثر من 150 بالمائة. إن هذا الخاصية العجيبة لكريات الدم الحمراء في الإبل هي التي تمكنها من شرب أكثر من مائة لتر من الماء في أقل من ربع ساعة والذي يتم تخزين جزء كبير منه في مكونات الدم بما فيها كريات الدم الحمراء. ويساعد الشكل البيضاوي لكريات الدم على زيادة عددها في الدم دون إعاقة حركتها حيث وجد أن الإبل تمتلك أعلى نسبة كريات دم حمراء في الدم من بين جميع الحيوانات. ولزيادة كمية الماء في جسم الجمل فقد تم زيادة حجم الدم في الجهاز الدوري حيث تبلغ نسبته  93 ملليلتر لكل كيلوغرام من وزنه  وهي أعلى نسبة بين جميع الحيوانات الثديية حيث تبلغ في البقر 55 وفي الغنم 60 وفي الخيل 76 ملليلتر لكل كيلوغرام.  ولخفض معدل التبول عند الإبل في غياب الماء فقد وجد العلماء أن تركيز السكر واليوريا في الدم يمكن أن يرتفع إلى عدة أضعاف معدله الطبيعي دون أن تصاب بالتسمم وهذا لا يوجد في أي حيوان آخر.



        أما التعديل الرابع وهو من أغرب التعديلات فهو أن درجة حرارة جسم الجمل تتغير بشكل مستمر حيث تبدأ عند 34 درجة مئوية في الصباح وترتفع تدريجيا لتصبح 41 درجة مئوية عند غروب الشمس أي بفارق سبعة درجات مئوية. وهذه الظاهرة لا توجد في بقية الحيوانات ذوات الدم الحار (warm blooded) حيث أن الفارق بين أعلى درجة وأقل درجة حرارة لأجسامها لا يزيد عن درجتين مئويتين حول درجات حرارتها المتوسطة وأي زيادة عن هذا الحد يؤدي بها إلى الموت. إن هذا المدى الواسع لتغير درجة حرارة جسم الجمل يساعد على منع التعرق وذلك للحفاظ على الماء في الجسم وقد وجد أن الجمل لا يتعرق إلا إذا زادت درجة الحرارة عن 42 درجة مئوية. وبما أن أدمغة الحيوانات تحتاج لدرجة حرارة ثابتة لعملها فإن هذا التفاوت الكبير في درجة حرارة جسم الجمل سيسبب مشاكل لدماغه ولكن كان الحل من اللطيف الخبير سبحانه وتعالى أن هناك نظام تحكم معقد يعمل على ضبط درجة حرارة الدماغ ضمن الحدود المسموح بها. ومن هذه الآليات وجود شبكة تبادل حراري (rete mirabile) في دماغ الجمل تتكون من شبكات كثيفة من الأوعية الدموية الشريانية والوريدية المتجاورة حيث يقوم الدم البارد في الأوردة بامتصاص الحرارة من دم الشرايين الحار الذاهب للدماغ.



ويستخدم الجمل كذلك آليات أخرى للحفاظ على درجة الحرارة المناسبة لجسمه ومنها أن جسمه معزول بطبقتين من الوبر الداخلية منهما شعرها قصير وناعم بينما الخارجية طويل وخشن ويميل لون الوبر إلى الأبيض ليعكس أشعة الشمس وتقليل الحرارة اتي يمتصها جسم الجمل. أما الآلية الثانية فهي أن الجمل يتتبع الشمس باستمرار بحيث يكون رأسه متجه نحو الشمس عند جلوسه ورعيه وهذا يقلل من كمية الحرارة التي تسقط على جسمه. وبسبب أرجله الطويلة فإن جسمه يبقى بعيدا عن سطح الأرض التي قد تصل لسبعين درجة مئوية في الصحراء أثناء النهار وحتى عند بروكه (جلوسه) فإن جسمه يبقى مرفوعا عن الأرض بسبب وجود وسادة قرنية سميكة كبيرة تحت صدره (pedestal) تسمح بمرور الهواء من تحت جسمه لتبريده. وعند إشتداد الحرارة بشكل كبير تقوم منطقة في مؤخرة رأس الجمل بفرز سائل ملحي يعمل عند تبخره بتبريد دماغ الجمل وذلك بديلا للعرق وذلك لتوفير الماء.



أما التعديل الخامس فهو في الجهاز التنفسي حيث وجد أن أنف الجمل الطويل يحتوي على تعرجات كثيرة وذلك لزيادة السطح الداخلي للتجويف الأنفي الذي يصل إلى ألف سنتيمتر مربع وهي أكبر بكثير من تلك التي لبقية الحيوانات. وقد تمكن العلماء من كشف سر هذه الزيادة في المساحة وهو أنه يستخدم لتكثيف بخار الماء الموجود في هواء الزفير وإعادته إلى الجسم وهو ما أطلق عليها ظاهرة الهايجروسكوبك (A camel’s hygroscopic surface will absorb water from air that passes by it). ويستخدم السطح الكبير للتجويف الأنفي أيضا لتبريد الدم الحار في الشرايين الذاهبة إلى الدماغ حيث تم تمديد بعض أوردة الدماغ خلف هذه السطح لتبريد الدم فيها والتي تقوم بدورها بتبريد دم شرايين الدماغ من خلال شبكة تبادل حراري بين الشرايين والأوردة. وعندما يتعرض الجمل للجفاف فإن معدل التنفس ينخفض عن معدله الطبيعي لتقليل كمية الماء المفقود في بخار الزفير. ومما يميز أنف الجمل على بقية أنوف الحيوانات هو أنه يتم غلقه بين كل لشهيق وزفير مما يحول دون دخول رمال الصحراء إلى الرئتين بكميات كبيرة. 


 

        أما التعديل السادس في الإبل فهو وجود السنام (hump) في منتصف ظهورها وهو كتلة من الشحم التي قد يصل وزنها إلى 40 كيلوغرام ويقوم بإمدادها بالغذاء والطاقة وحتى الماء في غياب توفر الطعام الذي قد يمتد لعشرة أيام أو أكثر.   إن تركز شحوم الإبل في السنام  بدلا من أن تكون موزعة على جميع سطح الجسم يسهل من عملية  إشعاع حرارة الجسم إلى الخارج حيث أن الشحوم مادة عازلة للحرارة. وعندما يتم حرق شحم السنام كبديل عن الطعام فإنه ينتج سكر الجلوكوز الذي يمد الجسم بالطاقة وينتج كذلك الماء الذي يعوض نقص الماء في الجسم حيث أن حرق كيلوغرام واحد من الشحم ينتج كيلوغرام ونيف من الماء. والسنام يعطي كذلك منظرا جماليا للإبل ويسهل كذلك من وضع الأحمال والأوثار والهوادج عليها. وعندما يتم استهلاك شحم السنام فإنه يبدأ بالتهدل ويميل على أحد جانبيه إلا أنه سرعان ما يعود لوضعه القائم بعد تغذية الإبل لفترات زمنية قصيرة.  

        أما التعديل السابع فهو في الجهاز المناعي للإبل التي قد تتعرض لهزال شديد نتيجة لقلة الطعام والماء لأشهر عديدة وبالتالي تكون فريسة لمختلف أنواع الفيروسات والمايكروبات الممرضة. ففي عام 1989م تمكن طالبا دراسات عليا في جامعة بلجيكية من إكتشاف نوع نادر من الأجسام المضادة لا يوجد إلا في أجسام الإبل وكذلك حيوانات العائلة الجملية أطلق عليها الأجسام المضادة الجملية (Camelid antibodies). وتتكون الأجسام المضادة العادية الموجودة في الإنسان وبقية الحيوانات من سلسلتين ثقيلتين (heavy chain) ترتبطان على شكل الشعبة أو حرف الواي بالانجليزية ومن سلسلتين خفيفتين (light chain) ترتبطان بحافتي الشعبة. أما الأجسام المضادة الجملية فتتكون من سلسلتين ثقيلتين فقط ويبلغ حجمها عشر حجم الأجسام المضادة العادية ولذا يطلق عليها أيضا اسم الأجسام النانوية (nanobodies). وتتميز الأجسام المضادة الجملية نتيجة لصغر حجمها بقدرتها للنفاذ إلى داخل خلايا وأنسجة الجسم بكل سهولة (penetration rate) وثباتها الحراري العالي (high thermostability) وقصر عمرها وغيرها من الخصائص المميزة التي أحدثت وستحدث ثورة في طرق علاج وتشخيص الأمراض المختلفة.             

 

المراجع

1-   Mulu Gebreselassie Gebreyohanes and Awol Mohammed Assen “Adaptation Mechanisms of Camels (Camelus dromedarius) for Desert Environment: A Review” Journal of Veterinary Science & Technology, November 06, 2017.

2-  Gamal Allouch “Anatomical Study of the Water Cells Area in the Dromedary Camels Rumen (Camelus dromedarius)" Nova Journal of Medical and Biological Sciences, March 2016.

3-   A.O.Elkhawad “Selective brain cooling in desert animals: The camel (Camelus dromedarius)” Comparative Biochemistry and Physiology Part A: Physiology, Volume 101, Issue 2, 1992, Pages 195-201.

4-  Bornstein, S. (1990). The ship of the desert. The dromedary camel (Camelus dromedarius), a domesti- cated animal species well adapted to extreme conditions of aridness and heat camelus spp origins of the camelidae. Rangifer 10, 231–236.

5-   Hoter, A., e t l Cellular and Molecular Adaptation of Arabian Camel to Heat Stress” Frontiers in Genetics, 2019.

6-  Souilem Ouajd  “Physiological Particularities of Dromedary (Camelus dromedarius) and Experimental Implications” Scand. J. Lab. Anim. Sci. 2009 Vol. 36 No. 1 .

7-   Schmidt-Nielsen K, EC Crawford & HT Hammel: Respiratory water loss in camels. Proceedings of the Royal Society of London B Biological Sciences, 1981, 211, 291-304.

8-   Yadav AK, Kumar R, Priyadarshini L, Singh J (2015) Composition and medicinal properties of camel milk: A Review. Asian Journal of Dairy and Food Research 34: 83-91.

9-  Levy A, Steiner L, Yagil R (2013) Camel milk: disease control and dietary laws. Journal of Health Science 1: 48-53.

10-              Shabo Y, Yagil R (2005) Etiology of autism and camel milk as therapy. International Journal on Disability and Human Development 4: 67-70.

11-              Agrawal R, Beniwal R, Kochar D, Tuteja F, Ghorui S, et al. (2005) Camel milk as an adjunct to insulin therapy improves long-term glycemic control and reduction in doses of insulin in patients with type-1 diabetes: a 1 year randomized controlled trial. Diabetes Res Clin Pract 68: 176-177.

12-              Wernery U (2007) Camel milk-new observations. Proceeding of International Camel Conference, 200-204.

13-              el Agamy EI, Ruppanner R, Ismail A, Champagne CP, Assaf R (1992) Antibacterial and antiviral activity of camel milk protective proteins. J Dairy Res 59: 169-175.

 

2021-01-30

موت الخلايا المبرمج

 

موت الخلايا المبرمج

(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ )

الدكتور منصور أبوشريعة العبادي \ جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية


 

لقد كان الاعتقاد السائد حتى الربع الأخير من القرن العشرين أن خلايا الكائنات الحية تموت نتيجة لوصولها إلى مرحلة الهرم وهو عدم قدرة مكوناتها القيام بالوظائف الحيوية التي تبقيها على قيد الحياة فتشيخ ثم تموت. وقد تموت كذلك نتيجة لتعطل مكوناتها من قبل مؤثرات خارجية كتعرضها لنقص الغذاء والأوكسجين أو تراكم الفضلات والسموم فيها أو قتلها من قبل الميكروبات والفايروسات أو تعرضها للحرارة والبرودة والإشعاعات الضارة والجروح. وفي عام 1972م اكتشف عالم الأحياء الاسترالي جون كير (John Kerr) وفريقه البحثي  أن معظم الخلايا التي تموت في جسم الكائن الحي تموت بطريقة مبرمجة ومنظمة بعد عمر محدد أو عند تعرضها للخطر. ووجد العلماء كذلك بعد دراستهم لهذه الظاهرة العجيبة أن الجسم يتخلص من الخلايا الميتة بمنتهى الدقة والحرص وبطريقة مبرمجة يحكمها عدد كبير من الجينات في الشريط الوراثي وذلك لكي لا تحدث الإلتهابات في الخلايا والأنسجة المجاورة. ولقد أطلق العلماء اسم موت الخلية المبرمج (Apoptosis or programmed cell death) أو انتحار الخلية (cell suicide) على هذا النوع من موت الخلايا بينما أطلقوا اسم الموت غير المبرمج للخلية (non-programmed cell death or necrosis) على موت الخلايا نتيجة القتل المباشر من المؤثرات الخارجية. ولقد اكتشف العلماء لاحقا أن الموت المبرمج للخلايا يستخدم كآلية للحفاظ على عدد ثابت للخلايا في أنسجة الجسم المختلفة (homeostatic mechanism) وكذلك كآلية دفاعية (defense mechanism) لقتل الخلايا السرطانية والخلايا التي تتعرض مكوناتها للعطب من قبل المؤثرات المختلفة.




إن عملية قتل الخلايا لنفسها بطريقة مبرمجة بعد انتهاء المدة المقدرة لبقائها وقبل أن تصل لمرحلة الهرم من عجائب صنع الله عز وجل حيث أن ترك الخلايا حتى تهرم ثم تموت يترتب عليه تدهور عمل معظم أجهزة الجسم في أول عمرها. ولقد تأكد للعلماء أن الموت المبرمج للخلايا في معظم الكائنات عملية أساسية لا يمكن للكائنات بدونها أن تخلق من نطفها بشكل سليم ولا أن تدوم حياتها إلى فترات زمنية طويلة. فعلى سبيل المثال فإنه يموت من مختلف أنواع خلايا جسم الإنسان في اليوم الواحد ما معدله ستين بليون خلية من أصل مائة ألف بليون خلية وفي غياب آلية موت الخلايا المبرمج فإن موت هذا العدد الضخم من الخلايا في الجسم بالطريقة الاعتيادية سيتسبب في التهاب وتعفن معظم أنسجة الجسم نتيجة لتراكم مكونات الخلايا الميتة فيها.  ولقد أشار القرآن الكريم قبل أربعة عشر قرنا إلى وجود معجزات باهرات في تركيب أجسام البشر وحثهم على التفكر فيها ليوقنوا بأن خالقا لا حدود لعلمه وإبداعه يقف وراء خلقها فقال عز من قائل "وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)" الذاريات والقائل سبحانه "وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4)" الجاثية. ولقد  تنبأ القرآن الكريم كذلك بأن البشر سيتمكنوا في المستقبل من كشف معظم أسرار مكونات هذا الكون بما فيها تركيب أجسامهم وسيوقن العقلاء والمنصفون منهم بأن هذه المخلوقات لا يمكن أن تكون قد خلقت بالصدفة بل من قبل خبير عليم سبحانه وتعالى القائل "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)" فصلت.



يقدر عدد الخلايا في جسم الإنسان البالغ في المتوسط مائة ألف بليون خلية وهي على أنواع مختلفة وموزعة بنسب متفاوتة في أجهزة الجسم. ويوجد في الجسم ما يزيد عن مائتي نوع من الخلايا المتخصصة التي تقوم بوظائف مختلفة كالخلايا العصبية والعضلية والعظمية والجلدية والغدية والتكاثرية والضوئية والشمية والذوقية والحسية وخلايا الدم الحمراء والبيضاء وخلايا الأنسجة الطلائية والدهنية وخلايا الأيض والتخزين. وتتفاوت الخلايا المختلفة تفاوتا كبيرا في أطوال أعمارها فالخلايا المبطنة للقناة الهضمية لا يتجاوز عمرها عدة آيام  بينما تعيش خلايا الحيوانات المنوية لمدة ثلاثة أيام وخلايا الجلد لمدة أسبوعين وخلايا الدم الحمراء لمدة ثلاث أشهر وخلايا العظم والعضلات لعشر سنوات بينما تعيش الخلايا العصبية إلى مدى حياة الإنسان ولا يتم تعويض ما يموت منها أبدا. ويموت من مختلف أنواع خلايا جسم الإنسان في اليوم الواحد ما معدله ستين بليون خلية أي سبعمائة ألف خلية في الثانية الواحدة. ويتم تعويض الخلايا الميتة بخلايا جديدة بنفس العدد تقريبا ليحافض الجسم على عدد ثابت لعدد خلاياه وذلك من خلال عملية إنقسام الخلايا. وتمر الخلية الحية أثناء حياتها فيما يسمى بدورة الخلية (Cell cycle) وهي الفترة ما بين دورتين متتاليتين من الانقسام. فعندما تنقسم خلية قديمة إلى خليتتين جديدتين فإن كل منها تبدأ بالنمو وكذلك التخصص حتى تصل إلى حجم معين وبعدها إما أن تبقى على حالها قائمة بوظائفها إلى أن تموت ودون أن تنقسم  وهو ما يسمى بطور الراحة (resting phase) كما هو الحال مع الخلايا العصبية وخلايا العضلات الهيكلية وكريات الدم الحمراء. أما بقية أنواع الخلايا فإن الخلية تمر أولا بطور الراحة ثم طور الإنقسام  الذي يتم بعد مرور عمر محدد وذلك حسب نوعها. 





وإلى جانب قتل الخلايا لنفسها عند إنتهاء أجلها فإن الموت المبرمج يستخدم للتخلص من الخلايا التي يصيبها أي عطب أو خلل في أي مكون من مكوناتها المختلفة. إن أكثر الأعطاب التي تصيب الخلية هو الأخطاء التي قد تحصل في الشريط الوراثي عند نسخه لإنتاج شريطيين جديدين (DNA replication or duplication) لوضعهما في الخليتين الجديدتين الناتجتين عن انقسام الخلية الأم. إن طول الشريط الوراثي للإنسان يبلغ ثلاثة آلاف مليون حرف ويتم نسخه بسرعة 50 حرف في الثانية في مدة لا تتجاوز  نصف ساعة حيث تتم عملية النسخ بشكل متواز لجميع الكروموسومات وكذلك في عدد كبير من المواضع أو ما يسمى بفقاعات النسخ (replication bubbles). إن معدل الخطأ الحاصل في نسخ الأشرطة الوراثية في خلايا الإنسان قد يصل إلى خطأ واحد في كل ألف حرف وهو معدل عال جدا يستحيل معه عيش الكائن الحي أو إنتاج أي كائن حي. ولكن من لطف الله عز وجل بمخلوقاته فقد أوجد سبحانه نظام لتصحيح الأخطاء (proof reading) الحاصلة في الشريط الوراثي أثناء نسخه حيث تقوم مجموعة من الأنزيمات بالبحث عن الأخطاء الناتجة ومن ثم تقوم بتصحيحها. وقد وجد العلماء أن معدل الخطأ بعد التصحيح ينخفض إلى خطأ واحد لكل مليون حرف وهذا يعني أن في كل مليون خلية جديدة يحتمل وجود خلية واحدة يوجد خلل في شريطها الوراثي وهي التي تقوم بعملية الانتحار المبرمج لكي لا تتحول إلى خلية سرطانية.

أما العطب الثاني الذي يجعل الخلية تقدم على الانتحار فهو نقصان طول التيلوميرز (Telomeres) عن حد معين وهو سلسلة طويلة ترتبط بطرفي كل كروموسوم من الشريط الوراثي مكون من شيفرة مكررة يعتمد تركيبها على نوع الكائن الحي وهي في الإنسان (TTAGGG).  ويقوم إنزيم خاص وهو التيلوميريز (telomerase) بإضافة هذه السلسلة بعد الإنتهاء من نسخ الكروموسوم وذلك لحماية المعلومات الوراثية في الكروموسومات من الضرر حيث أن الشريط الوراثي أكثر ما يتعرض للخراب عند أطرافه. وقد وجد أن سلسلة التيلوميرز يقل طولها بمقدار معين بعد كل إنقسام للخلية مما يعني أنه بعد عدد محدد من الإنقسامات يسمى حد هيفلك  (Hayflick Limit) تختفي سلسلة الحماية هذه وتبدأ المعلومات الوراثية الموجودة في نهاية الشريط بالتعرض للخراب مما يؤدي إما إلى موت الخلية أو تحولها إلى خلية سرطانية. وقد تبين أن طول سلسلة التيلوميرز يلعب دورا رئيسيا في تحديد أعمار الخلايا وبالتالي أعمار الكائنات الحية حيث أن توقف الخلايا عن الانقسام بشكل صحيح  في أجهزة الجسم يؤدي إلى  توقف هذه الأجهزة عن القيام بوظائفها وبالتالي موت الكائن الحي. أما الخلل الثالث فهو فشل البروتينات التي يتم إنتاجها في مصانع البروتينات أو الرايبوسومات (ribosomes) في الالتفاف حول نفسها بالشكل المطلوب (Unfolded Protein) فتنتج بروتينات عديمة النفع وضارة وعندما تكتشف الخلية ذلك من خلال بروتينات  (unfolded protein response) فإنها تقدم على الانتحار. ويوجد أنواع أخرى من الخلل التي قد تصيب مكونات الخلية سواء أثناء عملية الانقسام أو بعدها وجميعها يتم كشفها من قبل مكونات خاصة بذلك في داخل الخلية فتعطي الأوامر للخلية بالإقدام على عملية الانتحار بطريقة مبرمجة.



إن الخلايا الحية لا تقدم على الانتحار المبرمج منذ بداية تعرضها للمؤثرات الخارجية كنقص الغذاء والأوكسجين أو تراكم الفضلات والسموم فيها أو قتلها من قبل الميكروبات والفايروسات أو تعرضها للحرارة والبرودة والإشعاعات الضارة والجروح. إن بعض المشاكل التي تواجهها الخلايا كنقص الغذاء والأوكسجين أو زيادة الجذور الحرة (free radicals) أو ما يسمى الضغط التأكسدي (Oxidative stress ) يمكن التغلب عليها بمساعدة أجهزة الجسم المختلفة . فمثل هذه الخلايا المصابة تقوم بإرسال نداء استغاثة للنجاة (Cell survival signaling) إلى مكوناتها أو إلى أجهزة الجسم من خلال مستقبل خاص بذلك (receptor protein-tyrosine kinases) موجود على سطح الخلية. ويتم معالجة المشكلة من خلال مسار خاص (PI 3-kinase pathway of cell survival) حيث تتحد بروتينات خاصة تسمى معاملات النجاة (Survival factors) بالمستقبل فتثير سلسلة من التفاعلات داخل الخلية تحدد نوع المشكلة ومن ثم إنتاج البروتينات التي يمكن أن تعالج هذه المشكلة بمساعدة مكونات الخلية نفسها أو من خارج الخلية. ولطالما أن مسار نجاة الخلية في طور التفعيل والعمل فإنه يعمل على كبح مسار الموت المبرمج من العمل وإذا ما فشلت محاولة الخلية للنجاة فإنه يتم التحول إلى مسار انتحار الخلية.




يتم تنفيذ الموت المبرمج للخلايا من خلال مسارين (pathways) أحدهما المسار الداخلي أو مسار الميتوكندريا (intrinsic or  mitochondrial pathway)  حيث يصدر أمر الانتحار للخلية من داخلها. أما المسار الآخر فهو  المسار الخارجي (extrinsic pathway) أو مسار مستقبلات الموت(death receptor pathway)  ويأتي الأمر فيه من خارج الخلية. ويرجح العلماء وجود مسار ثالث لانتحار الخلية ويسمى مسار الجرانزيم (granzyme B pathway) وفيه تعطي الخلايا التائية (T-cell mediated) في النظام المناعي أمر الإنتحار للخلية. وتشترك المسارات الثلاثة في المرحلة الأخيرة من عملية الانتحار وهو مسار الإعدام (execution pathway). ويتكون كل مسار من هذه المسارات من سلسلة طويلة من العمليات الحيوية الجزيئية المعقدة  يقوم بها عدد كبير من المستقبلات والانزيمات والمثيرات والهرمونات والتي يحكم عملها برامج مخزنة في جينات خاصة في الشريط الوراثي تسمى جينات القتل والتغليف (killing and engulfment genes).



يثار المسار الداخلي من قبل مثيرات غير مستقبلة (non-receptor-mediated stimuli ) متعددة صادرة من داخل الخلية نتيجة لتعرض بعض مكوناتها لأعطاب مختلفة نتيجة لمؤثرات مدمرة مختلفة كالاشعاعات والسموم والفيروسات وغيرها. وتعمل هذه المثيرات على فتح مسامات في الغشاء الداخلي للميتوكندريا (inner mitochondrial membrane) وكذلك تعطيل الجهد الغشائي للمتيوكندريا (mitochondrial transmembrane potential). ويؤدي تعطل عمل غشاء الميتوكندريا إلى إطلاق مجموعة من البروتينات تسمى بروتينات ما قبل الانتحار (pro-apoptotic proteins) إلى السيتوبلازم والتي تثير ما يسمى بمسار الميتوكندريا المعتمد على الكاسبيس(the caspase-dependent mitochondrial pathway). ويتم في هذا المسار توليد سلسلة طويلة من البروتينات التي تتفاعل مع بعضها البعض لتنفيذ مهام محددة في مختلف مكونات الخلية وذلك لإعداد لعملية قتل الخلية التي تتم من خلال مسار الإعدام. أما في المسار الخارجي فإنه يوجد على سطح الخلية الخارجي أربعة أنواع من مستقبلات الموت (death receptors) والتي عندما تثار من قبل  النظام المناعي تعطي الأمر للخلية بالانتحار وهي مستقبلات فاس (FAS receptors) ومستقبلات (p55 tumor necrosis factor receptors) ومستقبلات تي أن أف (TNF receptors). ويتم نقل إشارة الموت (death signal) من هذه المستقبلات إلى مسارات التأشير في داخل الخلية (intracellular signaling pathways). وفي مسارات التأشير يتم إنتاج سلسلة من البروتينات التي تقوم بمهمات مختلفة تؤدي في النهاية إلى إثارة مسار الإعدام.



إن عملية إعدام الخلية تتم بمنتهي الدقة  من خلال مسار الإعدام (execution pathway) وذلك لكي لا تتأذي الخلايا المجاورة ويتم التخلص من الخلية الميتة بآليات بالغة الاتقان. ولا تحدث عملية الإعدام  أي تفاعل التهابي (inflammatory reaction) في الأنسجة المحيطة حيث أن عملية قتل الخلية والتخلص من جثتها تتم بدون تسرب أي من مكوناتها للنسيج ما بين الخلوي (interstitial tissue). إن أول ما تقوم به البروتينات الخاصة بإعدام الخلية هو تعطيل الشريط الوراثي بالكامل (degrades the DNA) لأنه العقل المدبر للخلية ومن ثم تحطيم أو تفتيت الميتوكندريا (محطات الطاقة) (breaks down the mitochondria) وكذلك بقية مكونات الخلية. وعند تحطيم مكونات الخلية الساسية تبدأ الخلية بالانكماش (shrink  the cell) مع خروج بروزات في الغشاء الخلوي (membrane blebbing) تحتوي على مكونات الخلية المحطمة والتي تبدأ بالانفصال عن الخلية لتخرج على شكل قطع صغيرة أنيقة مغلفة بالأغشية (small, neat, membrane-wrapped, fragments). وأخيرا تقوم الخلايا الملتهمة (phagocytic cells) التابعة للجهاز المناعي بالتهام هذه القطع وإفراز أنزيمات السايتوكينز (cytokines) في مكان انتحار الخلية لمنع تكون الالتهابات فيها (inhibit inflammation).