2023-10-29

علماء الإسلام وقوة الجاذبية وقوانين الحركة

 

علماء الإسلام  وقوة الجاذبية وقوانين الحركة

الدكتور منصور أبوشريعة العبادي / جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية

لكي يتمكن البشر من إدراك مدى الإعجاز الموجود في مخلوقات الله عز وجل فقد اقتضت حكمته سبحانه أن يخلقها وفق أسس علمية واضحة وقوانين ثابتة وعلى فترات زمنية محددة على الرغم من أن الله  قادر على خلقها من العدم في لحظة واحدة. فعندما أراد الله عز وجل أن يخلق السموات والأرض من العدم قام سبحانه أولا بخلق مادتها الأولية وهي الجسيمات الأولية على شكل سحابة من الدخان الذي ملأ الفضاء الكوني ثم خيرهما سبحانه بين أن يتكونا طوعا أو كرها فاختارتا الطريقة الطوعية في إشارة إلى أن خلقهما سيتم وفق قوانين فيزيائية أودعها الله مادة هذا الكون مصداقا لقوله تعالى (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12)) فصلت. وما ينطبق على السموات والأرض من قبول خلقهما بطريقة طوعية  ينطبق على كل ما خلق الله عز وجل من مخلوقات في هذا الكون بما فيها الكائنات الحية. ويجب أن لا يفهم بأي شكل من الأشكال أن قبول الكون لأن يتكون بطريقة طوعية وليست قسرية أن خلقه قد تم كيفما اتفق بل إن الله عز وجل قد قام بتصميم كل شيء فيه بحيث يكون شكله في كل لحظة زمنية على الصورة التي أرادها الله له مصداقا لقوله تعالى "قال ربّنا الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثمّ هدى" طه. فقد أكد القرآن الكريم على أن هذه المخلوقات قد تم خلقها وفق تقدير بالغ كما في قوله تعالى "وخلق كلّ شيء فقدّره تقديرا" الفرقان  وقوله تعالى "إنّا كلّ شيء خلقناه بقدر" القمر  وقوله تعالى "وكلّ شيء عنده بمقدار" الرعد  وقوله تعالى "الذي أحسن كلّ شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين" السجدة 7، وقوله تعالى "صنع الله الذي أتقن كلّ شيء" النمل 88. إن الحكمة التي أرادها الله من وراء اختياره لهذه الطريقة في الخلق هي لكي يدرك البشر مدى علم وقدرة من قام بتصنيع هذه المخلوقات  إذا ما تمكنوا من كشف الأسرار العلمية المتعلقة بعملية تصنيعها. ولتحقيق هذا الهدف نجد أن القرآن الكريم يزخر بالأيات القرآنية التي تحث البشر على التفكير فيما خلق الله من مخلوقات لعل ذلك يقودهم لكشف أسرار خلقها وبالتالي يعترفون بوجود صانع لا حدود لعلمه وقدرته يقف وراء تصنيعها. وممّا يؤكد صدق هذا القرآن وأنه منزل من لدن عليم خبير، هو تأكيده المتكرر على وجود أسرار وألغاز في تركيب هذه المخلوقات وتأكيده على أن البشر سيتمكنون في المستقبل من كشف هذه الأسرار ومعرفة أوجه إعجازها وذلك في قوله تعالى "سنريهم ءاياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتّى يتبيّن لهم أنّه الحقّ أولم يكف بربّك أنّه على كلّ شيء شهيد" فصلت 53، وفي قوله سبحانه "وقل الحمد لله سيريكم ءاياته فتعرفونها وما ربّك بغافل عمّا تعملون" النمل 93. فصيغة المستقبل الواردة في كلمتي سنريهم وسيريكم في هاتين الآيتين، تشير بشكل واضح إلى أن أوجه الإعجاز الموجودة في مخلوقات الله  ستتجلى للبشر في المستقبل رغم أن هذه المخلوقات موجودة منذ أن خلق الله هذا الكون.

لقد تمكن علماء الفيزياء من اكتشاف القوى الطبيعية الأربع التي تحكم عمل جميع المكونات المادية للكون  وهي قوة الجاذبية (gravity force) والقوة الكهربائية (electric force) والقوة النووية القوية (strong nuclear force) والقوة النووية الضعيفة (weak nuclear force).  فقوة الجاذبية هي قوة تجاذب بعيدة المدى بين الأجسام ذات الكتلة وهي المسؤولة عن تشكل جميع أجرام الكون من مجرات ونجوم وكواكب وكويكبات من ذرات العناصر الطبيعية وخاصة الهيدروجين والهيليوم. أما القوة الكهرومغناطيسية فهي قوة تجاذب أو تنافر بعيدة المدى بين الجسيمات المشحونة وهي المسؤولة عن تكون ذرات العناصر من الإلكترونات والبروتونات والنيوترونات من خلال دوران الإلكترونات سالبة الشحنة في مدارات محددة حول النواة المكونة من بروتونات موجبة الشجنة ونيوترونات عديمة الشحنة. وأما القوة النووية القوية فهي قوة تجاذب شديدة وقصيرة المدى تعمل على ربط البروتونات والنيوترونات ببعضها البعض  داخل نواة الذرة رغم وجود قوة التنافر الكهربائية بين البروتونات. وأما القوة النووية الضعيفة فهي قوة قصيرة المدى تعمل على تحلل بعض الجسيمات وتحولها من نوع إلى نوع آخر كتحول النيوترون إلى بروتون أو العكس وبالتالي تحول بعض العناصر الطبيعية إلى بعضها البعض تحت ظروف محددة كما يجري من تحولات نووية داخل النجوم. وتمكن علماء الفيزياء الفلكية من كشف الحقب (epoch) التي تم خلالها تحول سحابة الدخان المكونة من الجسيمات الأولية الناتجة عن الانفجار الكوني العظيم تحت تأثير هذه القوى الأربع إلى هذا الكون البديع المكون. لقد تمت ستة من هذه الحقب في الثانية الأولى من عمر الكون  حيث بدأت بحقبة بلانك (Planck Epoch) وهي لحظة حدوث انفجار كوني عظيم (Big Bang) لما يسمى بالبيضة الكونية (cosmic egg) التي كانت تحتوي على جميع مادة وطاقة هذا الكون. لقد كان الكون عند ساعة الصفر على شكل نقطة مادية غاية في الصغر (gravitational singularity)  لها درجة حرارة وكثافة غاية في الكبر ولا يعرف العلماء على وجه التحديد ماهية المادة الأولية التي انبثق منها هذا الكون ولا من أين جاءت ولماذا اختارت هذا الوقت بالتحديد لكي تنفجر ولا يعرفون كذلك أيّ شيء عن حالة الكون قبل الانفجار وصدق الله العظيم القائل "مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا" الكهف 51. ويغلب على ظن العلماء أن مادة الكون كانت عند بداية الانفجار مادة صرفة ذات طبيعة واحدة وتحكمها قوة طبيعية واحدة بدأت بالتمدد بشكل رهيب وبسرعات غاية في الكبر نتيجة لهذا الانفجار لتملأ الفضاء من حولها بسحابة من المادة الصرفة العالية الحرارة والكثافة أو سحابة من الدخان حسب تسمية القرآن الكريم.  وفي حقبة التوحد الكبير(Grand Unification Epoch)  انفصلت قوة الجاذبية عن بقية قوى الطبيعة الأساسية الأربع  وبدأ تشكل بعض الجسيمات الأولية (elementary particles) وضديداتها (antiparticles) تلتها حقبة  الانتفاخ (Inflationary Epoch) حيث انفصلت القوة النووية القوية وبدأ الكون بالتمدد بشكل أسي وليس خطي ليظهر ما يسمى بالكون المنتفخ (inflated universe). وفي حقبة الكهروضعيفة (Electroweak Epoch) التي لا زالت فيها القوة الكهربائية  والقوة النووية الضعيفة  متحدة امتلأ الكون بما يسمى بالبوزنات (bosons) وهي الجسيمات الحاملة لقوى الطبيعة (force carriers)   والفوتونات (photons) أي أن الكون كان مكون  بشكل رئيسي من الإشعاعات (radiation). وفي حقبة الكوارك (Quark Epoch) بدأت الجسيمات الأولية المكونة للذرات والتي أهمها الكواركات والإلكترونات بالتشكل وذلك بعد انفصال القوة الكهربائية عن القوة النووية الضعيفة.  وفي الحقبة السادسة والأخيرة من حقب الثانية الأولى من عمر الكون وهي حقبة الهادرون (Hadron Epoch) وبعد أن هبطت درجة حرارة الكون إلى تريليون درجة بدأت الهادرونات كالبروتونات والنيوترونات وهي الجسيمات المكونة لنوى الذرات بالتشكل.

أما حقب ما بعد الثانية الأولى فهي حقبة الليبتون (Lepton Epoch) وامتدت من بعد الثانية الأولى إلى ثلاثة دقائق من عمر الكون وفيها ظهرت الليبتونات وهي الإلكترونات (electrons) وضديداتها  البوزترون (positrons) بالظهور بكميات كبيرة.  وفي حقبة تشكل النوى (Nucleosynthesis epoch) والتي امتدت من ثلاث دقائق إلى عشرين دقيقة بدأت نوى ذرات الهيدروجين والهيليوم بالتشكل من البروتونات والنيوترونات وذلك بعد أن هبطت درجة حرارة الكون إلى بليون درجة.  وفي حقبة الفوتون (Photon Epoch) والتي امتدت حتى 240 ألف عام أصبح الكون مكون بشكل رئيسي من ذرات الهيدروجين والهيليوم المتأينة (ionized)  وكذلك الإلكترونات وكميات ضخمة من الفوتونات التي تحمل معظم طاقة الكون. وفي حقبة الارتباط (Recombination) والتي امتدت حتى 300 ألف عام  ابتدأت الإلكترونات بالإرتباط بنوى ذرات الهيدروجين والهيليوم لتنتج ذرات متعادلة كهربائيا وذلك بعد أن هبطت درجة حرارة الكون إلى ثلاثة ألاف درجة. وفي الحقبة المظلمة  (Dark Age) والتي امتدت حتى 150 مليون عام كان يتم امتصاص الفوتونات من قبل ذرات الهيدروجين والهيليوم ولا ينفذ منها أي كمية تذكر إلى الخارج ولذا كان الظلام يسود الكون في هذه الحقبة. وفي حقبة التأين (Reionization epoch)  والتي امتدت حتى ألف مليون عام بدأت النجوم والمجرات الأولية بالتشكل وبدأت الإشعاعات التي تصدرها هذه النجوم نتيجة التفاعلات النووية فيها بإعادة تأيين ذرات الهيدروجين والهيليوم المحيطة بهذه النجوم وقل بذلك  امتصاصها للفوتونات وبدأ الظلام ينقشع تدريجيا ليصبح الكون شفافا كما نشاهده اليوم. 

علماء الإغريق وقوة الجاذبية

لم يكن من الصعب على علماء الطبيعة إكتشاف وجود قوة الجاذبية منذ ما يزيد عن الفي سنة وربما أكثر وذلك لأنهم كانوا يشاهدون آثارها بأم أعينهم في جميع نشاطاتهم اليومية.  فالأشياء إذا ما رفعتها عن سطح الأرض وأفلتها فإنها سرعان ما تسقط وتعود إلى الأرض وحتى لو قذفتها إلى الأعلى بقوة  فإنها ستطير في الفضاء لفترة زمنية محددة ثم تعود إلى الأرض. إن أول من كتب عن ظاهرة الجاذبية وحاول تفسير كنها هو الفيلسوف الإغريقي أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد حيث قال أن الأجسام تتحرك باحثة عن مكانها الطبيعي في الكون فالأجسام الثقيلة التي تتكون من التراب والماء تسقط نحو الأرض بينما الأجسام الخفيفة  كالدخان والسحب فإنها ترتفع إلى أعلى لأن مكانه الطبيعي هو السماء.  وقد أخطأ أرسطو حين قال أن سرعة سقوط الأجسام  نحو الأرض تتناسب طرديا مع وزنها فالأجسام الثقيلة تصل إلى الأرض قبل الأجسام الخفيفة إذا ما أسقطت من نفس الإرتفاع.  أما الأجرام السماوية فقد علل أرسطو عدم سقوطها إلى الأرض بأنها محكومة بقوانين تختلف عن القوانين التي تعمل على الأجسام الأرضية حيث أنها أجسام مثالية تنتمي إلى عالم الكمال.  ولم يتم إضافة أي مساهمات تذكر  عن الجاذبية من قبل علماء الإغريق والرومان بعد أرسطو.

علماء الإسلام وقوة الجاذبية

مع بداية ظهور العصر الذهبي للحضارة الإسلامية في القرن التاسع الميلادي قام علماء الطبيعة المسلمون بترجمة ودراسة كتب العلماء الإغريق في مختلف مجالات  علوم الطبيعة وأضافوا إليها إضافات وإسهامات كبيرة أدت إلى ظهور ثورة علمية جديدة لا تقل  عن الثورة العلمية الإغريقية. ففي مجال دراسات الجاذبية قام عالم الطبيعة ابن خرداذبة الخرساني في بداية القرن الثالث الهجري  بوصف جاذبية الأرض في كتابه المسالك والممالك  ما نصه (والأرض جاذبة لما في أبدانهم من الثقل لأن الأرض بمنزلة الحجر الذي يجتذب الحديد). أما عالم الفلك والرياضيات الشهير ثابت بن قرة  فقد شرح  في نفس القرن خصائص الجاذبية بشكل دقيق وقال إنها موجودة في كل الأجسام ويقل تأثيرها مع بعد المسافة بين الأجسام وهذا تماما ما صاغه اسحق نيوتن رياضيا في القرن السابع عشر ميلادي حيث قال ابن  قرة  (إن (الشيء ينجذب إلى مثله، والأصغر ينجذب إلى الأعظم وإلى المجاور الأقرب قبل انجذابه إلى مجاوره الأبعد). لقد بلغت عبقرية ابن قرة أنه تخيل أن الأرض لو تم تفجيرها فتطاريت أجزاؤها في الفضاء لتجاذبت هذه الأجزاء ولكونت أرضا كروية  من جديد في أي مكان في الفضاء فقال (بل لو توهم أن الأرض كلها قد رفعت إلى فلك الشمس ثم أطلق من الموضع الذي هي فيه آلان حجر لكان يرتفع ذلك الحجر إليها لطلبه للشيء العظيم الذي هو شبيهه، وكذلك لو توهم أنها قد تقطعت وتفرقت في جوانب العالم ثم أطلقت لكان يتوجه بعضها  إلى البعض ويقف حيث يتهيأ التقاء جملة أجزائها فيه ولا تفارق ذلك الموضع لأنه لا فرق بين موضعها حينئذ وموضعها آلان وكانت أجزاؤها إذا بعدت من ذلك الموضع طلبته على حسب ما عليه الأمر في هذا الوقت. ولإن كل جزء  يطلب جميع الأجزاء منها طلبا واحدا ولما استحال أن يلقى الجزء الواحد  جميع الأجزاء لا جرم طلب أن يكون قربه من جميع الأجزاء قربا واحدا  متساويا وهذا هو طلب الوسط ثم إن جميع الأجزاء هذا شأنها فيلزم من ذلك استدارة الأرض وكرويتها وأن يكون كل جزء منها يطلب المركز حتى يستوي قربه من الجملة).

أما البيروني  فقد أشار في القرن الرابع الهجري  في كتابه القانون المسعودي  إلى قوة الجاذبية الأرضية وأن تأثيرها على الأجسام يعتمد على بعدها عن مركز الأرض وهذا ما يعرف اليوم بمركز الثقل فقال (إن الأجسام الساقطة تنجذب نحو مركز الأرض وإن اختلاف قوة الجذب يرجع إلى المسافة بين الجسم الساقط و هذا المركز). بل ذهب البيروني إلى أبعد من ذلك وأشار إلى أن جميع الأجرام وليس الأرض فقط تمتلك مثل هذه الجاذبية وأن الأجسام تجذب بعضها البعض  فقال ( إن كل جسم ينجذب نحو مركز الجسم الآخر لأنهما الأثنان يمتلكان خاصية الجذب و ليس الأثير). ولم يكن بإمكان البيروني وهو يجهل قوة الطرد المركزي  تفسير  بقاء الشمس والكواكب والقمر سابحة في السماء  ولا تسقط على الأرض رغم وجود قوة الجذب بينها فوكل الأمر لله عز وجل فقال ( لو لم تمتلك الاجرام السماوية (كالقمر و الشمس) تلك الخاصية لأنجذبت الى مركز الأرض لأن الأرض تمتلك تلك الخاصية، و لكنها تبقى سابحة في الأعلى لأنها ممسوكة و محفوظة و مجذوبة بتدخل من الله). وقال الجغرافي والفلكي اليمني ابن الحائك  الحسن بن أحمد الهمداني في القرن الرابع الهجري في كتابه الجوهرتين العتيقتين في وصف كروية الأرض وجاذبيتها (فمَن كان تحتها (أي الأرض) فهو  في الثابت في قامته كمن فوقها، ومسقطه وقدمه إلى سطحها الأسفل كمسقطه إلى سطحها الأعلى، وكثبات قدمه عليه، فهي بمنزلة حجر المغناطيس الذي تجذب قواه الحديد إلى كل جانب).  وقد تحدث أبو جعفر الخازن في القرن الرابع الهجري عن التسارع أو العجلة في سقوط الأجسام نحو الأرض في كتابه  المدخل الكبير إلى علم النجوم  (إن ذلك ناتج عن قوة تجذب هذه الأجسام باتجاه مركز الأرض).  وشرح ابن سينا في القرن الخامس الهجري  في كتابه الإشارات والتنبيهات بعض خصائص الجاذبية فقال ” القوة في الجسم الأكبر، إذا كانت مشابهة للقوة في الجسم الأصغر حتى لو فصل من الأكبر مثل الأصغر، تشابهت القوّتان بالإطلاق، فإنها في الجسم الأكبر أقوى وأكثر، إذ فيها من القوة شبيهة تلك). وأشار عبد الرحمن الخازني في القرن السادس الهجري في كتابه ميزان الحكمة إلى الجاذبية الأرضية فقال (إن الأجسام تتجه في سقوطها إلى الأرض، وأن ذلك ناتج عن قوة تجذب هذه الأجسام في اتجاه مركز الأرض). وقال أيضا أن الجاذبية هي التي تعطي الثقل للأجسام فقال (الجسم الثقيل هو الجسم الذي يتحرك بواسطة قوة ضمنية، وبشكل ثابت، بإتجاه مركز العالم. إنه لمن الكافي القول: أني أعني أن الجسم الثقيل هو الجسم الذي لديه قوة تحركه بإتجاه النقطة المركزية، وبشكل ثابت بإتجاه المركز، ودون أن يتحرك من قبل هذه القوة في أي إتجاه مختلف؛ وهذه القوة المرجعية هي ضمنية في الجسم، لا تشتق بدونه، ولا تنفصل عنه). وأشار كذلك إلى أن ثقل الجسم يعتمد على بعده عن مركز الجاذبية الأرضية وهو يعني طاقة الوضع للجسم فقال (لكل جسم ثقيل معروف الوزن وموضوع على مسافة معينة من مركز العالم، فإن جاذبيته الأرضية تعتمد على تأثيره عن بعد من قبل مركز العالم. لهذا السبب، تعتمد الجاذبية الأرضية للأجسام على المسافات التي تبعد بها عن مركز العالم. حيث انه كلما ازداد بعد الجسم عن مركز العالم، أصبح أكثر ثقلاً؛ وكلما اقترب من مركز العالم، أصبح أخف ثقلاً). وأشار الخازني كذلك إلى أن الأجسام تفقد جزءا من وزنها إذا كانت مغمورة في  الماء أو الهواء فقال (إن للهواء وزنًا وقوة رافعة كالسوائل تمامًا؛ فالهواء كالماء يحدث ضغطًا من أسفل إلى أعلى على أي جسم مغمور فيه، وعلى ذلك فإن وزن أي جسم مغمور في الهواء ينقص عن وزنه الحقيقي، وأن مقدار ما ينقص من الوزن يتوقف على كثافة الهواء). ومن علماء الدين الاسلامي الذين أقروا بوجود الجاذبية الأرضية شيخ الاسلام ابن تيمية في القرن الثامن الهجري وقام بتفسير  ظاهرة بقاء ماء البحار والمحيطات ملتصفا بسطح الأرض الكروية ومتكورا مع تكورها بسبب ما سماه محط الأثقال فقال ( اعْلَمْ أَنَّ "الْأَرْضَ" قَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا كُرَوِيَّةُ الشَّكْلِ وَهِيَ فِي الْمَاءِ الْمُحِيطِ بِأَكْثَرِهَا؛ إذْ الْيَابِسُ السُّدُسُ وَزِيَادَةٌ بِقَلِيلِ وَالْمَاءُ أَيْضًا مُقَبَّبٌ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ لِلْأَرْضِ وَالْمَاءُ الَّذِي فَوْقَهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ كَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا مِمَّا يَلِي رُءُوسَنَا وَلَيْسَ تَحْتَ وَجْهِ الْأَرْضِ إلَّا وَسَطُهَا وَنِهَايَةُ التَّحْتِ الْمَرْكَزُ؛ فَلَا يَكُونُ لَنَا جِهَةٌ بَيِّنَةٌ إلَّا جِهَتَانِ: الْعُلُوُّ وَالسُّفْلُ وَإِنَّمَا تَخْتَلِفُ الْجِهَاتُ بِاخْتِلَافِ الْإِنْسَانِ. فَعُلُوُّ الْأَرْضِ وَجْهُهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. وَأَسْفَلُهَا مَا تَحْتَ وَجْهِهَا - وَنِهَايَةُ الْمَرْكَزِ - هُوَ الَّذِي يُسَمَّى مَحَطَّ الْأَثْقَالِ فَمِنْ وَجْهِ الْأَرْضِ وَالْمَاءُ مِنْ كُلِّ وُجْهَةٍ إلَى الْمَرْكَزِ يَكُونُ هُبُوطًا وَمِنْهُ إلَى وَجْهِهَا صُعُودًا). 

علماء الإسلام  وقوانين الحركة

من المعروف والمؤكد أن العالم الإنجليزي إسحق نيوتن هو أول من قام بصياغة قانون الجاذبية وقوانين الحركة الثلاث رياضيا في القرن السابع عشر الميلادي.  ولكن قد يجهل كثير من الناس أن علماء الإسلام قد عرفوا قوانين الحركة الثلاث وقاموا بوصفها وصفا دقيقا وعرفوها كما عرفها نيوتن بشكل عام.   فقد قام ابن سينا في القرن الرابع الهجري بتعريف قانون نيوتن الأول في كتابه الإشارات والتنبيهات فقال "إنك لتعلم أن الجسم إذا خُلِّي وطباعه، ولم يَعْرِضْ له من خارجٍ تأثيرٌ غريبٌ، لم يكن له بُدٌّ من موضع معين وشكل معين، فإن في طباعه مبدأ استيجاب ذلك، وليست المعاوقة للجسم بما هو جسم، بل بمعنى فيه يطلب البقاء على حاله".  وهذا التعريف مطابق إلى حد كبير للنص الحديث لقانون نيوتن  الأول وهو  (إن الجسم يبقى في حالة سكون أو في حالة منتظمة في خط مستقيم ما لم تُجبره قوى خارجية على تغيير هذه الحالة). وقام هبة الله بن ملكا البغدادي في القرن السادس الهجري في كتابه المعتبر  في الحكمة بصياغة قانون نيوتن الثاني وكذلك الثالث حيث عرف القانون الثاني بقوله (وكل حركة ففي زمان لا محالة، فالقوة الأشدّ تُحرِّك أسرع وفي زمن أقصر.. فكلما اشتدت القوة ازدادت السرعة فقصر الزمان، فإذا لم تتناه الشدة لم تتناه السرعة، وفي ذلك تصير الحركة في غير زمان أشد؛ لأن سلب الزمان في السرعة نهاية ما للشدة). وهذا يناظر قانون نيوتن الثاني والذي يقول أن تسارع الجسم يزداد مع زيادة القوة المؤثرة عليه إلا أن نيوتن قام بتحديد الصيغة الرياضية للقانون وهي أن مقدار تسارع الجسم يساوي  حاصل تقسيم القوة المؤثرة على كتلة الجسم.  ووصف ابن ملكا كذلك قانون نيوتن الثالث الذي ينص على  أن لكل فعل رد فعل مساوي له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه بقوله (إن الحلقة المتجاذبة بين المصارعين لكل واحد من المتجاذبين في جذبها قوة مقاومة لقوة الآخر، وليس إذا غلب أحدهما فَجَذَبَهَا نحوه يكون قد خلت من قوة جذب الآخر، بل تلك القوة موجودة مقهورة، ولولاها لما احتاج الآخر إلى كل ذلك الجذب). وقد قام ابن ملكا  أيضا في نفس الكتاب بتصحيح خطأ "أرسطو"  في أن الأجسام الثقيلة تسقط أسرع من الأجسام الخفيفة وبهذا فقد سبق جاليليو  في إثبات أن سرعة الجسم الساقط سقوطا حرا في الفراغ لا تتوقف على كتلتها  فقال (وأيضًا لو تحركت الأجسام في الخلاء لتساوت حركة الثقيل والخفيف والكبير والصغير والمخروط والمتحرك على رأسه الحاد والمخروط المتحرك على قاعدته الواسعة، في السرعة والبطء؛ لأنها إنما تختلف في الملاء بهذه الأشياء بسهولة خرقها لما تخرقه من المقاوم المخروق كالماء والهواء وغيرهما).  وقد أوضح ابن ملكا تأثير الجاذبية الأرضية على  حركة المقذوفات وقال إن القوة التي يقذف بها الجسم إلى الأعلى تعمل ضد قوة الجاذبية الأرضية (فكذلك الحجر المقذوف فيه ميل مقاوم للميل القاذف؛ إلا أنه مقهور بقوة القاذف؛ ولأن القوة القاسرة عرضية فيه، فهي تضعف لمقاومة هذه القوة والميل الطبيعي ولمقاومة المخروق.. فيكون الميل القاسر في أوله على غاية القهر للميل الطبيعي، ولا يزال يضعف ويبطئ الحركة ضعفًا بعد ضعف وبطئًا بعد بطء حتى يعجز عن مقاومة الميل الطبيعي، فيغلب الميل الطبيعي فيحرك إلى جهته، ومن توهم أن بين حركة الحجر علوا المستكرهة بالتحليق وبين انحطاطه وقفة فقد أخطأ، وإنما تضعف القوة المستكرهة له وتقوى قوى ثقله، فتصغر الحركة، وتخفي حركته على الطرف، فيتوهم أنه ساكن). وقد شرح ابن الهيثم في القرن الخامس الهجري في كتابه المناظر  قانون نيوتن الثالث فقال (المتحرك إذا لقي في حركته مانعًا يمانعه، وكانت القوة المحركة له باقية فيه عند لقائه الممانع، فإنه يرجع من حيث كان في الجهة التي منها تحرك، وتكون قوة حركته في الرجوع بحسب قوة الحركة التي كان تحرك بها الأول، وبحسب قوة الممانعة). وكذلك أشار فخر الدين الرازي في القرن السابع الهجري في كتابه المباحث المشرقية في علم الإلهيات والطبيعيات إلى قانون نيوتن الثالث فقال (الحلقة التي يجذبها جاذبان متساويان حتى وقفت في الوسط، لا شك أن كل واحد منهما فعل فيها فعلاً معوَّقًا بفعل الآخر).

إسحق نيوتن وقانون الجاذبية وقوانين الحركة الثلاث

ينص قانون الجاذبية الذي اكتشفه الفيزيائي والرياضي الانجليزي الشهير اسحق نيوتن في عام  1687م على أن أي جسمين في هذا الكون يجذبان بعضها البعض بقوة تتناسب طرديا مع حاصل ضرب كتلتيهما  وعكسيا مع مربع المسافة بين مركزيهما وبثابت تناسب يسمى ثابت التجاذب الكوني (universal gravitational constat G= 6.674x10-11 m3/kg.s2) .  وإلى جانب قانون الجاذبية اكتشف نيوتن في نفس الفترة قوانين الحركة الثلاث فأولهما ينص على أن الجسم يبقى على حالته من سكون أو حركة طالما لم تؤثر عليه قوة خارجية. وأما الثاني فينص على أن الجسم إذا ما اثرت عليه قوة ثابتة فإنه يتسارع بمقدار يساوي حاصل قسمة القوة على كتلته وأما الثالث فينص على أن الجسم إذا أثر بقوة على جسم آخر فإن الجسم الثاني سيؤتر بنفس القوة على الجسم الأول ولكن بعكس الاتجاه أو  بصيغة أخرى لكل فعل رد فعل مساوي له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه.  لقد أحدثت قوانين نيوتن ثورة  في شتى المجالات أولها الفهم الصحيح لحركة كل متحرك وسكون كل ساكن سواء في الأرض أو في السماء كحركة  الحيوانات على الأرض وطيران الطيور وبعض الحشرات  في الجو وجريان الأنهار وحركة الهواء والسحب والعواصف وسقوط الأمطار والثلوج وحركة الأمواج والمد والجز في مياه البحار والمحيطات وكذلك  دوران وجريان الأجرام السماوية من  مجرات ونجوم وكواكب وكويكبات ومذنبات ونيازك وغيرها في الفضاء الكوني. أما الثورة الأخرى فهي استخدام هذه القوانين في تصنيع وبناء أنواع لا حصر من المصنوعات الساكنة والمتحركة على أكمل وجه لما فيه مصلحة البشر ورفاهيتهم.  فمن المصنوعات الساكنة المنازل والعمارات وناطحات السحاب والجسور والطرق والسدود والأنفاق والقنوات حيث يتطلب في تصميمها معرفة مراكز الثقل وقوى الشد والسحب  والضغط المؤثرة عليها. ومن المصنوعات المتحركة مختلف أنواع الآلات والمحركات الميكانيكية والكهربائية والمركبات والطائرات والقطارات والسفن والبواخر والغواصات والصواريخ والمقذوفات والأقمار الصناعية والمركبات الفضائية وغيرها.  

إن أول ما قام به نيوتن بعد وضعه لقوانينه هو التأكد من صحة نموذج  كوبرنيكس لمركزية الشمس وكذلك صحة قوانين كيبلر الثلاث المتعلقة بشكل مدارات وسرعات الكواكب حول الشمس باستخدام قانون الجاذبية وقوانين الحركة بطريقة رياضية بحتة. ففي عام 1619م   تمكن الفلكي الألماني جوهانس كيبلر (Kepler)  من خلال القياسات التجريبية التي قام بها علماء سبقوه لمدارات الكواكب حول الشمس من تحديد أشكال ومواصفات هذه المدارات.  فقد قام  كيبلر بوضع ثلاثة قوانين رياضية تجريبية تصف بدقة عالية طبيعة هذه المدارات فالقانون الأول يحدد شكل المدار الذي يتخذه الكوكب حول الشمس وهو مدار بيضاوي أو اهليلجي بحيث تكون الشمس في إحدى بؤرتيه وأما الثاني فيحدد سرعة الكوكب في المدار وأما الثالث فيحدد زمن دورة الكوكب في مداره.  ومع ظهور هذه القوانين الثلاث لكيبلر  زال أي شك في نموذج مركزية الشمس الذي اقترحه الفلكي البولندي نيكولاس  كوبرنيكس (Nicolaus Copernicus)  في عام 1543م بسبب قدرته الفائقة على تحديد مدارات وسرعات جميع  كواكب المجموعة الشمسية. وكانت النتيجة التي حصل عليها نيوتن بطريقة  رياضية بحتة  بالاعتماد على قوانين فيزيائية هو التوافق التام مع قوانين كيبلر  المبنية على القياسات التجريبية. ومع ظهور قوانين نيوتن أصبح تفسير   حركات جميع أجرام السماء  وليس فقط كواكب المجموعة الشمسية في منتهى السهولة بالنسبة للمختصين في هذا المجال.  أما النتيجة الأهم لهذه القوانين فهي أن الكون بناء على قانون الجاذبية لا يمكن أن يكون مستقرا إلا إذا كان كل جرم من أجرامه في حالة حركة مستمرة ولو حدث أن توقف أي جرم عن الحركة لأنجذب فورا إلى أقرب الأجرام إليه وأندمج معه.  ولمنع الأجرام السماوية من الإنهيار على بعضها البعض كان لزاما أن  يدور بعضها حول بعض بحيث تتساوى قوة الجذب بينها مع قوة الطرد المركزي الناتجة عن حركتها الدائرية. ولذلك نجد أن الأقمار تدور حول كواكبها والكواكب تدور حول نجومها  والنجوم تدور حول مركز  المجرة  مصداقا لقوله تعالى "وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40)" يس. لقد اختار الله سبحانه وتعالى الحركة الدائرية لحفظ الأقمار حول الكواكب والكواكب حول النجوم والنجوم حول مراكز المجرات والمجرات حول مراكز عناقيد المجرات ولكن بما أن هذه المتوالية لن تستمر  إلى ما لانهاية بسبب محدودية حجم هذا الكون كان لا بد من وقفها. لقد كان الحل لهذه المعضلة الكبرى التي تتعلق باستقرار الكون في اكتشاف ما يسمى  بالإنفجار العظيم (the big bang) والذي عمل على دفع المجرات بسرعات خيالية بعيدا عن مركز الكون للتغلب على قوة الجاذبية بينها وبذلك تمنع الكون من الانهيار على بعضه وصدق الله العظيم القائل "إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا" فاطر 41.

ألبرت آينشتاين وتعريف الجاذبية

يخلط بعض الناس بين القوانين الرياضية التي تصف عمل قوى الطبيعة الأربع على الأجسام والجسيمات المختلفة وبين معرفة كنه ومنشأ هذه القوى!  فكيف ولماذا تنتج الأجسام ذات الكتلة مجال جذب حولها والأجسام ذات الشحنة مجال جذب أو طرد حولها وكذلك الحال مع القوة النووية القوية والضعيفة؟ وكيف تكتسب الأجسام كتلتها وشحنتها وغير ذلك من الخصائص الفيزيائية؟  ولم يتمكن علماء البشر حتى الآن من تفسير علمي مقنع للكيفة التي تنشأ بها هذه القوى في مادة هذا الكون ليصدق فيهم قوله تعالى ( وَیَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنۡ أَمۡرِ رَبِّی وَمَاۤ أُوتِیتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِیلࣰا)الإسراء ٨٥. ولقد قام العالم الفيزيائي ألبرت آينشتاين في عام 1915م  بنشر عدة أبحاث في مجال ما سماه نظرية النسبية العامة وقام فيها بتعميم نظريتة في النسبية الخاصة والتي نشرها في عام 1905م.  وفي نظرية النسبية العامة قام آينشتاين بتعميم قانون الجاذبية الكلاسيكي لنيوتن ليشمل حركة الأجسام عند  السرعات الفائقة وتبين أن قانون الجاذبية الكلاسيكي لا ينطبق إلا على الأجسام ذات السرعات البطيئة نسبيا.  وفي النسبية العامة تبين لآينشتاين أن الجاذبية تنشأ عن حدوث تشوه في الزمان والمكان أو انحناء في الفضاء الزمكاني ذي الأبعاد الأربعة المحيط بالجسم  مما يؤدي  إلى تدحرج الأجسام المحيطة به إليه منتجا بذلك مجال الجاذبية. وتعتمد شدة  الانحناء في الفضاء الزمكاني على كتلة الجسم وسرعته  فكلما زادت الكتلة والسرعة كلما زاد الانحناء حول الجسم زادت قوة الجذب للأجسام المجاورة. لقد تم التأكد من صحة نظرية النسبية العامة بعد أن تنبأت ببعض الظواهر الطبيعية وتم تأكيدها بالتجربة كأنحناء الضوء عند مروره بالقرب من أجرام ضخمة ووجود الثقوب السوداء وغيرها. ومن الجدير بالذكر أن  نظرية ميكانيكا الكم  تمكنت من وصف ثلاث من قوى الطبيعة  وهي الكهرمغناطيسية والقوة النووية الضعيفة والقوة النووية القوية بينما فشلت في وصف قوة الجاذبية التي عالجتها النظرية النسبية لألبرت أينشتاين.  

2023-09-25

كروية الأرض والأدلة عليها

                                                   كروية الأرض والأدلة عليها

الدكتور منصور أبوشريعة العبادي/ جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية



            من البديهي أن يتساءل الإنسان المثقف عن الطرق التي استدل بها علماء البشر على كروية الأرض وقياس قطرها وكتلتها  وكذلك سرعة دورانها حول نفسها وحول الشمس  رغم أن هؤلاء العلماء لم يشاهدوا كل ذلك بأم أعينهم.  إن الطرق التي استخدمها علماء البشر لإثبات كروية الأرض اعتمدت  بشكل رئيسي على محاولاتهم لتفسير كثير من الظواهر الطبيعية كالشروق والغروب الدوري للشمس والقمر والكواكب والنجوم  وكذلك اختلاف طول الليل والنهار وتغير أماكن مشارق ومغارب الأجرام السماوية  وكذلك كسوف الشمس وخسوف القمر وغير ذلك من الظواهر الفلكية.  ولكي يتمكن هؤلاء العلماء من  التنبؤ بمواقيت حدوث هذه الظواهر كان  يلزمهم وضع نماذج هندسية ورياضية لمواقع هذه الأجرام بالنسبة لبعضها البعض واستخدام هذه النماذج  في حساباتهم المختلفة.  فقد  وضع علماء الطبيعة الإغريق في القرن الخامس قبل الميلاد  أول نموذج  للكون وهو  أرض كروية تدور حولها بقية الأجرام السماوية في مدارات ثابتة ومختلفة الأقطار. وعلى الرغم من أن نموذج الأرض الكروية قد فسر كثيرا من الظواهر الفلكية إلا  أنه فشل في تفسير  بعض حركات النجوم وبعض الكواكب التي كان يعتقد أنها تدور حول الأرض. ولقد دفعت هذه الظواهر الشاذة بعض الفلكيين بطرح فكرة أن الأرض ربما هي التي تدور حول نفسها وليس الشمس والنجوم والكواكب.  وكان أول من أثار  هذه القضية عدد من فلاسفة الإغريق وكذلك علماء الفلك المسلمين كأبو الريحان البيروني في أوائل القرن الحادي عشر  ومن ثم نصير الدين الطوسي في القرن الثالث عشر  وابن الشاطر  في القرن الرابع عشر  والذي فسر كثير من حركات النجوم على افتراض أن الأرض هي التي تدور حول نفسها.  وفي عام 1539م قام الفلكي البولندي نيكولاس كوبرنيكوس بوضع نظرية مركزية الشمس التي نشرها في كتابه (حول دوران الأجرام السماوية) والتي أكد فيها أن الأرض وبقية الكواكب هي التي تدور حول الشمس وليس العكس وأن الأرض أيضا تدور حول نفسها كل يوم مرة واحدة.

ومن المفارقات العجيبة أن يظهر  في عصر النهضة العلمية الحديثة  مجموعات دينية ترفض نظرية الأرض الكروية وتتبنى نظرية الأرض المسطحة التي  نبذها البشر منذ ما يزيد عن ألفي عام.  وقد قام أحد أنصار الأرض المسطحة الغربيين  من نسج خياله بعمل نموذج للأرض المسطحة استنادا إلى النص الوحيد الوارد في التوراة حول بدء الخلق.  ويتكون الكون حسب هذا  النموذج من الأرض  وهي على شكل قرص دائري تقع تضاريس الأرض على أحد وجهيه وتحيط بهذا الوجه نصف قبة معدنية وتحيط بقرص الأرض من الأسفل والقبة من الخارج محيط من المياه.  وعلى السطح  الداخلي للقبة السماوية توجد النجوم  بينما تدور  الشمس وكذلك القمر  في مدارات  تحت هذه القبة على ارتفاع لا يتجاوز خمسة الاف كيلومتر.  ويقع القطب الشمالي في منتصف الأرض بينما يحيط القطب الجنوبي بكامل أطراف الأرض وهو هلى شكل جدار جليدي يبلغ ارتفاعه ما يقرب من خمسين متر . وقد حددوا قطر قرص الأرض بما مقداره أربعين ألف كيلومتر  وهو  يساوي محيط الأرض الكروية.. أما أعلى ارتفاع للقبة السماوية فقد كان لا يتجاوز المائة كيلومتر  في تقديراتهم القديمة وتم تعديل لاحقا إلى خمسة آلاف كيلومتر.  وقطر الشمس  وكذلك القمر لا  يتجاوز خمسين كيلومتر  ويدوران  فوق سطح الأرض في مدار دائرية حول محور القطب الشمالي وهو مركز الأرض عندهم. ويتغير قطر مدار الشمس باستمرار فهو يتناقص في فصل الصيف عندما تكون الشمس شمال خط الاستواء وهي فوق خط الاستواء وهو يتزايد عنه في فصل الشتاء عندما تكون الشمس جنوب خط الاستواء.  والشمس في اعتقادهم لا  تنتج الحرارة التي تسخن الأرض بل يوجد ما يسمى بالتنفس الكوني (cosmic breath) الذي يرسل حرارة إلى الأرض في الصيف وبرودة في الشتاء وهو مرتبط  بحركة الشمس فقط وليس لها أي دور في التسخين والتبريد. ويعتقدون كذلك بأن المطر لا ينزل من السحب طبقا للدورة المائية المعروفة بل ينزل من شقوق في سقف السماء من الماء المحيط بها ويفسرون حدوث البرق والرعد بتفسيرات في غاية الغرابة.

القرآن الكريم وكروية الأرض

لا يوجد نص صريح قطعي الدلالة في القرآن الكريم والأحاديث  النبوية الشريفة يؤكد على أن شكل الأرض كروي أو مسطح أو غير ذلك من الأشكال ثلاثية الأبعاد. وقد ترك الله عز وجل للبشر بما وهبهم من عقول راجحة مهمة كشف أسرار جميع مخلوقات هذا الكون المشاهد. ولقد تمكن البشر مع نهاية القرن الميلادي العشرين من كشف تركيب وطريقة عمل معظم مخلوقات الله عز وجل في هذا الكون  ابتداءا من ذرات العناصر الطبيعية مرورا بجسم الإنسان وأجسام بقية الكائنات الحية وانتهاءا بأجرام الكون من أقمار وكواكب ونجوم ومجرات. ولقد تنبأ القرآن الكريم قبل أربعة عشر قرنا هجريا بهذه الفتوحات العلمية الهائلة التي سيفتحها الله عز وجل على البشر والتي ستؤكد أن لهذا الكون خالقا عليما حكيما  قديرا وذلك في قوله سبحانه "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)" فصلت وقوله تعالى " وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93)" النمل وقوله تعالى " اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12)" الطلاق.

 وقد يفهم بعض الناس من أن الأرض  قد تكون مسطحة الشكل من آيات القرآن الكريم التالية وهي قوله تعالى "وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19)" نوح  وقوله تعالى " وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)" الغاشية وقوله تعالى " وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19)" الحجر. ولكن في الحقيقة هذه الآيات لا تتحدث عن الشكل الكلي للأرض بل عن شكل سطح الأرض الذي يراه البشر  بأم أعينهم  فهم يرونها منبسطة ومسطحة وممتدة في كل الإتجهات كما وصف ذلك الجغرافي الهمداني بقوله (اعلــم أن الأرض ليســت بمنســطحة، ولا ببســاط مســتوي الوسـط والأطـراف، ولكنهـا مقببـة، وذلـك التقبيـب لا يبـين مـع السـعة، إنمـا يبـين تقبيبهـا بقياسـاتها إلـى أجـزاء الفلـك). أما الأية التي قد يستدل منها على أن الأرض كروية الشكل فهي قوله تعالى " خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5)"الزمر. فالليل والنهار يغطيان كامل سطح الأرض وتكوير أحدهما على الآخر يعني أن سطح الأرض الذي يغطيانه لا بد وأن يكون مكورا. وقد إستدل ابن حزم  الظاهري الأندلسي بهذه الآية على كروية الأرض فقال (بل إن البراهين من القرآن والسنة قد جاءت بتكويرها قال الله عز وجل: (يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل )(الزمر 5). وهذا أوضح بيان في تكوير بعضها على بعض مأخوذٌ من كور العمامة وهو إدارتها وهذا نص على تكوير الأرض ودوران الشمس). وأما قوله تعالى (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30)) النازعات فقد فسرها العلماء حسب معنى كلمة دحى فقالوا أنها بمعنى بسط أي أن  الأرض منبسطة وقد تكون بمعنى دحرج  أي أن الأرض قد تم تدويرها حول محورها وحول الشمس وهو أقرب للصحيح فهذه المرحلة من خلق الأرض قد تمت بعد أن خلق الله عز وجل الأرض من الدخان واستقرت في مدارها حول الشمس.

موقف علماء الإسلام  من الحقائق العلمية القطعية

لقد تقبل معظم علماء الدين الإسلامي  الحقائق العلمية المبنية على الأدلة والبراهين الهندسية والرياضية والمنطقية وذلك تقديرا للعقل  الذي وهبه الله عز وجل للبشر لكشف أسرار هذا الكون.   وقد قام  هؤلاء العلماء بدراسة واستيعاب علوم عصرهم بغض النظر عن مصدر تلك العلوم واستشهدوا بها لتفسير الأيات القرآنية المتعلقة بالظواهر الكونية. وقد حذر حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله في القرن الخامس الهجري علماء الدين الإسلامي من مغبة إنكار الحقائق العلمية الثابتة اعتمادا على التأويلات الخاطئة لنصوص القرءان الكريم والسنة النبوية  الشريفة لما في ذلك من ضرر على الدين  ومما قاله  في كتابه تهافت الفلاسفة  حول ظاهرة الكسوف والخسوف القسم الثاني: ما لا يصدم مذهبهم فيه أصلاً من أصول الدين، وليس من ضرورة تصديق الأنبياء والرسل منازعتهم فيه، كقولهم: إن كسوف القمر، عبارة عن انمحاء ضوء القمر بتوسط الأرض بينه وبين الشمس، والأرض كرة والسماء محيطة بها من الجوانب، وإن كسوف الشمس وقوف جرم القمر بين الناظر وبين الشمس عند اجتماعهما في العقيدتين على دقيقة واحدة. وهذا الفن أيضاً لسنا نخوض في إبطاله إذ لا يتعلق به غرض ومن ظن أن المناظرة في ابطال هذا من الدين فقد جنى على الدين وضَعَّف أمره.  فإن هذه الأمور تقوم عليها براهين هندسية حسابيَّة لا يبقى معها ريبة. فمن تطلَّع عليها ويتحقَّق أدلّتها حتى يُخبر بسببها عن وقت الكسوفين وقدرهما ومدة بقائهما إلى الانجلاء، إذا قيل له إن هذا على خلاف الشرع، لم يسترب فيه وإنما يستريب في الشرع وضرر الشرع ممَّن ينصره لا بطريقه أكثر من ضرره ممّن يطعن فيه بطريقة.وهو كما قيل: عدوّ عاقل خير من صديق جاهل). بل ذهب الغزالي إلى ما هو أبعد من ذلك فنصح علماء الشريعة بتأويل نصوص القرءان الكريم والسنة الشريفة ظنية الدلالة لما يتوافق مع الحقائق العلمية القطعية فقال  (فان قيل: فقد روُى انه قال فى آخر الحديث: (( ولكن الله اذا تجلىّ لشىء خضع له)) فيدلّ على ان الكسوف خضوع بسبب التجلى، قلنا: هذه الزيادة لم يصحّ نقلها فيجب تكذيب ناقلها، وانما المروى ما ذكرناه كيف، ولو كان صحيحاً، لكان تأويله أهون من مكابرة أمور قطعية. فكم من ظواهر أُوّلت بالأدلة العقليَّة التي لا تنتهي في الوضوح إلى هذا الحد. وأعظم ما يفرح به المُلحدة، أن يصرح ناصر الشرع بأن هذا، وأمثاله على خلاف الشرع، فيسهل عليه طريق إبطال الشرع، ان كان الشرع امثال ذلك).  أما الفيلسوف أبو بكر الرازي فقد قال في إحدى رسائله في القرن الثالث الهجري أنه من الصعب أن يتخيل من لا دراية بالعلوم الهندسية والرياضية   الكيفية التي يمكن أن يعيش بها الناس على سطح أرض كروية (في أنه لا يتصور لمن لا رياضة له بالبرهان أن الأرض كرية وأن الناس حولها). واعتبر الإمام والمفسر فخرالدين الرازي في القرن الخامس الهجري من ينكر كروية الأرض بالمكابر فقال في تفسيره مفاتيح الغيب (ثبت بالدلائل أن الأرض كرة فكيف يمكن المكابرة فيه). وقال إخوان الصفا  في رسائلهم  في القرن الثالث الهجري أن تصور الأرض الكروية يحتاج إلى خلفية علمية  كافية في علوم الهندسة والطبيعة (لأن الأرض بجميــع البحــار التــي علــى ظهرهــا كــرةٌ واحــدة وليــس شــيء من ظاهر ســطح الارض مــن جميــع جهاتهــا هــو أســفل الأرض كمــا يتوهــم كثيــر مــن النــاس، ممــن ليــس لــه رياضــة بالنظــر في علــم الهندســة والهيئــة، وذلــك أنهــم يتوهمــون ويظنــون بأن ســطح الأرض مــن الجانــب المقابــل لموضعنــا هــو أســفل الأرض)

علماء الإغريق وكروية الأرض

لا يوجد نصوص مكتشفة تشير إلى أن الحضارات القديمة كالسومرية والأشورية والبابلية والمصرية قد عرفت أن الأرض كروية الشكل بل كان الإعتقاد السائد أنها مسطحة كما يراها الناس بأم أعينهم. ومع قيام الحضارة الإغريقية أو اليونانية في الألفية الأولى قبل الميلاد واستمرارها لما يقرب من الف سنة تمكن العلماء الأغريق من وضع أساسيات مختلف أنواع العلوم الطبيعية والهندسية والرياضية والإنسانية والسياسية والقانونية والفنون بمختلف أنواعها.  ويقال  أن الفيلسوف الإغريقي فيثاغورس هو أول من اقترح أن الأرض كروية الشكل وذلك  في القرن الخامس قبل الميلاد من خلال محاولة تفسيره لبعض الظواهر الكونية كقوله أنه إذا كان القمر وكذلك الشمس كروية الشكل فلما لا تكون الأرض كذلك.  ودعم  الفيلسوف الإغريقي  أناكساغوراس في نفس الفترة فكرة كروية الأرض من خلال ظاهرة كسوف الشمس وخسوف القمر وأشار إلى أن شكل ظل الأرض على القمر أثناء الخسوف دليل على كروية الأرض.  وفي القرن الرابع قبل الميلاد  تبنى الفيلسوف الشهير أرسطوطاليس مبدأ كروية الأرض  بناءا  على أدلة جديدة منها اختفاء الكواكب التي يمكن رؤيتها في السماء عند الابتعاد عن خط الاستواء وكذلك اختفاء السفن  عند الأبتعاد من شواطيء البحار.  وفي القرن الثالث قبل الميلاد تمكن الفيلسوف والرياضي الإغريقي إراتوستينس من قياس  محيط الأرض الكروية من خلال قياس زاوية الظل في مدينة الإسكندرية عندما تكون الشمس متعامدة على مدينة أسوان في مصر وبقياس المسافة بين المدينتين تمكن من قياس محيط الأرض فوجده يساوي أربعين ألف كيلومتر تقريبا وهو قريب من القيمة الحالية.  وفي القرن الثاني قبل الميلاد قام الجغرافي والفلكي الإغريقي المشهور بطليموس بتأليف كتابه الشهير الأطروحة الكبرى والمعروف بالمجسطي لخص فيه كل المعلومات المتعلقة بالأرض الكروية والأجرام التي تدور حولها ورتبها حسب بعد مداراتها من الأرض وشرح فيه خطوط الطول والعرض التي تنسب إليه في وضعها.  

علماء الإسلام  وكروية الأرض

لقد  اقتنع معظم علماء  الطبيعة والشريعة المسلمين  في عصور الاسلام الأولى بكروية الأرض اعتمادا على الأدلة العقلية المبنية على البراهين الهندسية والرياضية بالرغم  من أن من أثبت كرويتها علماء من غير المسلمين وهم الإغريق.  فلقد قام الخوارزمي (القرن الثاني الهجري)  بوصف كروية الأرض وتضاريسها في كتابه صورة الأرض فقال ( الأرض في وسط السماء والوسط هو السفلي بالحقيقة، وهي مدورةٌ  مضرسة من جهة الجبال البارزة والوهاد الغائرة، وذلك لا يخرجها عن الكروية إذا اعتبرت جملتها لأن مقادير الجبال وإن شمخت يسيرة بالقياس إلى كرة الارض، فإن الكرة التي قطرها ذراع أو ذراعان مثلا إذا أنتأ منها شيء أو غار فيها لا يخرجها عن الكروية، ولا هذه التضاريس لإحاطة الماء بها من جميع جوانبها وغمرها، بحيث لا يظهر منها شيء). وقال ابن خرداذبة الخرساني (القرن الثالث الهجري)  في وصف الأرض وطول محيطها عند خط الإستواء  وكذلك جاذبيتها في كتابه المسالك والممالك  ما نصه (صفة الأرض أنها مدورة كتدوير الكرّة، موضوعة في جوف الفلك كالمحّة في جوف البيضة، والنسيم حول الأرض، وهو جاذب لها من جميع جوانبها إلى الفلك، وبنية الخلق على الأرض أن النسيم جاذب لما في أبدانهم من الخفة، والأرض جاذبة لما في أبدانهم من الثقل لأن الأرض بمنزلة الحجر الذي يجتذب الحديد، والأرض مقسومة بنصفين بينهما خط الاستواء وهو من المشرق إلى المغرب وهذا طول الأرض وهو أكبر خط في كرّة الأرض كما أن منطقة البروج أكبر خط في الفلك وعرض الأرض من القطب الجنوبيّ الذي يدور حوله سهيل إلى القطب الشماليّ الذي يدور حوله بنات نعش، فاستدارة الأرض في موضع خط الاستواء ثلاثمائة وستون درجة والدرجة خمسة وعشرون فرسخاً والفرسخ اثنا عشر ألف ذراع والذراع أربع وعشرون إصبعاً والإصبع ست حبات شعير مصفوفة بطون بعضها إلى بعض يكون ذلك تسعة آلاف فرسخ). وأشار الرحالة والجغرافي ابن رستة  (القرن الثالث الهجري) إلى كروية الأرض وأنها  معلقة في جوف الفلك ويحيط بها الهواء من كل نواحيها وذلك في كتابه الأعلاق النفيسة  فقال (الله عز وجل وضع الفلك مستديرًا كاستدارة الكرة أجوف دوارًا  والأرض مستديرة أيضًا كالكرة مصمتة في جوف الفلك قائمة في الهواء يحيط بها الفلك من جميع نواحيها بمقدار واحد من أسفلها وأعلاها وجوانبها كلها فهي في وسطها كالمحة في البيضة).

 وقد شرح إخوان الصفا  (القرن الثالث الهجري)  في رسائلهم   كروية الأرض واستقرار الماء على سطحها وأن جهة الأسفل هو مركز الأرض بينما سطح الأرض من جميع جهاتها هو الأعلى فقالوا (والأرض جسم مدور مثل الكرة، وهي واقفة في الهواء بأن الله يجمع جبالها وبحارها وبراريها، وعماراتها وخرابها، والهواء يحيط بها من جميع جهاتها شرقيها وغربيها وجنوبها وشمالها ومن ذا الجانب، ومن ذلك الجانب، ومركزهـا هـي نقطـة متوهمـة في عمقهــا علــى نصــف القطــر وبعدهــا مــن ظاهر ســطح الأرض ومــن ســطح البحــر مــن جميــع الجهــات متســاو،  لأن الأرض بجميــع البحــار التــي علــى ظهرهــا كــرةٌ واحــدة وليــس شــيء من ظاهر ســطح الارض مــن جميــع جهاتهــا هــو أســفل الأرض كمــا يتوهــم كثيــر مــن النــاس، ممــن ليــس لــه رياضــة بالنظــر في علــم الهندســة والهيئــة، وذلــك أنهــم يتوهمــون ويظنــون بأن ســطح الأرض مــن الجانــب المقابــل لموضعنــا هــو أســفل الأرض، وأن  نصــف الهــواء المحيــط بذلــك الجانــب هــو أيضــا  أسـفل مـن الأرض،  وأن النصف  مـن فلـك القمـر المحيـط بالهـواء هـو أيضـا أسفل من الهواء، وهكـذا سـائر طبقـات الأفـلاك كل واحـد أسـفل مـن الآخـر حتـى يلـزم أن أسـفل السـافلين هـو نصـف الفلـك المحيـط هو الذي أعلى عليين في  دائـم الأوقـات، وليـس الأمر كمـا توهمـوا لأن هـذا رأي يتعقلـه الإنسـان مـن الصبـا بالتوهـم بغيـر رويـة ولا برهـان، فـإذا ارتـاض الإنسـان في علـم الهيئـة والهندسـة تبـين لـه أن الأمــر بخــلاف مــا توهـم قبــل، وذلك أن أســفل الأرض بالحقيقــة هــو نقطـة وهميـة في عمـق الأرض علـى نصـف قطرهـا وهـو الـذي يسـمى مركـز العالـم، وهـو عمـق باطنهـا ممـا يلـي مركزهـا مـن أي جانـب كان مـن الأرض لأن مركــز الأرض هــو أســفل الســافلين، فأمــا ســطحها الظاهــر الممــاس للهـواء، وسـطح البحـار مـن جميـع الجهـات فهـو فـوق، والهـواء المحيـط أيضـا مــن جميــع الجهــات).

أما عالم الطبيعة المسلم أبو الريحان البيروني (القرن الرابع الهجري) فقد تمكن  من قياس نصف قطر الكرة الأرضية  بالاعتماد على ظاهرة  توسع الأفق مع الإرتفاع.  فقد قام البيروني بعبقريته الفذة  باستخدام طريقة جديدة وبسيطة لقياس نصف قطر الأرض. ولقد اختار البيروني جبل عالي في وسط صحراء مفتوحة ومنبسطة  وقام بقياس ارتفاع الجبل عن سطح الأرض وقياس الزاوية بين الخط العمودي المار برأس الجبل والخط الواصل بين رأس الجبل (الخط المماس للأرض) وخط الأفق ومن ثم استخدم معادلة المثلت القائم الزاوية  التي تقع رؤوسه عند رأس الجبل ونقطة المماس ومركز الأرض لحساب نصف قطر الأرض. وقد بلغ طول نصف قطر الأرض حسب طريقة  البيروني 6339,6 كيلومتر  وهي أقل بمقدار 31,4 كيلومتر  عن القيمة الوسطية الحديثة والبالغة 6371 كيلومتر. لقد قطع البيروني بهذه الطريقة الفريدة  أي شك في كون الأرض كروية وذلك بسبب اتفاق طريقتين مختلفتين للحصول على نفس النتيجة تقريبا والطريقة الأولى هي التي استخدمها الفيلسوف اليوناني إراتوستينس كما شرحنا سابقا.  وقد شرح البيروني كذلك أحد الأدلة التي تؤكد كروية الأرض والذي ينفي أن يكون سطح الأرض مستقيما أو مقعرا بل لا بد أن يكون محدبا فقال (وقـد أثبـت أن الامتـداد في اتجاهات  الشــرق والغــرب والجنــوب والشــمال محــدب الشــكل وليــس مســتقيما ولا مقعرا، إذ لـو كان الامتـداد مـن الشـرق إلـى الغـرب مسـتقيما  لشـاهد جميـع  ســكان البلاد القاطنـيـن في هــذا الاتجــاه شــروق الاجــرام الســماوية في الوقت نفسه،  ولـو كان الامتـداد مقعـرا أي منحنيا إلى الداخل لاختلفت أوقـات الشـروق بشـكل فعلـي بـين بلـد وآخـر ولـكان سـكان البـلاد الغربيـة سيشــاهدون شــروقها قبــل البـلاد الشــرقية؛ وفي حــال التحديــب الشــبيه بسـطح كـرة فـإن مـا يحـدث هـو مشـاهدة سـكان البـلاد الشـرقية للاجـرام قبـل الغربيـة).

واستدل الجغرافي اليمني ابن الحائك  الهمداني (القرن الرابع الهجري) على كروية الأرض من اختلاف رؤية النجوم من مناطق الأرض المختلفة فقال (اعلــم أن الأرض ليســت بمنســطحة، ولا ببســاط مســتوي الوسـط والأطـراف، ولكنهـا مقببـة، وذلـك التقبيـب لا يبـين مـع السـعة، إنمـا يبـين تقبيبهـا بقياسـاتها إلـى أجـزاء الفلـك، فيقطـع منهـا أفـق كل قـوم علـى خـلاف  مـا يقطـع عليـه أفـق الآخريـن طولا وعرضا في جميـع العمـران، ولذلـك يظهـر  علــى أهــل الجنــوب كواكــب لا يراهــا أهــل الشــمال، ويظهــر علــى أهــل الشــمال  مـا لا يـراه أهـل الجنـوب ويكـون عنـد هـؤلاء نجـوم أبديـة الظهـور والمسـير حـول القطــب، وهــي عنــد أولئــك تظهــر وتغيــب، ....فذلـك دليـل علـى تدويـر موضـع المسـاكن والأرض، وأن دوائـر الأفـق متخالفـة في جميـع بقـاع العامـر، ولـو كان سـطح الأرض صفيحـة، لـكان منظـر سـهيل وبنـات  نعـش واحـدا).  وأشار ابـن الفقيـه الهمذانـي (القرن الرابع الهجري)  إلى أحد أهم البراهــين التي تدل علــى كرويــة البحــر وبالتالي كروية الأرض وهو إختفاء الجبال للناظر إليها من على ظهر سفينة مبتعدة عن الشاطيء فقال (وزعمـوا أن البحـر أيضـا  كروي مدور، وبرهان ذلــك أنــك إذا لججــت فيــه غابــت عنــك الأرض والجبــال شــيئا ًبعد شيئ حتى خفي ذلك كله،  ولا ترى شيئا مـن شـوامخ الجبـال. فـإذا أقبلـت نحـو الساحل ظهـرت لـك قلـل الجبـال وأجسـامها شـيئا  بعد شئ، فإذا قربت من الساحل، ظهـرت الأرض والأشـجار). ووصف المطهــر بــن طاهــر المقدســي  (القرن الرابع الهجري) كروية الأرض وصفا دقيقا وأشار كذلك إلى دوران الأرض  فقال (وقــال قــوم إن الــذي يرى من دوران الكواكـب إنمـا هـو دوران الأرض لا دوران الفلـك والـذي يعتمده جماهيرهم أن  الأرض مسـتديرة كالكـرة وأن السـماء محيطـة بهـا مـن كل جانـب إحاطـة البيضـة بالمحة فالصفـرة بمنزلـة الأرض وبياضهـا بمنزلـة الهـواء وجلدهـا بمنزلـة السـماء، غيـر أن خلقهـا ليـس فيـه اسـتطالة كاسـتطالة البيضـة بـل هـي مسـتديرة كاسـتدارة الكـرة المسـتوية الخـرط حتـى قـال مهندسـوهم لـو حفـر في الوهـم وجـه الأرض لأدى إلـى الوجـه الآخـر ولـو نقـب مثـلا بفوشـنج لنفـذ بـأرض الصـين. قالـوا والنـاس علـى وجـه الأرض كالنمـل علـى البيضـة واحتجــوا لقولهــم بحجــج كثيــرة منهــا برهانــي ومنهــا إقناعــي).  وقد أورد  محمـد بـن حْوَقـل  (القرن الرابع الهجري)  وصف بطلميـوس لكرويــة الأرض وأبعادها وخطوط طولها وعرضها فقــال (حكي عــن بطلميــوس أن عــرض الأرض مــن القطـب الجنوبـي الـى القطـب الشـمالي الـذي تـدور عليـه بنـات نعـش وقـال واســتدارة الفلــك علــى الأرض في مــكان خــط  الاســتواء ثلاثمائــة وســتون درجة والدرجـة خمسـة وعشـرون فرسـخا  والفرسـخ اثنـا عشـر ألـف ذراع والـذراع أربـع وعشـرون إصبعـا والاصبـع سـت حبـات شـعير مصفوفـة بطـون بعضهـا إلـى بعـض. قـال: ويكـون ذلـك تسـعة آلاف فرسـخ. وقـال: وبـين خــط الاســتواء وكل واحــد مــن القطبــن تســعون درجــة واســتدارتها مثــل ذلـك وقـال: والعمـارة في الأرض بعـد خـط الاسـتواء أربـع  وعشـرون درجـة والباقـي قـد غمـره مـاء البحـر الكبيـر المحيط).

ووصف الحسن بن الهيثم (القرن الخامس الهجري)  كروية الأرض وكيفية استقرار الماء على سطحها الكروي فقال (وشكل الأرض بكليتها  وجميع أجزائها شبيه بالكرة، لكن سطحها ليس بصحيح الاستدارة بل فيه  تضاريس ليس الذي يعرض فيه من تأثيرات الأجرام السماوية، إلا أن ذلك ليس بمبطل لكرويتها ولا يخرجها عن شكلها، بل هي بالإضافة إلى جملتها كالخشونة العارضة في سطح بعض الأكر الصغار؛ فالأرض بجملتها كرةٌ مستديرةٌ  مركزها مركز العالم وهي مستقرة في وسطه، ثابتة فيه غير منتقلة ٍإلى جهة من الجهات، ولا متحركة بضرب من ضروب الحركات بل هي دائمة السكون فأما الماء فإنه محيط بكرة الأرض إلا أن الماء لما كان ثقيلا وكانت حركته إلى مركزه وكانت كرة الأرض حاجز بينها وبين المركز صار في أقرب  الأماكن من المركز، فأحاط بكرة الأرض ولما كانت الأرض متشققة الظاهر وكان فيها مواضع منخفضة ومواضع مرتفعة فكان الماء من أجل ثقله يطلب  المركز وبأقرب من المركز صار بالطبع  منحدرا إلى المواضع المنخفضة فبقيت المواضع المرتفعة منكشفة كالجزائر التي تكون في وسط البحر والماء محيط بها). وساق إبن سينا (القرن الخامس الهجري) بعض الأدلة على كروية الأرض والكيفية التي يستدير بها الماء على سطح كروي  فقال (وأمـا السـطح الـذي يلـي الأرض، أو يلي جسـما يلـي الأرض، فيشـبه أن يعـرض لـه هـذا الانثلام بالمخالطـة المضرسـة، ومـا كان رطبـا سـيالا فـإن سـطحه الـذي يلـي رطبـا مثلـه يجـب أن يحفـظ شـكله الطبيعـي المستدير، ولـو لـم يكـن سـطح المـاء مسـتديرا  لكانـت السـفن إذا ظهـرت مـن بعـد، تظهــر بجملتهــا، لكــن تُــرى أصغــر، ولا يظهــر منهــا أولا جــزء دون جــزء؛ وليــس الأمر كذلك بل إنما يظهر أولا طــرف الســكان ثــم صــدر الســفينة. ولو كان الماء مسـتقيم السـطح لـكان الجـزء الوسـط منـه أقـرب إلـى المركـز المتحـرك إليـه بالطبــع مــن الجزئـيـن الطرفـيـن؛ فــكان يجــب أن يميــل الجـزءان الطرفــان إلــى الوسـط، وإن لـم يكـن ذلـك ليصلا إليـه، كمـا قلنـا؛ بـل ليكـون لهمـا إليـه النسـبة المتشـابهة المذكـورة؛ وتلـك النسـبة لا مانـع لهـا، في طبـاع المـاء عـن أن تنـال بتدافـع أجزائـه إلـى المركـز تدافعا متساويا فحينئـذ يكـون بعـد سـطحه عـن المركـز بعـدا  واحدا فيكون مسـتديرا). وقد أكد ابن حزم  الظاهري الأندلسي (القرن  الخامس الهجري)  في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل على إجماع القرآن والسنة وأئمة المسلمين على كروية الأرض فقال (وذلك أنهم قالوا إن البراهين قد صحت بأن الأرض كروية والعامة تقول غير ذلك وجوابنا وبالله تعالى التوفيق:  إن أحدا من أئمة المسلمين المستحقين لاسم الإمامة بالعلم رضي الله عنهم لم ينكروا تكوير الأرض ولا يحفظ لأحد منهم في دفعه كلمة بل إن البراهين من القرآن والسنة قد جاءت بتكويرها قال الله عز وجل: (يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل )(الزمر 5). وهذا أوضح بيان في تكوير بعضها على بعض مأخوذٌ من كور العمامة وهو إدارتها وهذا نص على تكوير الأرض ودوران الشمس).

وأشار الفيلسوف أبو بكر بــن طفيــل (القرن السادس الهجري)  إلى أن الشمس كروية كما هي الأرض وهي أكبر بكثير من الأرض وأنها تضيء نصف سطح الأرض المقابل لها فقال (وقــد ثبــت في  علــوم التعاليــم بالبراهــن القطعيـة، أن  الشـمس كرويـة الشـكل وأن الأرض كذلـك، وأن الشـمس أعظـم مـن الأرض كثيرا وأن الـذي يسـتضيء مـن الشـمس أبـدا هـو أعظـم مـن نصفهـا، وأن هـذا النصـف المضـيء مـن الأرض في كل وقـت أشـد مـا يكـون الضـوء في وسـطه، لأنه  أبعـد المواضـع مـن المظلمـة، ولإنه يقابـل مـن الشـمس أجـزاء أكثـر، ومـا قـرب مـن المحيـط كان أقـل ضـوء حتـى ينتهـي إلـى الظلمـة عنـد محيـط الدائـرة الـذي مـا أضـاء موقعـه مـن الأرض قـط، وإنمـا يكـون الموضـع وسـط دائـرة الضيـاء إذا  كانـت الشـمس علـى سـمت رؤوس السـاكنين فيـه، وحينئـذ تكـون الحـرارة في ذلـك الموضـع أشـد مـا يكـون، فـإن كان الموضـع ممـا تبعـد الشـمس عـن مسـامتة رؤوس أهله كان شــديد البــرودة جــدا وإن كان ممــا تــدوم فيــه المســامتة كان شــديد  الحــرارة، وقــد ثبــت في علــم الهيئــة أن بقــاع الأرض التــي علــى خــط الاســتواء لا تســامت الشــمس رؤوس أهلهــا ســوى مرتــن في العــام عنــد حلولهــا بــرأس الحمـل، وعنـد حلولهـا بـرأس الميـزان؛ وهـي في سـائر العـام سـتة أشـهر جنوبـا منهـم وسـتة أشـهر شمالا منهـم فليـس عندهـم حـر مفـرط  ولا بـرد مفـرط).   وقد وصف الشريف الإدريسي (القرن السادس الهجري) كروية الأرض وجاذبيتها في كتابه نزهة المشتاق في اختراق الآفاق فقال (إن الأرض مدورة كتدوير الكرة، والماء لاصق بها وراكد عليها ركودًا طبيعيّاً لا يفارقها، والأرض والماء مستقران في جوف الفلك كالمح (الصفار) في جوف البيضة. ووضعهما وضع متوسط، والنسيم محيط بهما من جميع جهاتهما، وهو جاذب لهما إلى جهة الفلك، أو دافع لهما. والله أعلم بحقيقة ذلك، والأرض مستقرة في جوف الفلك وذلك لشدة سرعة حركة الفلك، وجميع المخلوقات على ظهرها، والنسيم جاذب لما في أبدانهم من الخفة، والأرض جاذبة لما في أبدانهم من الثقل، بمنزلة حجر المغنطيس الذي يجذب الحديد إليه).  

وقد أكد ابن الجوزي الحنبلي (القرن السادس الهجري)  في كتابه المنتظم في تاريخ الملوك والأمم إجماع العلماء على كروية الأرض فقال (وَكَذَلِكَ أجمعوا عَلَى أَن الأَرْض بجميع أجرامها من البرد مثل الكرة، ويدل عَلَيْهِ أَن الشمس والقمر والكواكب لا يوحد طلوعها وغروبها عَلَى جميع من فِي نواحي الأَرْض فِي وقت واحد، بَل عَلَى المشرق قبل المغرب، وكرة الأَرْض مثبتة فِي وسط كرة السماء كالنقطة من الدائرة. عَلَى ذَلِكَ أَن جرم كُل كوكب يرى فِي جميع نواحي السماء عَلَى قدر واحد، فيدل عَلَى ذَلِكَ أَن مَا بَيْنَ السماء وَالأَرْض من جميع الجهات بقدر واحد، كاضطرار أَن تكون الأَرْض وسط السماء). وقال فخرالدين الرازي  (القرن السابع الهجري) في تفسيره مفاتح الغيب عند تفسيره لقوله تعالى (وَهُوَ ٱلَّذِی مَدَّ ٱلۡأَرۡضَ) (الأوَّلُ: أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ أنَّ الأرْضَ كُرَةٌ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ المُكابَرَةُ فِيهِ؟ فَإنْ قالُوا: وقَوْلُهُ ﴿مَدَّ الأرْضَ يُنافِي كَوْنَها كُرَةً، فَكَيْفَ يُمْكِنُ مَدُّها؟
قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّ الأرْضَ جِسْمٌ عَظِيمٌ، والكُرَةُ إذا كانَتْ في غايَةِ الكِبَرِ كانَ كُلُّ قِطْعَةٍ مِنها تُشاهَدُ كالسَّطْحِ، والتَّفاوُتُ الحاصِلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّطْحِ لا يَحْصُلُ إلّا في عِلْمِ اللَّهِ، ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿والجِبالَ أوْتادًا﴾ [النَّبَأِ: ٧] فَجَعَلَها أوْتادًا مَعَ أنَّ العالَمَ مِنَ النّاسِ يَسْتَقِرُّونَ عَلَيْها فَكَذَلِكَ هاهُنا.).

أما شيخ الإسلام ابن تيمية ( القرن الثامن هجري ) فقد أكد في بداية في مجموع الفتاوى على إجماع علماء الإسلام المعروفين على كروية الأرض فقال (لا أَعْلَمُ فِي عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْمَعْرُوفِينَ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ -يقصد كروية الأرض-، إلا فِرْقَةٌ يَسِيرَةٌ مَنْ أَهْلِ الْجَدَلِ لَمَّا نَاظَرُوا الْمُنَجِّمِينَ فَأَفْسَدُوا عَلَيْهِمْ فَاسِدَ مَذْهَبِهِمْ فِي الأَحْوَالِ وَالتَّأْثِير.ِ خَلَطُوا الْكَلامَ مَعَهُمْ بِالْمُنَاظَرَةِ فِي الْحِسَابِ، وَقَالُوا عَلَى سَبِيلِ التَّجْوِيزِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُرَبَّعَةً أَوْ مُسَدَّسَةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ; وَلَمْ يَنْفُوا أَنْ تَكُونَ مُسْتَدِيرَةً لَكِنْ جَوَّزُوا ضِدَّ ذَلِكَ... وَمَا عَلِمْتُ مَنْ قَالَ إنَّهَا غَيْرُ مُسْتَدِيرَةٍ – وَجَزَمَ بِذَلِكَ – إلا مَنْ لا يُؤْبَهُ لَهُ مِنْ الْجُهَّالِ). وقام أيضا بتفسير  ظاهرة بقاء ماء البحار والمحيطات ملتصفا بسطح الأرض الكروية ومتكورا مع تكورها بسبب الجاذبية ووضح مفهوم العلو والسفل فقال  في المجلد الخامس من مجموع الفتاوي ( اعْلَمْ أَنَّ "الْأَرْضَ" قَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا كُرَوِيَّةُ الشَّكْلِ وَهِيَ فِي الْمَاءِ الْمُحِيطِ بِأَكْثَرِهَا؛ إذْ الْيَابِسُ السُّدُسُ وَزِيَادَةٌ بِقَلِيلِ وَالْمَاءُ أَيْضًا مُقَبَّبٌ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ لِلْأَرْضِ وَالْمَاءُ الَّذِي فَوْقَهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ كَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا مِمَّا يَلِي رُءُوسَنَا وَلَيْسَ تَحْتَ وَجْهِ الْأَرْضِ إلَّا وَسَطُهَا وَنِهَايَةُ التَّحْتِ الْمَرْكَزُ؛ فَلَا يَكُونُ لَنَا جِهَةٌ بَيِّنَةٌ إلَّا جِهَتَانِ: الْعُلُوُّ وَالسُّفْلُ وَإِنَّمَا تَخْتَلِفُ الْجِهَاتُ بِاخْتِلَافِ الْإِنْسَانِ. فَعُلُوُّ الْأَرْضِ وَجْهُهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. وَأَسْفَلُهَا مَا تَحْتَ وَجْهِهَا - وَنِهَايَةُ الْمَرْكَزِ - هُوَ الَّذِي يُسَمَّى مَحَطَّ الْأَثْقَالِ فَمِنْ وَجْهِ الْأَرْضِ وَالْمَاءُ مِنْ كُلِّ وُجْهَةٍ إلَى الْمَرْكَزِ يَكُونُ هُبُوطًا وَمِنْهُ إلَى وَجْهِهَا صُعُودًا).  وأشار الفلكي محمود بن الجغميني (القرن الثامن الهجري)   إلى ترتيب الأجرام السماوية من حيث بعدها عن الأرض فقال (والأفلاك كلها كروية الأشكال  وهذه الكرات يحيط بعضها ببعض والأرض في الوسط ثم الماء فهو محيط بها ثم الهواء ثم النار ثم فلك القمر ثم فلك عطارد ثم فلك الزهرة ثم فلك الشمس ثم فلك المريخ ثم فلك المشتري ثم فلك زحل ثم فلك الثوابت ثم فلك الأفلاك ويسمى الفلك الأعظم وهو الفلك المحيط بجميع الأجسام ليس وراءه شيء لا خلاء  ولا ملاء، وكل محيط يماس المحاط  به الذي يليه في الترتيب المذكور وعلى جملة هذه الأجسام من العناصر والأفالك وما فيها يطلق اسم العالم).  وشرح ابن خلدون  (القرن التاسع الهجري) في مقدمته  كروية الأرض واستقرار الماء على سطحها ومفهوم الفوق والتحت فقال (اعلم أنّه قد تبيّن في كتب الحكماء الناظرين في أحوال العالم أنّ شكل الأرض كرويّ وأنها محفوفة بعنصر الماء كأنّها عنبة طافية عليه، فانحسر الماء عن بعض جوانبها، لما أراد الله من تكوين الحيوانات فيها وعمرانها بالنوع البشريّ الّذي له الخلافة على سائرها، وقـد يتوهـم مـن ذلـك أن المـاء تحـت الأرض وليـس بصحيـح وإنمـا التحـت  الطبيعـي قلـب بـالأرض ووسـط كرتهـا الـذي هـو مركزهـا والـكل يطلبـه بمـا  فيــه مــن الثقــل ومــا عــدا ذلــك مــن جوانبهــا وأمــا  المــاء المحيــط بهــا فهــو فـوق الأرض وإن قيـل في شـيء منهـا إنـه تحت الأرض فبالإضافـة إلـى جهـة أخـرى منـه).

مواصفات الأرض وموقعها في هذا الكون

يقدر العلماء قطر الكون المشاهد وهو الكون الذي يمكن أن تراه المراصد الفلكية بما يقرب من 92 بليون سنة ضوئية بينما يبلغ عمره 13,7 بليون سنة. ويقدر العلماء بشكل تقريبي عدد المجرات فيه بثلاثمائة بليون مجرة وتحتوي كل مجرة في المتوسط على مائة بليون نجم وما يتبع هذه النجوم من كواكب وأقمار.  ويبلغ متوسط المسافة بين مجرتين متجاورتين 2,5مليون سنة ضوئية أو ما يعادل 23 بليون بليون كيلومتر  أما متوسط المسافة بين نجمين متجاورين فتبلغ في المتوسط  سنتين ضوئيتين أو ما يعادل 19 ألف بليون كيلومتر وأما المسافة بين الكواكب المتجاورة فتقاس بعشرات الملايين من الكيلومترات. أما بعد الأجرام السماوية عن الأرض فأقربها القمر  وهو يبعد عن الأرض  384 ألف كيلومتر  ويبعد أقرب الكواكب للأرض وهي  الزهرة  42 مليون كيلومتر وتبعد الشمس عن الأرض  150 مليون كيلومتر  بينما يبعد أقرب النجوم إلي الأرض وهو النجم ألفا سنتوريا (Alpha Centauri)  4,23 سنة ضوئية أو 1,3 فرسخ فلكي أو ما يعادل 40 ألف بليون كيلو متر . أما أقرب المجرات إلينا فهي مجرة المرأة المسلسلة  أو الأندروميدا (Andromeda)  وهي تبعد 2,36 مليون سنة ضوئية أو ما يعادل 22 بليون بليون كيلومتر، ويبلغ قطر المجموعة الشمسية تسع ساعات ضوئية أو ما يعادل 10 بليون كيلومتر بينما يبلغ قطر مجرة درب التبانة مائة ألف سنة ضوئية أو ما يعادل 946 مليون بليون كيلومتر. أما السرعات التي تتحرك بها هذه الأجرام في الفضاء فهي في غاية الضخامة فعلى سبيل المثال فإن الأرض تدور حول الشمس بسرعة 108 آلاف كيلومتر في الساعة والشمس تدور حول مركز المجرة يسرعة 800 ألف كيلومتر في الساعة أما مجرة درب التبانة فتندفع  بسرعة تزيد عن مليوني كيلومتر في الساعة. 

لقد اختار الله عز وجل مجرة درب التبانة من بين هذه المجرات واختار الشمس من بين نجومها واختار الأرض من بين  كواكب االمجموعة لشمسية لتكون المكان الذي ستظهر عليه الحياة. وتتكون المجموعة الشمسية  من الشمس التي تدور حولها تسعة كواكب وهي من حيث بعدها  عن الشمس عطارد  والزهرة  والأرض  والمريخ  والمشتري  وزحل  وأورانوس  ونبتون  وبلوتو.  والشمس  نجم متوسط الحجم يبلغ نصف قطرها سبعمائة ألف كيلومتر أيّ أن حجمها يزيد عن حجم الأرض بمليون وثلاثمائة ألف مرة وتبلغ قدرتها الإشعاعية أربعمائة بليون بليون ميجاواط . وتولد الشمس هذه الطاقة الهائلة من خلال صهر ما يقرب من أربعة ملايين طن من الهيدروجين في الثانية الواحدة وذلك على شكل تفاعل نووي حراري يتم فيه تحويل ذرتي هيدروجين إلى ذرة هيليوم واحدة وتحويل فرق الكتلة إلى طاقة. ومن عجائب التقدير أن درجة حرارة سطح الشمس يبلغ ستة آلاف درجة مئوية وقد تبين أن درجة الحرارة هذه تعطي طيف إشعاع يتمركز حول الجزء المرئي من الطيف الكهرومغناطيسي والذي يتوافق تماما مع متطلبات الكائنات الحية من الإشعاع الشمسي الذي يستخدم  في عملية التمثيل الضوئي وكذلك في نظام الإبصار المستخدم في كثير من أنواع الكائنات الحية. وعلى الرغم من بعد الأرض الكبير عن الشمس إلا أن كمية الطاقة التي تسقط على المتر المربع الواحد من سطح الأرض عند خط الاستواء يبلغ ألف وخمسمائة وات وهذه الكمية من الطاقة كافية لحفظ درجة حرارة سطح الأرض عند خمسة عشر درجة مئوية في المتوسط.

وتدور الأرض دورة كاملة حول محورها الممتد  بين القطبين في يوم شمسي واحد والذي يقدر بأربعة وعشرين ساعة. ويميل محور دوران الأرض عن الخط العمودي على مستوى دوران الأرض حول الشمس بزاوية مقدارها ثلاث وعشرون درجة ونصف الدرجة تقريبا. ودوران الأرض حول هذا المحور المائل يلزم لتعريض جميع سطحها لضوء الشمس من خلال تعاقب الليل والنهار عليها وكذلك لتعريض قطبي الأرض الشمالي والجنوبي لضوء الشمس الذي لا يمكنه الوصول إليهما فيما لو بقي محور الدوران ثابتا على الاتجاه العمودي. ويلزم الميل كذلك لتغيير درجات حرارة سطحها بشكل دوري من خلال تغيير اتجاه حركة الرياح والتي توزع الأمطار على معظم أجزاء سطح اليابسة. ويعمل كذلك على نشوء ظاهرة الفصول الأربعة الضرورية لضبط دورة حياة كثير من النباتات وكذلك يعمل على توفير أنواع متعددة من الظروف المناخية تساعد على  ظهور طيف واسع من أشكال الكائنات الحية على الأرض. ويدور حول الأرض قمرا طبيعيا في مدار بيضاوي متوسط قطره 384 ألف كيلومتر  بسرعة متوسطة تبلغ  3679 كم في الساعة.  ويكمل القمر  دورة كاملة حول مداره في 27,3216 يوما وهو طول الشهر القمري الحقيقي ولكن نظرا لحركة الأرض حول الشمس فإن طول الشهر القمري بالنسبة للراصد الأرضي يبلغ 29,530589 يوما وهو ما يسمى بالشهر القمري الظاهري.  ويبلغ طول السنة القمرية المكونة من 12 شهرا ما مقداره  354,367068 يوما بينما يبلغ طول السنة الشمسية 365,2422 يوما أي بفارق 10,875 يوما. ويميل مستوى مدار القمر   عن مستوى مدار الأرض حول الشمس بمقدار 5,145 درجة ولهذا  فإن كسوف الشمس وخسوف القمر لا يحدثان بشكل متكرر في كل شهر قمري مرة.

وتدور الأرض حول الشمس في مدار بيضاوي يبلغ متوسط نصف قطره  150 مليون كم تقريبا وتكمل الأرض دورتها حول الشمس في 365 يوم وربع اليوم تقريبا وبسرعة مدارية متوسطة تبلغ 30 كم في الثانية تقريبا.  والأرض لها شكل كروي بتبعج ضئيل حول خط الإستواء حيث يبلغ متوسط نصف قطرها 6371 كم وعند خط الإستواء 6378 كم وعند القطبين 6357 كم أي بفارق 21 كم وهذا تبعج لا يكاد يلاحظ بالعين البشرية عند رؤية الأرض من الفضاء الخارجي. ويبلغ وزن الأرض ستة آلاف بليون بليون طن تقريبا (5.98×1024 kg) ومتوسط كثافتها 5,5 غرام لكل سنتيمتر مكعب (5.515 g/cm3). وتحتوي الأرض على جميع عناصر الطبيعة البالغة 92 عنصرا ولكن بنسب متفاوته حيث يشكل الحديد 32 % من وزن الأرض يليه الأوكسجين بنسبة 30% ثم السيليكون بنسبة 15% ثم المغنيسيوم بنسبة 14 % ثم الكبريت بنسبة 3 % ثم النيكل والكالسيوم بنسبة 2 % لكل منهما ثم الألمنيوم بنسبة 1 % بينما تشكل العناصر المتبقية النسبة المتبقية وهي 1 %. تتكون الأرض من ثلاثة طبقات رئيسية وهي القشرة (crust) والوشاح (mantle) والقلب (core). فالقشرة هي الطبقة الخارجية للأرض وهي طبقة صلبة يتراوح سمكها بين خمسة كيلومترات وسبعين كيلومتر وهي رقيقة جدا إذا ما قورنت بنصف قطر الكرة الأرضية الذي يبلغ 6378 كيلومتر أي أنها كنسبة وتناسب أرق من قشرة البيضة.

 

الأدلة على كروية الأرض

لقد اعتمد علماء الطبيعة القدامي والمحدثين على عشرات الظواهر الطبيعية لإثبات كروية الأرض من خلال استخدام طرق هندسية ورياضية مختلفة. وفي ما  يلي شرح مختصر لكثير  من الأدلة العلمية المعتمدة على الظواهر الطبيعية والأدلة العملية المعتمدة على الوسائل التقنية الحديثة.

تعاقب شروق وغروب الشمس  واختلاف مطالعها

إن أول ما أثار  إهتمام  البشر  في طبيعة شكل الأرض هو  طلوع الشمس من المشرق وتحركها في السماء باتجاه الغرب لمدة نصف يوم حتى تغيب ومن ثم طلوعها من جديد من المشرق بعد غياب لمدة نصف يوم تقريبا. ومع استبعاد فكرة طلوع شمس جديدة كل يوم فإن التفسير المنطقي لهذه الظاهرة هو إما أن الشمس قد دارت حول  الأرض أو أن الأرض قد دارت حول محورها لينتج بذلك ظاهرة الليل والنهار. ومن خلال الاستدلال بظواهر فلكية آخرى تبين أن الأرض هي التي تدور حول محورها مرة كل يوم ولكن يبدو ظاهريا أن الشمس هي التي تدور حول الأرض بسبب بعدها الهائل عن المشاهد على الأرض.  ومن الظواهر التي يعرفها معظم الناس أن مكان شروق وغروب الشمس يتغير يوميا حيث تشرق الشمس من الشرق تماما عند الاعتدال الربيعي ثم يتحرك مكان الشروق شمالا حتى يصل إلى أقصى نقطة عند الانقلاب الصيفي ثم يعود إلى الجنوب حتى يصل إلى الشرق تماما عند الاعتدال الخريفي ثم يتحرك جنوبا حتى يصل إلى أقصى نقطة عند الانقلاب الشتوي ليعود بعدها شمالا حتى يصل إلى الشرق تماما في الاعتدال الربيعي بعد مرور سنة شمسية كاملة.  إن هذه الظاهرة تم تفسيرها بعد معرفة أن الأرض كروية وأنها تدور حول الشمس مرة واحدة كل سنة وأن محور دوران الأرض يميل بزاوية تبلغ 23.5 درجة عن العمود القائم على مستوى دوران الأرض حول الشمس.

الدوران الظاهري اليومي لأجرام السماء وأشكالها الكروية

مما لفت إنتباه العلماء عند مراقبة حركة الأجرام السماوية أن جميعها باستثناء بعض النجوم تكمل دورتها الظاهرية حول الأرض في مدة يوم واحد.  وبما أن هذه الأجرام تتفاوت تفاوتا كبيرا في بعدها عن الأرض وكذلك في أحجامها وكتلها فإنه من المستحيل أن تكمل هذه الأجرام جميعها دوراتها في يوم واحد.  وفي هذا الحال فإن الحل المنطقي لهذه الظاهرة الغريبة هو أن الأرض هي التي لا بد أن  تدور حول محورها في مدة يوم واحد وأن دوران هذه الأجرام حول الأرض هو دوران ظاهري وليس حقيقي.  يمكن للمشاهد بالعين المجردة أن يتأكد من أن الشمس والقمر لها شكل كروي وباستخدام التلسكوبات يمكنه التأكد من  أن جميع كواكب المجموعة الشمسية وكذلك النجوم لها أيضا شكل كروي. وعلى هذا فإنه من السهل الاستدلال أن الأرض لا بد وأن يكون لها شكل كروي كبقية أجرام السماء وخاصة أن حجمها مقارب لأحجام بقية الكواكب وذلك على عكس ما يعتقد مدعي الأرض المسطحة بأن الأرض هي أكبر ما في هذا الكون.

شذوذ الحركة الظاهرية لبعض الأجرام السماوية

 من النجوم التي تشذ عن الدوران الظاهري اليومي حول الأرض هي النجوم التي تقع حول امتداد محور دوران الأرض أي باتجاه القطبين الشمالي والجنوبي حيث أنها تبدو  ثابتة في مكانها على مدار اليوم. فالنجم القطبي الشمالي يقع تماما على امتداد محور دوران الأرض والذي يشاهده في الليل من النصف الشمالي للكرة الأرضية يراه ثابتا لا يتحرك ولذلك استخدمه البشر للاستدلال على اتجاه الشمال. إن مثل هذه الظاهرة لا يمكن تفسيرها إلا على افتراض أن الأرض كروية وأنها تدور حول محورها كل يوم مرة. ولاحظ العلماء أيضا أن بعض الأجرام السماوية كالقمر وكواكب المجموعة الشمسية تبدي بعض الشذوذ في حركتها الظاهرية حول الأرض. فالقمر على سبيل المثال يدور ظاهريا حول الأرض في يوم واحد من الشرق إلى الغرب كما هو الحال مع بقية الأجرام إلا أنه يتحرك من الغرب إلى الشرق بمقدار  13 درجة تقريبا كل يوم. وقد تم تفسير هذه الظاهرة بكل سهولة بعد معرفة أن الأرض تدور حول محورها من الغرب إلى الشرق دورة واحدة في اليوم وأن القمر أيضا يدور حول الأرض من الغرب إلى الشرق دورة واحدة في كل شهر  قمري. ولقد تم أيضا تفسير الحركات الشاذة لكواكب المجموعة الشمسية بعد معرفة أن الأرض وهذه الكواكب تدور حول الشمس في مدارات مختلفة وتكمل دوراتها كذلك بمدد مختلفة.

إختلاف طول الليل والنهار واختلاف طول الظلال  

لقد لاحظ البشر  أن مجموع طول كل من الليل والنهار  يساوي رقما ثابتا وهو 24 ساعة إلا أن نسبة طولهما يتغير  بمقدار يعتمد على الموقع الجغرافي وكذلك على تاريخ اليوم في السنة. فعند المواقع المحيطة بخط الإستواء يتساوى طول الليل والنهار  تقريبا على مدار السنة بينما يتزايد طول النهار على حساب طول الليل كلما ابتعدنا عن خط الاستواء وذلك في فصل الصيف وعكس ذلك في فصل الشتاء. ويستثنى من ذلك المناطق المحيطة بقطبي الأرض الشمالي والجنوبي حيث يبلغ طول كل من الليل والنهار ستة أشهر وذلك فوق خط العرض 66.7 شمالا أو جنوبا. وبناء على حقيقة كروية الأرض وميل محور دورانها بمقدار 23.5 درجة  عن العمود القائم على مستوى دورانها حول الشمس تمكن العلماء من تحديد مواعيد شروق وغروب الشمس بدقة عالية  لأي مكان على سطح الأرض ولجميع أيام السنة.  إن مثل هذا التنبؤ الدقيق بمواعيد الشروق والغروب يؤكد صحة فرضيات كروية الأرض ودورانها حول محورها وحول الشمس ويدحض فرضية الأرض المسطحة التي لا يمكن لأنصارها  أن يقوموا بمثل هذه الحسابات. 

لقد تم دحض فكرة الأرض المسطحة من خلال قياس طول الظل عند خطوط عرض مختلفة وعند نفس خط الطول وفي نفس الوقت. ولقد وجد العلماء أن العلاقة بين طول الظل ومقدار خط العرض  دالة أسية (exponential function)  تبدأ بالصفر للخط الذي يقع تحت الشمس تماما وينتهي بطول لانهائي للخط الذي يتماس فيه شعاع الشمس مع سطح الأرض وهذا لا يتم إلا في فصل الشتاء. وعند حساب طول الظل نظريا على افتراض أن الأرض كروية الشكل وبمقدار القطر الصحيح تبين أن العلاقتين العملية  والنظرية متطابقتان تماما. وبسبب هذه الظاهرة يصل طول الليل إلى 24 ساعة في المناطق التي تقع شمال خط عرض ستة وستين درجة ونصف وذلك في الشتاء سواء كان ذلك في القطب الشمالي أو الجنوبي.  إن مثل هذه العلاقة الأسية لطول الظل لا يمكن الحصول عليها بأي شكل من الأشكال في نموذج الأرض  المسطحة فبحساب بسيط يتبين أن العلاقة خطية (linear). إن أول محاولة لقياس محيط الأرض كان بالاعتماد على هذه الظاهرة ففي القرن الثالث قبل الميلاد قام  الفلكي اليوناني إراتوستينس بقياس محيط الأرض من خلال قياس طول الظل في مدينة الاسكندرية عندما كانت الشمس متعامدة تماما على مدينة أسوان في مصر وكان النتيجة بنسبة خطأ لا تتجاوز عشرة بالمائة بسبب تدني الدقة في قياس المسافات.  وفي عام 830م كلف الخليفة المأمون العباسي مجموعة من العلماء المسلمين لقياس محيط الأرض من خلال قياس الظلال في مدينتي تدمر والرقة في سوريا وكانت النتيجة هي  40248 كيلومتر  وهو قريب جدا من الرقم الحالي وهو 40068 كيلومتر.

توسع الأفق مع الارتفاع

يعرف الأفق (Horizon) بأنه أقصى مسافة أو مدى يمكن أن ترى من الأرض من قبل مشاهد على ارتفاع ما  في منطقة مفتوحة خالية من المعيقات البصرية كما في البحار والصحارى. وعند نهاية هذه المسافة يرى  المشاهد خط التقاء السماء بالأرض.  ومن السهل باستخدام حساب المثلثات  اشتقاق علاقة بين مدى الأفق وارتفاع المشاهد في حالة الأرض الكروية ومع مقارنة نتائج هذه العلاقة مع القياسات العملية وجدت أنها متطابقة تماما مما يؤكد صحة افتراض كروية الأرض. وفي المقابل يجب أن يكون مدى الأفق لا نهائي على الأرض المسطحة بغض النظر عن الارتفاع وهو ما يناقض الواقع ولا يوجد حجة مقنعة لدى أنصار الأرض المسطحة لحل هذا التناقض. ويلاحظ تأثير  مدى الأفق في حالات كثيرة كاختفاء السفن في عرض البحر  عند ابتعادها عن الشاطيء واختفاء الطائرات عن شاشات الرادارات عند ابتعادها عن المطارات. وبناء على هذه الظاهرة  قام العالم المسلم أبو الريحان البيروني في أوائل القرن العاشر  بقياس نصف قطر الأرض حيث اختار  جبل عالي في وسط صحراء مفتوحة ومنبسطة  وقام بقياس ارتفاع الجبل عن سطح الأرض وقياس الزاوية بين الخط العمودي المار برأس الجبل والخط الواصل بين رأس الجبل وخط الأفق.  وباستخدم معادلة المثلت القائم الزاوية  قام بحساب نصف قطر الأرض الذي بلغ 6339,6 كيلومتر  وهي أقل بمقدار 31,4 كيلومتر  عن القيمة الوسطية الحديثة والبالغة 6371 كيلومتر.

إختلاف النجوم المشاهدة من مناطق الأرض

لفت انتباه الفيلسوف الشهير أرسطو  والذي عاش في القرن الرابع قبل الميلاد  إمكانية مشاهدة  بعض نجوم السماء من مصر وقبرص ولا يمكن مشاهدتها من الدول الأوروبية. ولقد فسر أرسطو  هذه الظاهرة بناء على كون الأرض كروية معطيا بذلك مزيد من الدعم لاقتراح الفيلسوف اليوناني فيثاغورس لفكرة  الأرض الكروية وذلك في منتصف القرن السادس قبل الميلاد. وقد قام الفلكيون فيما بعد برسم خرائط لجميع نجوم السماء المرئية من مخنلف مناطق الأرض  وأثبتوا أن النجوم التي يشاهدها سكان النصف الشمالي للأرض تختلف عن تلك التي يشاهدها سكان النصف الجنوبي.  وهذه الظاهرة تدحض أيضا فرضية الأرض المسطحة لأن المشاهد من السطح المستوى أينما كان مكانه بإمكانه مشاهدة جميع نجوم السماء,

كسوف الشمس وخسوف القمر

                إن كسوف الشمس وخسوف القمر  من الظواهر  التي احتار  قدامى البشر  في سبب حدوثها واختلقوا مختلف أنواع الأساطير  حولها. ومع اكتشاف كروية الأرض ودورانها حول الشمس أصبح تفسير هاتين الظاهرتين بمنتهى السهولة فالشمس تنكسف عندما يقع القمر  بينها وبين الأرض فيحجب ضوء الشمس كليا أو جزئيا عن الأرض والقمر ينخسف عندما تقع الأرض بينه وبين الشمس فتحجب ضوء الشمس كليا أو جزئيا عنه. وعند خسوف القمر يشاهد بكل وضوح ظل الأرض الدائري على سطح القمر  مما يؤكد على كرويتها.

الفصول الأربعة و المد والجزر

                بعد أن تمكن العلماء من اكتشاف كروية الأرض في القرن السادس قبل الميلاد  واكتشاف دوران الأرض حول محورها وحول الشمس في القرن السادس عشر  أصبح  بالإمكان تقديم تفسير مقنع لظاهرة الفصول الأربعة.  لقد وجد العلماء أن محور دوران الأرض وهو الخط الواصل بين قطبيها يميل بزاوية مقدارها ثلاثة وعشرين درجة ونصف عن العمود القائم على مستوى دورانها حول الشمس.  ووجد العلماء كذلك أن محور دوران الأرض يتجه باستمرار نحو  نجوم محددة في السماء كالنجم القطبي الشمالي. وعندما يكون القطب الشمالي مائلا نحو الشمس يكون النصف الشمالي من الأرض صيفا والنصف الجنوبي شتاءا وتكون الشمس عمودية على مدار السرطان (خط عرض 23.5 شمال). وعندما يكون القطب الجنوبي مائلا نحو الشمس يكون النصف الشمالي من الأرض شتاءا والنصف الجنوبي صيفا وتكون الشمس عمودية على مدار الجدي (خط عرض 23.5 جنوب). وعندما يكون الخط الواصل بين الشمس والأرض عموديا على محور الدوران وعلى خط الأستواء يحدث الاعتدال الربيعي أو الخريفي وبهذا تحدث ظاهرة الفصول الأربعة والتي تظهر جليا في المناطق الواقعة شمال مدار السرطان وجنوب مدار الجدي.

لفتت ظاهرة المد والجزر انتباه البشر  منذ القدم وحاول فلاسفتهم وعلماؤهم إيجاد تفسير لحدوث مثل هذه الظاهرة الغريبة. وظاهرة المد هي حصول ارتفاع في مستوى  سطح المحيطات والبحار  بعدة أمتار  عن مستواه الطبيعي فيغمر  جزء من اليابسة على الشواطيء بينما يحصل في الجزر انخفاض في مستواه عن المستوى الطبيعي بعدة أمتار.  ولقد تمكن كثير  من الفلاسفة القدامى من ربط هذه الظاهرة بحركة القمر  إلا أن التفسير  العلمي الصحيح لها  لم يتم إلا بعد اكتشاف قانون نيوتن للجذب العام وكذلك اكتشاف دوران القمر حول الأرض ودوران الأرض حول نفسها وحول الشمس. وتلعب جاذبية القمر الدور  الأكبر  في ظاهرة  المد والجزر بسبب قربه من الأرض تليها جاذبية الشمس بسبب بعدها الكبير ثم بقية الكواكب. ويحدث في الغالب مد وجزر واحد في اليوم مما يؤكد على دوران الأرض حول محورها كل يوم وقد يحدث مدان وجزران في اليوم الواحد في بعض المناطق بسبب المواقع النسبية لكل من الشمس والقمر وتغير مستوى مداراتها بالنسبة لمستوى خط الاستواء.  ولقد تمكن العلماء باستخدام قانون الجاذبية وحركات الشمس والقمر من عمل جداول ورسم خرائط كثيرة لمختلف شواطيء العالم تحدد أوقات ومناسيب المد والجزر.  

ثبات الجاذبية على سطح الأرض ودوران اتجاه تأرجح البندول

                مما يثبت أن الأرض كروية هو أن وزن الجسم يبقى ثابتا عند أي مكان على سطح الأرض وهذا يدل على أن قوة الجذب على ذلك الجسم هي نفسها في كل مكان من سطح الأرض. وهذا لا يمكن أن يكون إلا إذا كانت الأرض كروية وبحيث يقع مركز ثقلها في مركز  الأرض ولهذا يكون الجذب دائما باتجاه مركز الأرض. ولو أن الأرض كانت مسطحة لكانت قوة الجذب في المناطق المحيطة بالقطب الشمالي تتكون من مركبتين أحدهما عمودية  على سطح الأرض والأخرى موازية له بحيث تقل المركبة العمودية كلما ابتعدنا عن القطب الشمالي وهذا غير الواقع.  ولاحظ الفيزيائي الفرنسي ليون فوكلت  ( Léon Foucault) في عام 1851م أن اتجاه تأرجح البندول يتغير باستمرار  ليكمل دورة كاملة في مدة زمنية محددة ولذلك سميت هذه الظاهرة ببندول فوكلت (Foucault pendulum). ولقد تم إثبات أن هذه الظاهرة مرتبطة بدوران الأرض حول محورها فعندما تم وضع هذا البندول عند القطب الشمالي أو الجنوبي تبين أنه يكمل دورته في 24 ساعة تماما وهي مدة دورة الأرض حول محورها. وعند وضع البندول عند خط الاستواء فإن هذه الظاهرة تختفي تماما وعند وضعها عند خطوط عرض مختلفة فإن مدة الدوران تزيد عن اليوم الواحد تبعا لمعادلة معروفة تعتمد على زاوية خط العرض ويكون اتجاه الدوران مع عقارب الساعة في الشمال وعكسها في الجنوب.

شدة واتجاه المجال المغناطيسي الأرضي وشدة الإشعاع الشمسي

                إن من أبسط الطرق لإثبات كروية الأرض هو في قياس شدة واتجاه المجال المغناطيسي للأرض في أماكن متفرقة على سطح الأرض. ويتولد المجال المغناطيسي في الأرض نتيجة لتولد تيارات كهربائية في القلب الحديدي الخارجي نتيجة دوران هذا القلب شبه الذائب مع دوران الأرض.  ومن المعروف أن اتجاه المجال المغناطيسي المتولد من التيار  الكهربائي يكون عموديا على اتجاه دوران التيار ولهذا كان اتجاه المجال المغناطيسي الأرضي عموديا على اتجاه دوران الأرض أي باتجاه محور دوران الأرض تقريبا.  وتنبثق خطوط المجال المغناطيسي كحزمة من جهة القطب الجنوبي ثم تتفرق وتسير بموازاة سطح الأرض في الفضاء الخارجي ثم تتجمع لتدخل كحزمة من جهة القطب الشمالي.  وعند قياس شدة المجال على سطح الأرض عند خط الاستواء نجد أنها أقل ما تكون حيث تبلغ 25 نانوتسلا وتزداد شدة المجال كلما ابتعدنا شمالا أو جنوبا لتصل إلى 60 نانوتسلا. وعند قياس اتجاه المجال عند خط الاستواء نجد أنه موازي تماما لسطح الأرض  وعمودي على هذا الخط وعند قياسه بعيدا عن خط الاستواء نجد أن الاتجاه يشير  إلى جهة محددة وهي القطب الشمالي في مناطق الشمال والقطب الجنوبي في مناطق الجنوب. ومن الطرق المستخدمة للتأكد من كروية الأرض هو  قياس شدة الإشعاع الشمسي الساقط على متر مربع  عند خطوط عرض مختلفة ومقارنتها مع تلك المقاسة عند خط الاستواء حينما تكون الشمس عمودية عليه.  وعند حساب العلاقة الرياضية بينهما نجد أنها لا تصح إلا على افتراض أن الأرض كروية وليست مسطحة.

اتجاهات الرياح السائدة واتجاه دوران الأعاصير

                يؤكد التماثل في اتجاهات الرياح السائدة في نصفي الكرة الشمالي والجنوبي أن الأرض كروية وأن النصف الشمالي يماثل النصف الجنوبي من حيث الشكل وإلا لما حصل مثل هذا التماثل في أنماط الرياح السائدة. فالرياح التجارية الشمالية الشرقية في الشمال يقابلها الرياح التجارية الجنوبية الشرقية في الجنوب حول خط الاستواء والرياح الغربية الشمالية في الشمال يقابلها الرياح الغربية الجنوبية في الجنوب وذلك فوق مداري الجدي والسرطان.  لقد لاحظ العلماء  أن اتجاه دوران الأعاصير  يكون بعكس اتجاه دوران عقارب الساعة في النصف الشمالي للكرة الأرضية ومع عقارب الساعة في النصف الجنوبي.  وهذه الظاهرة تم تفسيرها بناء على  تأثير أو قوة كورالس (Coriolis force or effect) حيث يعمل دوران الأرض حول محورها على إمالة اتجاه حركة الرياح إلى اليسار في شمال خط الاستواء وإلى اليمين في جنوبه.

نظام تحديد الموقع العالمي

                باشر  سلاح الجو الأمريكي في عام 1978م بإنشاء نظام ملاحة عالمي (Global navigation system) باستخدام الأقمار الصناعية كبديل عن أنظمة الملاحة الأرضية التي كانت تستخدم الإشارات الراديوية المرسلة من محطات أرضية لا يمكنها تغطية كامل سطح الأرض. وبدأ مشروع نظام تحديد الموقع العالمي (Global Positioning System (GPS)) باطلاق تسعة أقمار صناعية لتصبح في عام 1995م  24 قمر  وضعت في ستة مدارات  على ارتفاع 18 ألف كيلومتر تقريبا تغطي كامل سطح الأرض. وتقوم هذه الأقمار  المزودة بساعات ذرية عالية الدقة بإرسال إشارات توقيتية محددة وعندما يقوم جهاز  الاستقبال الأرضي باستلام هذه الإشارات من أربعة أقمار  موجودة فوقه يمكنه حساب إحداثيات الموقع بدقة قد تصل إلى عدة سنتيمترات في الأجهزة الدقيقة. لقد سهل هذا النظام الملاحي الدقيق من حياة البشر من خلال تحديد مسارات السفن والطائرات والسيارات وحتى الأفراد ناهيك عن استخدامها في المساحة وتحديد الأهداف العسكرية وغيرها. إن هذا النظام قد صممه المهندسون  بحسابات بالغة الدقة على أفتراض أن الأرض  كروية  وأنها تدور حول محورها وحول الشمس ولا ينكر هذه الحقيقة البينة إلا جاهل أو مكابر.

الخرائط المصورة لكامل سطح الأرض

                لقد تم استخدام الأقمار الصناعية التي تم وضعها في مدارات  قطبية دائرية منخفضة لا تتجاوز 700 كيلومتر  فوق سطح الأرض لأخذ صور عالية الدقة لكامل سطح الأرض بلا استثناء. ولقد قامت بعض الشركات بتجميع هذه الصور وتركيبها على هيئة الكرة الأرضية وبنفس الأبعاد التي تم أخذها من نظام تحديد الموقع العالمي كما هو الحال مع تطبيق جوجل إيرث (Google Earth) المشهور.  ومن خلال هذا التطبيق يمكن مشاهدة أدق التفاصيل عن تضاريس الأرض لأي موقع على سطح الأرض وكذلك مشاهدة المباني والطرق من ارتفاعات مختلفة. ومن خلال هذا التطبيق وكذلك نظام تحديد المواقع يمكن أيضا تحديد المسافة السطحية بدقة بالغة بين أي موقعين على سطح الأرض وتحديد أقصر الطرق المعبدة التي تصل بينهما خاصة في داخل المدن.  إن مثل هذه الصور لكامل سطح الأرض لا يمكن أن تؤخذ بهذا الكم  إلا من خلال أقمار صناعية تدور بسرعات هائلة حول الأرض مما يؤكد على كرويتها.

إنتشار الموجات الكهرومغناطيسية وأنظمة الرادار

لو كانت الأرض مسطحة كما يدعي مؤيديها لكان تصميم أنظمة الاتصالات المختلفة في غاية السهولة ولما احتاج مهندسي الاتصالات لهذه الحلول المعقدة والمكلفة لأنظمتهم. فالموجات الكهرومغناطيسية تسير في خطوط مستقيمة وإذا كانت الأرض مسطحة فيمكن لهذه الموجات الوصول إلى أي مكان على سطح الأرض المسطحة إذا ما تجنبنا العوائق وتم وضع الهوائيات على رؤوس الجبال العالية. ولكن مهندسي الاتصالات يصممون أنظمتهم بناءا على أن الأرض كروية وبنصف قطر معلوم تماما. فقبل ظهور أنظمة الأقمار الصناعية استخدم المهندسون الموجات المنخفضة الطول لنقل إشارات التلغراف للسفن في المحيطات وهذه الموجات المنخفضة يمكنها الانتشار  متتبعة سطح الأرض الكروي بسبب ظاهرة حيود الموجات ولهذا تسمى الموجات الأرضية.  ويمكن لبعض هذه الموجات الأرضية أن تدور حول الأرض دورة أو أكثر إذا ما كانت قدرة المرسل كافية ولقد تم التأكد من كروية الأرض من خلال هذه الأنظمة حيث تم توجيه هوائي الإرسال إلى الغرب وهوائي الاستقبال إلى الشرق وتم استلام الإشارة المرسلة بكل وضوح. وفي أنظمة البث الراديوي قصير الموجة تم استخدام طبقات الأينوسفير  الموجودة في أعلى الغلاف الجوي لعكس الموجات الموجهة لهذه الطبقات نحو  أماكن بعيدة على سطح الأرض لا يمكن الوصول إليها إذا ما تم توجيه الهوائيات بموازاة سطح الأرض.  وباستخدام مثل هذه الموجات والتي تسمى الموجات السماوية يمكن الوصول إلى مناطق بعيدة جدا كما بين القارات متغلبة بذلك على إعاقة تكور الأرض.  وتم أيضا التأكد من كروية الأرض باستخدام هذه الأنظمة من خلال ما يسمى الأنظمة متعددة القفزات حيث تنعكس الموجات من سطح طبقة الأينوسفير أولا ثم من سطح الأرض ثانيا وهكذا دواليك حتى تعود إلى المكان الذي اطلقت منه ولكن من الاتجاه المعاكس لاتجاه الاطلاق.  وفي أنظمة الموجات الدقيقة أو الميكروويف يضطر  مهندسي الاتصالات لوضع برج كل مسافة لا تزيد عن سبعين كيلومتر  بين المرسل والمستقبل حتى لو كانت الأرض بينهما منبسطة وخالية من أية عوائق. ويعود السبب في ذلك إلى كروية الأرض التي تحدد مدى الأفق لكل برج.  وتستخدم معظم أنواع الرادار  الموجات  الدقيقة في تحديد أهدافها كالسفن في البحار والطائرات والصواريخ في الجو. وتنتشر  مثل هذه الموجات في خطوط مستقيمة أو ما يسمى خط النظر (line of sight) فهي لا تتأثر  بحيود الأرض للموجات ولا بطبقة الأينوسفير .  ولو كانت الأرض مسطحة كما يزعم البعض لكان لا حدود لمدى رؤية الرادارات إذا ما وضعت على ارتفاع مناسب عن سطح الأرض.

الأقمار  الصناعية والمركبات الفضائية وحركة الطائرات والسفن

لقد كان لوضع الاتحاد السوفيتي لقمرهم الصناعي سبوتنيك في مدار بيضاوي منخفض حول الأرض  في عام 1957م تتويجا لجهود العلماء  الذين ساهموا في اكتشاف هذا النموذج الرائع لبناء أجرام الكون. لقد تم وضع  هذا القمر في مداره بالاعتماد على  نموذج كوبرنيكوس لمركزية الشمس وقوانين كبلر  لمدارات الأجرام السماوية وقوانين نيوتن في الجاذبية والحركة . ومنذ ذلك الحين تم اطلاق آلاف الأقمار  الصناعية لمختلف التطبيقات كالمناخ والتصوير والتجسس والانقاذ وكشف ثروات ومشاكل الأرض وتحديد المواقع والبث التلفزيوني والاذاعي وخدمة الهواتف المتنقلة والتلسكوبات  الفضائية وغيرها. لقد قطعت الأقمار الصناعية كل شك حول كروية الأرض ودورانها حول نفسها وحول الشمس. فالأقمار الصناعية المنخفضة والتي تمر فوق  قطبي الأرض كل ساعة ونصف يمكن مشاهدتها بالعين المجردة كنجم يتحرك بسرعة كبيرة فوق الأرض وخاصة عند الغروب.   والأقمار الصناعية المتزامنة التي تقع على ارتفاع ستة وثلاثين ألف كيلومتر  والتي تبدو ثابتة  بالنسبة للأرض يمكن أن  نلتقط منها البرامج التلفزيونية والمكالمات الهاتفية بهوائيات صحنية ثابتة التوجيه. وباستخدام 66 قمر صناعي على ارتفاع  800 كيلومتر تقريبا موزعة على ستة مدارات  تمكنت شركات الاتصالات من توفير  خدمة الهواتف المتنقلة لأي مكان على سطح الأرض.  وباستخدام 24 قمر صناعي على ارتفاع  متوسط يمكن للأشخاص والسفن والطائرات والسيارات أن يحددوا مواقعهم بكل دقة في أي مكان على سطح الأرض.  وعلى الرغم  من وجود آلاف الأقمار الصناعية التي تم اطلاقها من  قبل  كثير من الدول كالولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين والدول الأوروبية واليابان والهند  إلا أن أنصار الأرض المسطحة ينكرون وجودها لأنها تتعارض مع نموذجهم المزعوم ويعتقدون أن  هذه الخدمات تقدم من خلال أبراج مقامة على سطح الأرض!    وتمكن المستكشف البرتغالي فرناندوا ماجلان وفريقه من الدوران حول الأرض  في أسطول من السفن في عام 1522م وكان هذا أول إثبات عملي لكروية الأرض. ومع ظهور الطائرات في بداية القرن العشرين قام كثير من المستكشفين بالطيران حول الأرض لإثبات كرويتها.  وكذلك فإنه يتم تحديد مسارات الطائرات وأطوالها بناءا على كون  الأرض كروية وليست مسطحة  ولا أعتقد أنه يوجد بين عشرات الآلاف من الطيارين ومهندسي الطيران من يعتقد بكون الأرض مسطحة. 

ولم يكتفي البشر  بوضع أقمار صناعية حول الأرض بل قاموا بإرسال مركبات فضائية مأهولة وغير مأهولة إلى القمر  والشمس وجميع كواكب المجموعة الشمسية.  ففي عام 1961م  قام الاتحاد السوفيتي بإرسال مركبة فضائية  تحمل إنسان  لتدور حول الأرض ومن ثم إعادة رائد الفضاء سالما إلى الأرض بينما قامت الولايات المتحدة الأمريكية بخطوة مماثلة في عام 1962م والصين في عام 2003م.  وفي عام 1959م  قام  السوفيت بإنزال أول مركبة على سطح القمر ووضع قمر صناعي حول القمر في عام 1966م. وفي عام 1969م  تمكن الأمريكان من إرسال مركبة تحمل ثلاثة من رواد الفضاء  نزل إثنان منهم على سطح القمر بمركبة ثانية عادت بهم إلى المركبة الأم والتي كانت تدور حول القمر ثم عادت بهم سالمين إلى الأرض مع بعض تراب القمر. ولقد تم إرسال منذ بدء غزو الفضاء مئات المركبات الفضائية لجميع كواكب المجموعة الشمسية وقامت بعضها بجمع معلومات وصور عن هذه الكواكب. وفي عام 1971م تمكن السوفييت من وضع أول محطة فضاء مأهولة  في مدار منخفض حول الأرض واستمرت بالعمل حتى عام 1986م حيث تم استبدالها محطة فضاء جديدة (MIR) والتي انتهت مهمتها عام 2001م. وفي عام 1998م تم إنشاء محطة الفضاء الدولية بالتعاون بين السوفيت والأمريكان والتي لا زالت تعمل حتى الآن ويتم إرسال رواد الفضاء إلى المحطة والعودة إلى الأرض باستخدام مكوك الفضاء الأمريكي.  لقد تم التقاط كثير  من الصور للأرض من قبل المركبات الفضائية والأقمار الصناعية  الأمريكية والسوفيتية والصينية وغيرها وأكدت على كروية الأرض وأظهرت أدق التفاص