2020-02-11

لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له


لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له


الدكتور منصور أبوشريعة العبادي\ جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية




                كتب أحد المهندسين مقالة بعنوان (حلق كمثل الذباب) (Fly like a Fly) في مجلة الطيف الصادرة عن معهد المهندسين الكهربائيين والإلكترونيين (IEEE Spectrum) يستعرض فيها محاولته مع فريقه وفرق بحثية أخرى تصنيع طائرات ميكروية (micro air vehicles (MAVs)) بقدرات الذباب في طيرانه. وكان لزاما عليهم لكي يحققووا هدفهم هذا أن يدرسوا  تركيب جسم الذبابة بشكل مفصل خصوصا الأجزاء المتعلقة بالطيران بعد الاستعانة بعلماء الأحياء وذلك للقيام بتقليدها بما يسمى بالهندسة العكسية (reverse engineering). ولقد تكشف لهم من هذه الدراسة أسرار عجيبة عن الطرق البديعة التي تستخدمها الذبابة لكي تطير بهذه القدرات المذهلة والتي سنبينها لاحقا مما دفعه للقول في نهاية المقالة (من كان يظن أن كائنا صغيرا ومكروها مثل الذبابة يمكنه أن يعلمنا الكثير جدا؟) (Who would have thought a small, unlovely creature like the fly could teach us so much?). أما النتيجة الأهم التي توصل إليها فهي تيقنه من صعوبة بل استحالة تصنيع الطائرات الميكروية المطلوبة بالتقنيات المتاحة بحجم الذبابة وقدراتها فقال (إن الطائرات ثابتة الجناح لا تناسب المهمة لعدم قدرتها على الحوم (hover) وكذلك ضرورة طيرانها بسرعة كافية لتوليد قوة الرفع أما الطائرات ذات الأجنحة الدوارة فيمكنها الحوم ولكنها تحتاج لقدرة عالية ولا يمكنها الطيران قريبا من الجدران). 



لقد تحدى القرأن الكريم البشر قبل أربعة عشر قرنا لتصنيع هذا الكائن الصغير والمكروه وهي الذبابة وأكد على أنهم لن يستطيعوا فعل ذلك مهما تظافرت جهودهم فقال عز من قائل "يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74)" الأنبياء. لقد أكد القرآن الكريم في آيات كثيرة على عجز البشر في تصنيع أبسط الكائنات الحية تركيبا وهي النباتات كما في قوله تعالى "أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60)" النمل. ولكن لماذا اختار الله عز وجل الذباب من بين كل الكائنات الحية ليتحدى به البشر وتكمن الإجابة في قوله تعالى في نفس الآية (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73)). وسوف يتبين من الشرح التالي أن الذبابة تمتلك قدرات طيران مذهلة لا يمتلكها أي كائن حي طائر غيرها مما يجعل البشر عاجزين عن الإمساك بها إذا ما سلبتهم شيئا من طعامهم وشرابهم. 





        ونعود لعرض بعض الحقائق والأسرار التي أوردها الكاتب في مقالته حول القدرات المذهلة التي تمتلكها الذبابة في طيرانها. فالحقيقة الأولى هي  أنه لا يوجد أي كائن حي طائر يضاهي قدرات الذبابة في طيرانها فقال (إن ذبابة المنزل الشائعة هي طائر غاية في المناورة وهي الأفضل في كل الأنواع حشرات كانت أو غيرها) (The common housefly is an extremely maneuverable flyer, the best of any species, insect or otherwise). أما الحقيقة الثانية فهي قدرة الذبابة على القيام بحركات طيران معقدة (complicated flight movements)  لا يمكن لأي طائرة صناعية أن تقوم بها   كالإقلاع السريع (instant liftoff) والهبوط الدقيق (precise landing) على حواف أواني الطعام والشراب والحركات اللولبية (spirals) والحركات المتعرجة (zigzags) والطيران للخلف (backward maneuvers). ومن أعجب حركاتها قدرتها على الهبوط على الأسقف حيث تقوم بقلب جسمها أي تتشقلب (somersault) بالكامل أثناء الطيران لتحط عليها بشكل مقلوب وقدرتها كذلك بالتحكم بسرعتها ابتداء من وضع الوقوف في الهواء أو ما يسمى بالحوم (hovering). ومن قدراتها المذهلة أنها بإمكانها عمل ست لفات أو دورات كاملة في الهواء في الثانية الواحدة (six full turns per second). بل الأعجب من كل كذلك أن الذبابة إذا ما اصطدمت بالنوافذ الزجاجية فإنه يختل توازنها لفترة قصيرة لا تتجاوز المللي ثانية ثم تعود للطيران في الاتجاه المعاكس وهذا ما لا يمكن تحقيقة في أي طائرات صناعية. أما الحقيقة الثالثة فهي استهلاكها المتدني للطاقة فذبابة بوزن مائة ميللي جرام تستهلك ما يقرب من ثلاثة جول في الثانية أثناء الطيران (A 100-milligram fly in motion consumes just 3 joules per second).




        أما أهم الأسرار التي أوردها الباحثون عن طيران الذبابة والتي أصابتهم بالذهول فهي كما وردت على لسان كاتب المقالة (إن أوامر التحكم بالطيران فيها تصدر من عدة مئات من العصبونات في دماغها وهذا أقل بكثير من الحسابات التي تحتاجها حماصة خبزك ) (its flight control commands originate from only a few hundred neurons in its brain, far less computational might than you’d find in your toaster).  ويقارن الباحث هذا الأمر مع ما تحتاجه الطائرات الصناعية من قدرات حسابية بقوله (ولكن القواعد التي تحكم طيران الإف-35 تحتاج 1.1 مليون سطر من البرمجة و4.5 مليون سطر لمهام كتصويب الأسلحة والاتصالات والتحكم بالمهمة. إن برمجيات الطيران تحتاج لثلاثة حواسيب بمعالجين اثنين لكل منها. ومن الواضح أن الطائرات الميكروية ليس فيها الحيز أو مراوح التبريد التي تتسع لمثل هذه الحواسيب ) (But the rules governing flight for the F-35 require about 1.1 million lines of code; it uses another 4.5 million lines for tasks like weapons targeting, communications, and mission control. The flight software runs on three shoebox-size computers, each with a pair of PowerPC processors. MAVs obviously don’t have the space, or the cooling fans, to accommodate such onboard computers.). 


ولقد تمكن هؤلاء الباحثون من كشف السر في قدرة الذبابة على القيام بمهام الطيران المعقدة بهذا القدر القليل من الحسابات والعصبونات وذلك على العكس تماما من الطائرات الصناعية ولخص ذلك الباحث بقوله (ببساطة إن التحكم بالطيران التقليدي يستخدم قليل من القياسات وكثير من الحسابات وأعتقد أن الذبابة تفعل العكس تماما من ذلك وهو كثير من القياسات من عدد كبير من الحساسات وقليل من الحسابات أو ما أسميته منهجية تحكم التغذية الراجعة الغني بالحساسات) (Simply put, conventional flight control uses a little measurement and a lot of computation. I believe that the fly does exactly the opposite: a lot of measurement from many sensors and a little computation. I call it the sensor-rich feedback control paradigm.). ولقد وجد الباحثون أن دماغ الذبابة يستلم إشارات حسية من ثمانين ألف موقع موزعة على جسمها كعيونها المركبة وعيونها البسيطة وقرونها وشعرها وغير ذلك. ووجد الباحثون أن العيون المركبة للذبابة تلعب دورا كبيرا في عملية طيرانها وتقلص بشكل كبير الحسابات التي يجريها الدماغ لتنفيذ حركات الطيران المختلفة. 



ووجدوا كذلك أن جناحين ضامرين يقعان خلف جناحي الذبابة تسمى المقاود (halteres) قد تحورا إلى بروزين لحميين يلعبان دورا بارزا في الطيران حيث يقومان بقياس معدل دوران جسم الذبابة ووضعية الجسم بالنسبة للمحاور الفضائية الثلاث وبدونهما لا يمكن للذبابة أن تطير (Without them, the fly can’t fly). وفي المقابل تستخدم الطائرات أجهزة  الجايروسكوب(gyroscopes) الكبيرة الحجم والمستهلكة للطاقة لهذا الغرض مقابل هذه المقاود الصغيرة في الذبابة. ولقد بدأ الباحثون في مجال الطيران بمحاولات لتصنيع مثل هذه المقاود لاستخدامها بدلا من الجايروسكوبات لما تتمتع به من ميزات قال عنها الباحث (يبدو أن المقاود تمتلك عدة ميزات على الجايروسكوبات باستخدام الأنظمة الكهروميكانيكية الميكروية أولها استهلاكها الأقل للطاقة لغياب المحركات فيها وثانيها قدرتها على قياس السرعات الزاوية من عشرات الدرجات في الثانية إلى مئات الآلاف من الدرجات في الثانية وهو ما تقوم به الحشرات الطائرة عند الدوران الحاد ) (The haltere seems to have some advantages over gyroscopes based on MEMS technology. For one, it consumes far less power because it has no actuators. And it can detect angular velocities from as low as tens of degrees per second to as high as hundreds of thousands of degrees per second, which a flying insect making a sharp turn will often encounter.).



        يعتبر الذباب المنزلي (Housefly) من أكثر الحشرات التي تعيش في رفقة البشر والحيوانات ومن أسرعها تكاثرا وغالبا ما تسبب لهم الإزعاج عند أكلهم وشربهم وقد تنقل لهم كثير من الأمراض حيث تحمل في أقدامها ملايين الميكروبات التي تجلبها من الأماكن القذرة. وعلى الرغم من ذلك فإن الذباب يعمل على تنظيف البيئة من المخلفات العضوية التي ينتجها الإنسان والحيوان من خلال تحليلها وأكلها ومن ثم يكون الذباب الناتج طعاما لكثير من دواب الأرض كالطيور والضفادع والسحالي والعناكب.  ويعيش الذباب في جميع مناطق الكرة الأرضية بلا استثناء ابتداءا من المناطق الاستوائية وانتهاءا بالمناطق القطبية إلا أن معدل تكاثرها في المناطق الحاره أكبر بكثير منه في المناطق الباردة. وتبيض الذبابة في المرة الواحدة ما يقرب من مائة بيضة وتبيض خلال عمرها الذي لا يتجاوز الشهر ما يقرب من ألف بيضة. وتضع الذبابة بيضها ككومة واحدة في القمامة وبقايا الطعام ومخلفات الحيوانات وتفقس البيضة في أقل من يوم واحد لتمر في طور اليرقة (larvae) لمدة تتراوح بين خمسة أيام وأسبوعين وهي دودية الشكل بيضاء اللون ولها فم تتغذى من خلاله على القمامة. ثم تمر في طور الشرنقة أو العذراء  (pupae) لمدة تتراوح بين ثلاثة وعشرة أيام وهي برميلية الشكل بنية اللون وتتوقف خلاله عن الأكل ثم ينشق غلافها ليخرج منه ذبابة بالغة. وتعتمد مدة مكوث الذبابة في أطوارها المختلفة على درجة الحرارة فكلما زادت درجة الحرارة قلت المدة وبذلك يزيد معدل تكاثرها حيث يبلغ  طول دورة حياة الذبابة في المناطق الحارة تسعة أيام وفي المناطق الباردة خمسة وعشرين يوما.


وتتكون الذبابة من رأس وصدر وبطن ويتراوح طولها ما بين خمسة وسبعة ملليمترات ووزنها ما بين 12 و 17 ميللي غرام وهي ذات لون رمادي أو أسود مع مناطق صفراء عند بطنها. ويتكون الرأس من عينين مركبتين كبيرتين على جانبيه وثلاثة عيون بسيطة بينهما وفم خرطومي اسفنجي (sponge-like) يمتص السوائل والطعام المذاب وزوج من قرون الاستشعار (antennae) القصيرة كأجهزة للشم والتذوق. أما الصدر (thorax) فيرتبط بعضلاته ثلاثة أزواج من الأرجل وجناحان شفافان كبيران للطيران يقع خلفهما جناحان ثانويان ضامران على شكل زوائد لحمية تسمى المقاود (halteres). وأما البطن (abdomen) فيتكون من عشر حلقات ويحتوي على المعدة والقلب والأجزاء التناسلية. ويغطي جسم الذبابة شعر ناعم مزود بحساسات ترسل بإشاراتها إلى الدماغ ليستخدمها في قياس اتجاه حركة الريح أثناء الطيران. والجهاز الدوري في الذبابة من النوع المفتوح حيث يضخ القلب البسيط الموجود في منتصف البطن الدم إلى انحاء الجسم ثم يعود إليه إنسيابيا. وتتنفس الذبابة من خلال فتحات تسمى الثغور التنفسية (spiracles) موزعة على جسم الذبابة حيث يوجد ثمانية أزواج من الثغور في منطقة البطن وزوجان في منطقة الصدر وهي متصلة بأنابيب تنقل الهواء للدورة الدموية.  


يعتبر الذباب من أبرع الكائنات الطائرة في مناورات الطيران كما شرحنا ذلك سابقا مما أعطته قدره فائقة على الهروب من محاولات قتلها من البشر رغم أنها في متناول أيديهم حيث تحط على وجوههم وأيديهم وأواني طعامهم وشرابهم. ويتكون جهاز الطيران عند الذباب من جناحين شفافين يتخللهما عدة شرايين لإيصال الدم إلى خلايا الأجنحة وتستخدم أيضا كدعائم للجناح البالغ الرقة. وتبلغ المسافة بين الجناحين وهي مفرودة (wing span) 14 مللم وهي ضعف طول الذبابة. ويقع خلف الجناحين جناحان ضامران تسمى المقاود (halteres) والذان قد تحورا إلى بروزين لحميين على شكل عصا مدببة (drumstick-shaped protrusions). وتلعب المقاود دورا بارزا في عملية الطيران حيث يوجد في قواعدها حساسات تقيس العزم الدوراني لجسم الذبابة وهما يخفقان بعكس اتجاه خفقان الأجنحة عند الطيران. وتبلغ السرعة القصوى لطيران الذبابة عشرة كيلومترات في الساعة بينما تبلغ سرعة خفقان أو رفرفة أجنحتها عشرين ألف مرة في الدقيقة الواحدة وهذا السرعة العالية استخدمت لتعويض المساحة الصغيرة لأجنحتها. وتقوم الذبابة بتنظيف أجنحتها بشكل مستمر مما يعلق به من الأوساخ حيث أن نقطة صغيرة من الوسخ على الجناح تفقدها توازنها أثناء الطيران بسبب السرعة العالية للرفرفة. 



إن من أعقد أجزاء الذبابة هي عيونها المركبة (compound eyes) حيث تمتلك عينين كبيرتين بارزتين حمراء اللون وغير متحركة تقع على جانبي رأسها وتغطي معظمه. والعيون المركبة توجد في الحشرات والقشريات وهي تتكون من عدد ضخم من العدسات الدقيقة وذلك على العكس من العيون البسيطة المكونة من عدسة واحدة والتي توجد في الثدييات والطيور والأسماك. وتتكون العين الواحدة للذبابة من أربعة آلاف عدسة موزعة بانتظام على سطح مقوس على شكل نصف كرة مما يمكنها باستخدام االعيينين من رؤية الأشياء في جميع الاتجاهات أي مجال رؤيا (view angle) يبلغ 360 درجة مقارنة بمجال رؤيا أقل من 180 درجة عند الإنسان. وتتكون العين المركبة من عدد كبير من العيون البسيطة تسمى العوينات (ommatidia) والتي تتكون من عدسة دقيقة سداسية الشكل محدبة يقع تحتها مخروط بلوري (crystalline cones) يقوم بنقل الضوء المجمع إلى انبوبة طويلة نسبيا تحتوي الخلايا الحساسة للضوء (light-sensitive cells) والتي يبلغ عددها ثمانية في كل عوينة. ويرتبط بالخلايا الحساسة الثمانية ليف بصري واحد يخرج من قاعدة العوينة ويتجمع مع الألياف البصرية الخارجة من بقية العوينات مشكلة العصب البصري الي يذهب إلى دماغ الذبابة.  ويتم رسم الصورة في الدماغ على شكل صورة فسيفسائية (The Mosaic image) مكونة من نقاط بعدد العوينات وتكون النقاط إما مضاءة أو مظلمة (light and dark dots). إن في هذه العين المركبة تحدي آخر من الله عز وجل للبشر فعملية تصنيع ثمانية آلاف عدسة محدبة سداسية الشكل بأبعاد لا تتجاوز العشرين ميكرومتر لكل منها وكذلك مثلها من المخاريط البلورية وثمانية أضعافها من الخلايا الضوئية عملية تكاد تكون مستحيلة. 
  

وتمتلك الذبابة إلى جانب عينيها المركبتين ثلاثة عيون بسيطة تسمى (ocelli)  تقع في مقدمة الرأس بين العينين المركبتين على شكل مثلث وتستخدمها كجهاز ملاحة  أو بوصلة (navigational device or compass) وتحديد اتجاه حركتها متتبعة مصادر الضوء المختلفة.  ويتميز النظام البصري للذبابة بميزيتين أولهما أن سرعة معالجة الصور الملتقطة تزيد بسبعة أضعاف عن تلك التي في الإنسان ويعود السبب في ذلك إلى أنها تلتقط الصور بمعدل 250 صورة في الثانية وهو ما يسمى بمعدل دمج الارتعاش (flicker fusion rate) بينما تبلغ في الإنسان  50 صورة في الثانية. إن هذه الميزة تمكن الذبابة من كشف أدنى حركة تحدث في محيطها ومن جميع الاتجاهات مما يمكنها من الهروب بسرعة عن مصادر الخطر ولذا فإنه من الصعوبة بمكان الإمساك أو قتل الذبابة. أما الميزة الثانية فهي قدرتها على تمييز استقطاب الضوء (light polarization) والذي يساعد الذبابة على تحديد الاتجاهات عند حركتها من خلال تحليل ضوء الشمس





ويوجد على كل رجل من أرجل الذبابة زوج من اللبادات اللزجة (adhesive pads) التي تمكنها من المشي على الأسطح الملساء والأسقف وزوج من المخالب (claws) التي تساعدها على تحرير أرجلها الملتصقة بسرعة عند الطيران. ويوجد كذلك على الجزء الأخير من أرجل الذبابة (tarsi) شعيرات تحمل في رؤوسها مستقبلات كيميائية (chemoreceptors) تعمل كأجهزة تذوق تتعرف فيه على نوع الطعام وخاصة السكريات وتقوم بامتصاصها بفمها الإسفنجي. وتقوم الذبابة بحك أرجلها ببعضها بعد الانتهاء من وجبتها لتنظيف واجهة المستقبلات الكيميائية مما علق عليها من الطعام وذلك لاستخدامها لكشف الوجبة التالية. وتتغذى الذبابة على الطعام السائل الغني بالسكريات من خلال فمها الشبيه بالأسفنجة والموجود على رأس خرطومها الذي يقوم بنقل الطعام السائل إلى المعدة من خلال الخاصية الشعرية (capillary action). ويمكن للذبابة أن تستمد غذاءها من الطعام الصلب وذلك من خلال إفراز لعاب مشبع بالإنزيمات من غدة في بطنها وتصبه بفمها على الطعام لتذيبه ومن ثم تقوم بإعادة امتصاص اللعاب المشبع بالمواد السكرية. 


لمزيد من المقالات تجدونها على مدونتي التالية:

http://mansourabbadi.blogspot.com/






2020-01-29

ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها


ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها


الدكتور منصور أبو شريعة العبادي\ جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية



                لقد أشار القرآن الكريم في آيتين كريمتين إلى إحدى أهم منطقة من مناطق الدماغ وهي المسؤولة عن ما يسمى بالوظائف التنفيذية (Executive functions) والتي تقوم بالتحكم بحركة وتصرفات الكائنات الحية المتحركة أي الدواب. ولقد تمكن العلماء في بداية القرن العشرين من تحديد مكان هذه المنطقة ووجدوا أنها تقع في مقدمة الدماغ وبالتحديد في مقدمة الفصل الجبهي الأمامي (prefrontal lobe) والذي يقع تماما تحت أعلى الجبهة أو الناصية في رأس الدابة. فالآية الأولى هي قوله تعالى "كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16)" العلق والتي تؤكد على أن الناصية هي منطقة في الدماغ وليس الناصية الخارجية للرأس وذلك لأن الله عز وجل وصفها بالكذب والخطأ وهما من الوظائف التنفيذية للدماغ.  أما الآية الثانية فهي قوله تعالى "إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)"هود والتي تؤكد على أن مركز التحكم في حركة الدواب يوجد في ناصية الدماغ أي مقدمته فالأخذ بالناصية هو قيادتها.

        إن من مقتضيات الإيمان الحق عند المسلم أن يوقن يقينا تاما بأنه لا يتحرك متحرك ولا يسكن ساكن في هذا الكون صغر أم كبر إلا بأمر مباشر من الله عز وجل وأنه سبحانه وتعالى لا يغفل ولو للحظة واحدة عن تدبير شؤون كونه وإلا سيسوده الخراب. ومع علمنا التام بأن جميع مكونات الكون تحكم حركاتها وسكاناتها قوى وقوانين فيزيائية أودعها الله عز وجل مادة الكون إلا أن  جميع هذه القوى والقوانين هي بيد الله عز وجل وتعمل تحت سمعه وبصره سبحانه القائل "فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)" يس والقائل سبحانه "وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)" الأنعام والقائل عز من قائل "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3)" سبأ. إن مثل هذه القناعة تترسخ لدى المسلم من تدبر آيات كثيرة في القرآن الكريم كما في قوله تعالى "وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (17)" المؤمنون وقوله تعالى "إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (41)" فاطر وقوله تعالى "أَلَمْ يَـرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (79)" النحل  وقوله تعالى "إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (47)" فصلت. إن اسم الله (القيوم) يلخص هذه الصفة العظمى من صفاته سبحانه وهي القيومية والتي تعني أنه سبحانه تقوم به كل الأشياء وهو قائم عليها وغير غافل عنها كما جاء ذلك في آية الكرسي "اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)" البقرة. ولقد جاء في صحيفة إدريس السلوفاكية ما يؤيد ذلك فقد جاء فيها (وعيوني ترى كل شيء وإن نظرت إلى كل الأشياء فإنها تقوم  ولكن إن أدرت بوجهي عنها فإنها جميعها تحتاج إلي ) (and My eyes see all things, * if I look to all things ^ they * stand fast ^. If I turn away My face, all are in need of Me.).

         وقد يبدو للبشر ظاهريا أن دواب الأرض بمختلف أنواعها تتحرك تبعا للأوامر التي يصدرها مركز القيادة والتحكم الموجود في أدمغتها وأن هذه الأوامر تحددها المعلومات التي تجمعها حواسها من البيئة المحيطة بها وذلك بعد معالجتها وموازنتها واتخاذ قرار الحركة المناسب. ولكن القرآن الكريم علم المؤمنين به أن الله عز وجل هو الذي قام بتصميم مراكز القيادة والتحكم في أدمغة جميع دواب الأرض وهو الذي أبدع البرمجيات الموجودة فيها وهي  تتحرك وفق هذه البرمجيات ولكن من يتخذ القرار النهائي في توجيه حركة هذه الكائنات هو خالقها سبحانه وتعالى. ولقد جاء تأكيد ذلك في قوله تعالى "إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)"هود. ومن الواضح أن الأخذ بناصية الدابة هو قدرة من يقودها على التحكم بحركتها وتصرفاتها كما يتحكم سائقي المركبات والطائرات والسفن بمسارات تحركها. وما ينطبق على جميع دواب الأرض ينطبق كذلك على الإنسان الذي أعطاه الله عز وجل حرية أوسع في إتخاذ قراراته إلا أنه سبحانه ربطها بمشيئته مصداقا لقوله تعالى "وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30)" الإنسان. 



يقدر العلماء عدد أنواع دواب الأرض أو ما يطلق عليها المملكة الحيوانية بسبعة ملايين نوع تم تصنيف ما يقرب من مليون ونصف منها وتتراوح أحجامها بين التي لا ترى بالعين المجردة كالبكتيريا والحيوانات الثدية. وتتميز الدواب على بقية الكائنات الحية بقدرتها على الحركة ولهذا فإنها تحتاج إلى مركز للقيادة والتحكم في أدمغتها يقوم بتوجيهها أثناء حركتها. ويعتمد تعقيد تركيب الدماغ في الكائنات الحية على عدد وحجم الوظائف  التي يقوم بها لخدمة جسم الكائن وبشكل عام فهو يزداد حجما وتعقيدا كلما ازداد حجم جسم الكائن باستثناء الإنسان . ويتراوح وزن الدماغ بين عدة غرامات في الحشرات والأسماك وعدة مئات من الغرامات في الحيوانات الكبيرة كالثدييات إلى عدة كيلوغرامات. وقد وجد العلماء أن مركز القيادة والتحكم في مختلف أنواع الدواب يوجد في مقدمة الدماغ والتي أطلقوا عليها اسم القشرة الجبهية الأمامية (prefrontal cortex) لأنها تقع تحت مقدمة الرأس أو الناصية. وسنشرح تركيب الدماغ لدى الإنسان كمثال على أدمغة الحيوانات مبينين أجزاءه المختلفة والوظائف التي تقوم بها وتحديد مركز القيادة والتحكم في الدماغ.







يتكون الدماغ (Brain) من مادة هلامية القوام لون سطحها رمادي وداخلها أبيض ويبلغ وزنه عند الإنسان البالغ ألف وأربعمائة غرام تقريبا. وعلى الرغم من أن وزنه يبلغ اثنين بالمائة من وزن الجسم إلا أنه يستهلك عشرين بالمائة من الطاقة التي يولدها الجسم أو كمية الدم التي يضخها القلب إلى الجسم. ويتكون الدماغ  من أربعة أجزاء رئيسية وهي المخ (Cerebrum) والدماغ البيني (Diencephalon) وجذع الدماغ (Brain stem) والمخيخ (Cerebellum). فالمخ هو الجزء الأعلى من الدماغ وهو أكبر الأقسام حجما إذ يشكل 85 % من حجم الدماغ في الإنسان. والمخ له شكل شبه كروي مكون من نصفين (hemispheres) يفصل بينهما شق طولي كبير يسمى الشق الطولاني الداخلي (Medial Longitudinal Fissure). ويرتبط النصفان ببعضهما عند المنتصف بحزمة ضخمة من الألياف العصبية تسمى الجسم الثفني (Corpus Callosum) والتي يقدر عددها بمائتين وخمسين مليون ليف تقوم بنقل الإشارات العصبية فيما بين نصفي المخ. ويقدر عدد الخلايا العصبية في دماغ الإنسان بمائة بليون خلية موزعة على مراكز الدماغ المختلفة وترتبط كل خلية من هذه الخلايا بما يتراوح بين عشرة خلايا وعشرة آلاف خلية مجاورة وذلك لبناء الشبكات العصبية في مراكز الدماغ المختلفة. وإذا ما اعتبرنا أن متوسط عدد الوصلات (synapses) مع الخلايا المجاورة هو ألف وصلة فإن عدد الوصلات بين الخلايا العصبية الموجودة في الدماغ يقدر بمائة ألف بليون وصلة يبلغ مجموع أطوالها قريبا من مائتي ألف كيلومتر. ويقدر عدد الألياف أو الشعيرات العصبية التي تربط مراكز الدماغ  بجميع أعضاء الجسم بأكثر من عشرة ملايين ليف عصبي حيث يربط كل واحد من هذه الألياف خلية عصبية محددة في أحد مراكز الدماغ أو في العقد العصبية مع خلية عصبية مناظرة لها في أحد أعضاء الجسم.




ويتكون كل من نصفي المخ من أربعة فصوص (lobes) وهي الفص الجبهي أو الأمامي (frontal lobe)  ويشكل 41 بالمائة من حجم المخ  والفص الصدغي (temporal lobe) بنسبة 22 بالمائة والفص الجداري (parietal lobe) بنسبة 19 بالمائة  والفص القحفي أو القذالي (occipital lobe) بنسبة 18 بالمائة. ويتكون المخ من طبقتين رئيسيتين وهما القشرة المخية (Cerebral Cortex)  ولب المخ (cerebral medulla). فالقشرة المخية هي الطبقة السطحية للمخ وتتراوح سماكتها بين 1.5 و 4.5 ملم وتتركز فيها أجسام الخلايا العصبية أو العصبونات (neurons)  ولذلك فإن لها لون رمادي ولذا تسمى المادة الرمادية (Gray matter). والقشرة المخية لها سطح كثير التجاعيد يحتوي على أخاديد (sulcus) وتلافيف (gyrus) كثيرة تعمل على زيادة  مساحة سطحها إلى عدة أضعاف مساحتها فيما لو بقيت بدون هذه الأخاديد. إن زيادة عدد الخلايا العصبية في الدماغ لا يمكن أن يتم من خلال زيادة حجمه فقط وذلك لأن ربط الألياف العصبية القادمة من مختلف أجزاء الجسم بالخلايا العصبية في طبقات الدماغ الداخلية ستزيد من تعقيد تصميمه ولذلك كان من الأسهل أن يتم توزيع أجسام الخلايا العصبية على سطح الدماغ وترك داخله لمرور حزم الألياف العصبية التي تربط بين مناطق الدماغ المختلفة وبين أعضاء الجسم. ولو تطلب الأمر بناء مكونات الدماغ على شكل دوائر إلكترونية بحيث يقوم الترانزستور مقام الخلية العصبية لبلغت مساحة السطح الذي تحتله أكثر من ألف متر مربع ولكن بما أن الخلية العصبية تحتل حيزا أقل من الترانزستور وتقوم بوظائف أكثر تعقيداﹰ من الوظيفة الوحيدة التي يقوم بها الترانزستور فإن المساحة التي يتطلبها بناء الدماغ قد تم تقليصها إلى أقل من متر مربع. لقد تم تقليص حجم المخ من خلال توزيع العصبونات على ستة طبقات في القشرة المخية بدلا من طبقة واحدة وكئلك من خلال عمل أخاديد وتلافيف كثيرة وعميقة في القشرة المخية بحيث بقى حجم الدماغ ثابتا مع زيادة مساحة سطحه عدة مرات. 


أما الدماغ البيني (Diencephalon or interbrain) أو ما يسمى أيضا (Limbic System) والذي يعتبره البعض جزء من المخ  فيقع في مركز الدماغ بين المخ وجذع الدماغ وهو مكون من ثلاثة مناطق رئيسية وهي المهاد (Thalamus) وتحت المهاد (Hypothalamus) والمهيد (subthalamus). فالمهاد يعتبر البوابة الرئيسية التي تمر من  خلالها معظم الألياف العصبية إلى القشرة المخية حيث تقوم بإعادة ترتيبها لتوجيهها إلى المناطق الخاصة بها. أما تحت المهاد فيحتوي على كثير من مراكز التحكم المتعلقة بوظائف الجسم الحيوية كالتحكم بدرجة حرارة الجسم والشعور بالجوع والشبع والرغبة الجنسية والنوم واليقظة وضغط الدم وتركيز المواد في الدم وتركيز الماء في الجسم  والاستجابات العاطفية. ويرتبط تحت المهاد أيضا بالغدة النخامية بشكل مباشر وهي أكبر غدد الجهاز الهرموني وتسيطر على بقية غدد الجسم وبذلك فإن تحت المهاد هو همزة الوصل  بين الجهاز العصبي والجهاز الهرموني في الجسم من خلال إفرازه لما يسمى بالهرمونات العصبية (neurohormones). وأما المهيد فيتكون بشكل رئيسي من النواة المهيدية (Subthalamic nucleus) التي تقع على جانب المهاد وترتبط  بشكل رئيسي بالأنوية القاعدية (basal nuclei) وتعمل على تنظيم حركة المعلومات. ويوجد في الدماغ البيني عدد من العقد العصبية (Ganglion) أو الأنوية (Nucleus) التي ترتبط بالقشرة المخية وببقية أجزاء الدماغ وهي عبارة عن كتل رمادية اللون وبأحجام مختلفة.  ومن أهم هذه الأنوية الحصين (hippocampus) أو قرن أمون (Ammon's horn)  والذي يقع تحت قشرة الفص الصدغي وهو مسؤول عن الربط بين الذاكرة القصيرة والذاكرة الطويلة وبالذات الذاكرة المكانية. وأما النواة الثانية فهي اللوزة المخية (amygdalae) فتقع أمام الحصين في الفص الصدغي وهي مسؤولة عن الذاكرة  العاطفية. وأما الثالثة فهي الأنوية القاعدية (basal nuclei) وهي مجموعة مكونة من  أربعة أنوية موزعة في الدماغ البيني وهي المذيلة (caudate)  والمخططة (striatum) والبوتامين (putamen) والكرة  الشاحبة (globus pallidus). وتعمل هذه المراكز الأربعة كبوابات لكثير من وظائف القشرة الدماغية كالتحكم بالحركات الارادية والتعبير عن العواطف والتعلم وحركة العينين وغير ذلك.  ويحتوي الدماغ البيني كذلك على الغدة النخامية (Pituitary Gland) والغدة الصنوبرية  (pineal gland) ويمر من خلاله أيضا التصالب البصري (Optic Chiasm) وهي حزمة الأعصاب القادمة من العينين والذاهبة إلى مركز البصري في الفصين القحفيين. 




أما جذع الدماغ (Brain stem) فيقع تحت المخ البيني  وهو صغير الحجم على شكل الإصبع ويصل بين المخ والحبل الشوكي ويتكون بدوره من ثلاثة أجزاء وهي من الأسفل إلى الأعلى النخاع المستطيل (Medulla Oblongata) ثم الجسر (Pons)  ثم الدماغ الأوسط (Midbrain). فالنخاع المستطيل يحتوي إلى جانب الألياف العصبية التي تربط بين المخ والحبل الشوكي مراكز عصبية تتحكم ببعض  عمليات الجسم الحيوية كالتحكم بضربات القلب ومعدل وعمق التنفس وتقلص وتمدد الشرايين. وتتفرع منه أيضا الأعصاب القحفية التاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر.  وأما الجسر فيحتوي على القنطرة التي تربط بين نصفي المخيخ والألياف العصبية التي تربط المخ بالمخيخ وكذلك بالحبل الشوكي وتتفرع منه الأعصاب القحفية الخامس والسادس والسابع والثامن. وأما الدماغ الأوسط  فيحتوي على بعض مراكز رد الفعل اللاإرادي أو ما يسمى بالمنعكسات (Reflexes) كالمنعكسات البصرية والسمعية ومنعكسات الجفل والعطاس والسعال والتقيؤ والشهاق والبلع ويحتوي كذلك على محطة ترحيل للإشارات السمعية وتتفرع منه الأعصاب القحفية الثالث والرابع. وأما المخيخ (Cerebellum) وهو أكبر حجما من جذع المخ  حيث يبلغ وزنه 150 غرام فيقع أسفل الجزء الخلفي من المخ ويتصل بجذع الدماغ عن طريق السويقة المُخيخية العلوية (Superior Cerebellar Peduncle)  والسويقة المُخيخية السفلية (Inferior Cerebellar Peduncle). ويتكون المخيخ أيضا من نصفين بينهما شق ويرتبطان ببعضهما بحزمة من الألياف العصبية تسمى الدودة  (vermis) وهو كالمخ ذي سطح كثير التجاعيد إلا أن تجاعيده أكثر عمقا وأقل عرضا بحيث أن مساحة قشرته تساوي تقريبا مساحة قشرة المخ رغم الفارق الكبير بين وزنيهما. ويحتوي المخيخ على عدد من العصبونات تساوي مجموع ما تحتويه بقية مكونات الدماغ على الرغم من أن حجمه لا يتجاوز 10 % من حجم الدماغ. ويبلغ عدد الألياف العصبية التي تربط المخيخ ببقية الجهاز العصبي ما يزيد عن 200 مليون ليف عصبي. وتتكون القشرة المخيخية (cerebellar cortex) من ثلاثة طبقات مقابل ستة طبقات في القشرة المخية وتحتوي مادته البيضاء على أربعة عقد عصبية. إن وظيفة المخيخ الرئيسية هي معرفة وضعية الجسم من خلال الإشارات القادمة من المستقبلات الحسية الموزعة في الجسم وبالتحديد من القنوات الهلالية في الأذن والمراكز البصرية في المخ.  ويقوم المخيخ أيضا بحفظ توازن الجسم عند قيامه بمختلف أنواع الحركات ويتم تنفيذ الحركات الإرادية لأعضاء الجسم المختلفة وتنسيق حركة هذه الأعضاء من خلاله.


يقوم الدماغ بوظائفه من خلال مراكز عصبية موزعة على أجزائه المختلفة ويعتمد عدد الخلايا العصبية الموجودة في كل مركز من هذه المراكز وطريقة توصيلها ببعضها البعض على طبيعة الوظيفة المنوطة بكل منها . ولقد تمكن العلماء من تحديد معظم الأماكن التي تحتلها هذه المراكز باستخدام طرق مختلفة كإجراء التجارب على الحيوانات أو على الأشخاص الذين أصيبوا بضرر في بعض أجزاء أدمغتهم أو من خلال مراقبة النشاط الكهربائي للدماغ بأجهزة تصوير مختلفة لأشخاص سليمين عند قيامهم بمهام مختلفة. وبما أن أكبر أجزاء الدماغ وهما المخ والمخيخ مكونان من نصفين متماثلين  فقد وجد العلماء أن المراكز العصبية فيهما تتكرر في كل نصف وتحتل نفس المواقع وكل نصف من الدماغ مسؤول عن الإحساس أو التحكم في أعضاء نصف الجسم المعاكس له أي أن نصف الدماغ الأيمن يتحكم أو يحس بنصف أعضاء الجسم الأيسر والعكس للنصف الثاني باستثناء بعض الحالات. لقد قسم العلماء الدماغ إلى قسمين من حيث طبيعة الوظيفة التي يقوم بها وهو الدماغ اللاوعي والذي يتكون من المخ البيني وجذع المخ والمخيخ  والدماغ الواعي والذي يتكون من المخ فقط. وقد وجد العلماء أن المراكز المسؤولة عن ذلك في دماغ الإنسان لا تختلف من حيث تركيبها ومن حيث الأماكن التي تحتلها عن تلك الموجودة في أدمغة بقية الحيوانات وخاصة الثدييات. وهذا الجزء اللاواعي أو الغريزي  من الدماغ مسؤول عن الحركات اللاإرادية وتنظيم العمليات الحيوية لمختلف أعضاء الجسم  باستخدام أنظمة التغذية الراجعة من خلال ملايين الأعصاب التي ترتبط بمختلف أجزاء هذه الأعضاء. إن المراكز العصبية الخاصة بالدماغ اللاواعي موجودة في كتلة لا يتجاوز وزنها المائتي غرام وهي المخ البيني وجذع المخ والمخيخ. ويعود السبب في ذلك إلى أن البرامج المخزنة في الدماغ اللاوعي هي برامج مبيتة (embeded) بلغة علماء الحاسوب أي أن التوصيلات بين الخلايا العصبية في كل مركز ثابتة لا تتغير وهي موجودة منذ ولادة الكائن أي أنها تعمل كأنظمة تحكم فقط. 



 أما وظائف الدماغ الواعي فتوجد في القشرة المخية (Cerebral Cortex) وهي تنقسم إلى قسمين قسم يشترك بها الإنسان مع بقية الحيوانات وهي التي تتعلق بالحواس الخمس والحركات الإرادية والقسم الثاني هي التي يتميز بها الإنسان على بقية الحيوانات كالإحساس بالذات وقدرته على التفكير والتعلم والتكلم والتذكر والتخيل وكامتلاكه لمختلف أنواع العواطف والأحاسيس والمشاعر. وقد تم تقسيم القشرة المخية من حيث الوظائف العامة إلى مناطق حسية (Sensory areas) ومناطق حركية (Motor areas) ومناطق ترابطية (Association areas). فالمناطق الحسية تستلم إشارات المعلومات من الحواس الخمسة وتسمى المناطق التي تستلم هذه المعلومات من خلال المهاد بالمناطق الحسية الابتدائية (primary sensory areas). أما المناطق الحركية فترسل إشارات التحكم من خلال المهاد إلى العضلات الإرادية في الجسم وهي تتكون من من مناطق حركية ابتدائية (Primary motor areas) ومن مناطق حركية مساندة (Supplementary motor areas). وأما المناطق الترابطية فهي المناطق التي يتم فيها ظواهر الإدراك (perception) والتفكير (thinking) واللغة (language) وغير ذلك. أما لب المخ فيحتوي على محاور العصبونات  الموجودة في القشرة المخية وكذلك المحاور القادمة من أجزاء الدماغ الأخرى إلى القشرة المخية وهي ذات لون أبيض بسبب أن معظم هذه المحاور مغلفة بطبقة المايلين ذات اللون الأبيض ولذلك تسمى المادة البيضاء (white matter). 




يعتبر الفص الجبهي (frontal lobe) أكبر فصوص المخ حيث يحتل 41 بالمائة من حجمه وذلك في الإنسان إلا أن حجمه يتقلص بشكل كبير في بقية الحيوانات وتوجد فيه معظم المناطق الترابطية. وتقع في مقدمة هذا الفص أو الناصية القشرة الجبهية الأمامية (prefrontal cortex) وفيها توجد الوظائف التنفيذية (executive function) والوظائف التعرفية (cognitive skills) كالتعابير العاطفية (emotional expression) وحل المشاكل (problem solving) والذاكرة قصيرة الأمد  (short-term memory) واتخاذ القرار أو الحكم (judgment or decision making)  والتخطيط (planning) والانتباه (attention) والتعليل (reasoning) والتصرفات الجنسية (sexual behaviors) والشعور بالشخصية أو الذات (personality). وتقع في الجزء العلوي الخلفي من هذا الفص المراكز العصبية المسؤولة عن الحركات الإرادية وهي القشرة الحركية الأولية (primary motor cortex) والقشرة الحركية الأمامية (premotor cortex) وهي تغطي مساحة واسعة منه وتحتل اليد بأصابعها الخمس والشفتان واللسان مساحة كبيرة من هذه المنطقة.  وعلى جانبي القشرة الجبهية الامامية من الجهة الخلفية تقع منطقة بروكا (Broca's area) وهي المسؤولة عن توليد واستيعاب الكلام (language production and comprehension). وتوجد في هذا الفص الجبهي قشرة التذوق الأولية (primary gustatory cortex) والتي ترتبط بمستقبلات التذوق (taste receptors) الموجودة على سطح اللسان ويتم الإحساس بالطعم في قشرة التذوق الثانوية (secondary gustatory cortex) الموجودة في نفس الفص. 



ويقع الفص الجداري (parietal lobe) خلف الفص الجبهي مباشرة وتوجد في مقدمته القشرة اللمسية البدنية (somatosensory cortex)  وكذلك وحدات المعالجة الحسية وتحتل أعصاب أصابع اليد والشفتان والوجه واللسان أكبر مساحة من المساحة الكلية لحاسة اللمس. وهذا الفص مسؤول عن تنسيق حركات الجسم (Movement Coordination) والاحساس بالمكان والزمان (temporal and spatial sensation) ووضعية الجسم (body orientation) والحساب الرياضي (Mathematical Computation) والقراءة والكتابة (Reading and Writing)  وتمييز الأحجام والأشكال. أما الفص القحفي أو القذالي (occipital lobe) فيقع في مؤخرة الرأس خلف الفص الجداري وهي مخصصة لكل ما يتعلق بالإبصار حيث يوجد فيها القشرة البصرية الأولية (primary visual cortex) والتي ترتبط بشبكية العين من خلال العصب البصري. أما بقية الفص فيحتوي على الذاكرة البصرية وكذلك وحدات معالجة المعلومات البصرية (perception and processing of visual information). أما الفص الصدغي (temporal lobe) فيقع على جانبي الدماغ وهو يتكون من القشرة السمعية الأولية (primary auditory cortex)  التي تقع في أعلاه  والتي ترتبط بقوقعة الأذن من خلال العصب السمعي وأسفل منها توجد وحدة المعالجة السمعية والذاكرة السمعية والتي تعمل على استيعاب الكلام (speech comprehension). ويوجد في هذا افص أيضا الذاكرة طويلة الأمد (long-term memory)  لكل من المعلومات السمعية وكذلك البصرية إلى جانب وحدات معالجة متقدمة للمعلومات البصرية لأغراض تخزينها في الذاكرة البصرية. ويوجد في أسفل هذا الفص القشرة الشمية الأولية (primary olfactory cortex).


تجدون مقالاتي الأخرى على مدونتي التالية: