2018-07-07

وكل في فلك يسبحون


وكل في فلك يسبحون
الدكتور منصور أبوشريعة العبادي\جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية


إن من أكثر مخلوقات الكون  التي تحدث عنها القرآن الكريم هي السموات وما فيها من أجرام وقد حث القرآن الكريم البشر على التفكر فيها لكي يعلموا من خلال بديع صنعها أنه لا بد وأن يكون لها خالقا لا حدود لعلمه وقدرته فقال عز من قائل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ " آل عمران190-191. ومن المؤكد أنه كلما زادت معرفة الإنسان المتفكر   بمكونات هذا الكون وبالقوانين التي تحكمه كلما ازدادت أفاق تفكيره وتقديره لمن قام بصنع هذا الكون. ولقد جاء تأكيد هذه الحقيقة في قوله تعالى "فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ" الواقعة 75-76.  فلقد ربط الله سبحانه وتعالى تقدير عظمة القسم بمواقع النجوم بمقدار علم البشر  بهذه النجوم من حيث أحجامها وأبعادها وما يجري في داخلها كما فصلت ذلك في مقالة "فلا أقسم بمواقع النجوم".
ولم يكتف القرآن الكريم بحث البشر على التفكر في هذه المخلوقات بل ذكر لهم بعض الحقائق اللطيفة والدقيقة عن كثير من هذه المخلوقات  لكي يوقنوا عند إكتشافها أن الله عز وجل قد أحاط بها علما وذلك مصداقا لقوله تعالى "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12)" الطلاق . فها نحن في هذا العصر الذي فتح الله عز وجل فيه على البشر مختلف أنواع العلوم والاكتشافات فهمنا حق الفهم معاني كثير من الآيات القرآنية التي تتحدث عن آيات الله في الكون. فقد علمنا لماذا أقسم الله عز  وجل بمواقع النجوم وببعض أنواع النجوم كالنجم الثاقب والنجوم الخنس الجوار الكنس والسراج الوهاج والشعرى والقمر المنير وغيرها . وفهمنا ما هو المقصود بالجبال الأوتاد في الأرض وجبال البرد  في السماء والغيوم الركامية والسماء الدخانية وأفلاك الأجرام السماوية وغير ذلك الكثير.   بل إن بعض هذه الإشارات ساعدتنا  من التأكد من صحة ما توصل إليه العلماء من نتائج وخاصة تلك المتعلقة بنشأة الكون الذي حدث في الماضي السحيق والذي لم يشهده البشر كما في قوله تعالى " ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ".   
وقد لا يعلم كثير من الناس أن هذا الكون بما فيه من بلايين البلايين من الأجرام قد بني على مبدأ بسيط وبديع صرح به القرآن الكريم قبل ألف سنة من إكتشاف البشر له وهو  قوله تعالى "وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ". فهذا الكون لا يمكن أن يكون مستقرا بأي حال من الأحوال إلا إذا كان كل جرم من أجرامه في حالة حركة مستمرة ولو حدث أن توقف أي جرم عن الحركة لأنجذب فورا إلى أقرب الأجرام إليه بسبب قوة الجاذبية التي أودعها الله مادة الكون. ولهذا فقد اختار الله سبحانه نوعين من الحركة لهذه الأجرام حركة دائرية وأخرى خطية فالحركة الدائرية اختارها الله عز وجل لحفظ الأقمار حول الكواكب والكواكب حول الشموس والشموس حول مراكز المجرات ولوقف هذه المتوالية اختار الله سبحانه الحركة الخطية لحفظ المجرات من الإنجذاب لبعضها البعض حيث أنها تتحرك في مسارات  باتجاهات خارجة من مركز الإنفجار الكوني وصدق الله العظيم القائل "وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40)" يس والقائل سبحانه "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيۡلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمۡسَ وَالۡقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسۡبَحُونَ (33)" الأنبياء.


النموذج الحديث للكون
بقي البشر حتى بداية القرن السادس عشر الميلادي يعتقدون أن الأرض هي مركز  هذا الكون وأن جميع ما فيه من أجرام تتحرك حولها وهي ثابتة لا تتحرك أبدا كما توحي بذلك حواسهم إليهم. وبناءا على هذا الاعتقاد قام الفلكي الإغريقي بطليموس في القرن الثاني الميلادي بوضع أول نموذج يفسر حركات الأجرام السماوية المختلفة كالشمس والكواكب وبقية النجوم وتنص نظريته  على أن الأرض كروية الشكل وهي ثابتة في مركز الكون وتدور جميع الأجرام السماوية حولها على أبعاد ثابتة من بعضها البعض باستثناء بعض الأجرام التي تدور بعكس هذه الخلفية في مسارات تبدو متمردة. وبقي نموذج بطليموس هو المعمول به في علم الفلك حتى ظهر الفلكي الشهير كوبرنيكس في القرن السادس عشر وقرر أن الشمس هي مركز المجموعة الشمسية وتدور الكواكب بما فيها الأرض حولها. لم يبني كوبرنيكس نظريته من فراغ بل اعتمد على كم هائل من الدراسات الفلكية التي أجراها العلماء من قبله وخاصة علماء المسلمين الذين استلموا قيادة المسيرة العلمية في العصور الوسطى. 


فقد انتقد ابن الهيثم في القرن الحادي عشر من ناحية رياضية بحته نموذج بطليموس في مقالة له "شكوك حول بطليموس" وقال أنه نموذج غير قادر على تفسير كثير من الحركات الفلكية ولا بد إذا من تطويره. وقد صرح البيروني كذلك  في القرن الحادي عشر  بأن الأرض تدور حول محورها وتدور كذلك مع بقية الكواكب حول الشمس  حيث يقول بكل صراحة في كتابه "الآثار الباقية في القرون الخالية" "ليست الشمس هي سبب تفاوت الليل والنهار بل إنّ الأرض ذاتها هي التي تدور حول نفسها وتدور مع الكواكب والنجوم حول الشمس"  ولكنه عاد ليقول بأن مثل هذا القول قد لا يصلح لأننا لا نكون في موضع نتمكن من التحقق من حقيقة هذا الدوران. وقد قام العالم الفلكي الفذ ابن الشاطر الدمشقي في القرن الرابع عشر ببناء نموذج معقد كانت الشمس فيه مركز لحركات الكواكب وتتحرك هي بدورها حول الأرض وقد تمكن هذا النموذج من تفسير معظم الحركات الفلكية التي فشل نموذج بطليموس من تفسيرها وهو أقرب ما يكون للنموذج الذي وضعه كوبرنيكس فيما بعد وقد نشر نتائج أبحاثه في كتابه "تحرير نهاية السؤال في تصحيح الأصول".




وفي عام 1543م نشر  الفلكي البولندي نيكولاس  كوبرنيكس (Nicolaus Copernicus)  نظرية جديدة تقول أن الشمس هي مركز المجموعة الشمسية وأن الكواكب بما فيها الأرض تدور حولها في مدارات مستقلة وأثبت كذلك أن الأرض تدور حول محورها دورة كاملة كل 24 ساعة فينتج عن ذلك ظاهرة الليل والنهار بينما تدور حول الشمس مرة كل عام مما ينتج عنها ظاهرة تغير الفصول. لقد قابل عامة الناس إدعاءات كوبرنيكس حول حركة الأرض بالسخرية بل تجاوز الأمر حد السخرية وقررت الكنيسة محاكمة كوبرنيكس وكل العلماء الذين يرون رأيه واتهموهم بالزندقة والكفر وقاموا بمصادرة وإحراق أبحاثهم ففر كوبرنيكس من روما حتى لا يتم القبض عليه وإلا كان مصيره الإعدام أو الحرق كما حدث لبعض العلماء. وفي مقابل هذه السخرية من قبل عامة الناس كانت فرحة علماء الفلك بهذه النظرية غامرة فقد حلت هذه النظرية عدد لا يحصى من الألغاز التي كانت تحيرهم حول حركة الأجرام السماوية وخاصة كواكب المجموعة الشمسية. واعتمد كوبرنيكس  على المنهج الاستقرائي لإثبات أن الأرض متحركة وليست ساكنة وذلك بالإعتماد على أدله كثيرة يعضد بعضها بعضا جعلت كوبرنيكس يصل إلى قناعة تامة بأن الأرض ليست بساكنة.  ومن الأدلة التي اعتمد عليها كوبرنيكس هو أن حساب حركات الأجرام السماوية تصبح سهلة جدا بافتراض أن الشمس هي مركز المجموعة الشمسية بعد أن كانت بالغة التعقيد في حالة افتراض أن الأرض هي المركز. وكذلك فإنه من غير المعقول أن الشمس التي يفوق حجمها حجم الأرض بمليون مرة تدور حول هذه الأرض الصغيرة الحجم بل العكس لا بد أن يكون هو الصحيح. إن منتهى العبقرية أن يكذب الإنسان حواسه التي توحي له بأن الأرض ساكنة لا تتحرك ويصدق الحسابات الرياضية التي تثبت أن الأرض في حركة دائبة.


وفي عام 1619م   تمكن الفلكي الألماني جوهانس كيبلر (Kepler)  من خلال القياسات التجريبية التي قام بها علماء سبقوه لمدارات الكواكب حول الشمس من تحديد أشكال ومواصفات هذه المدارات بمعادلات رياضية.  فلقد قام  كيبلر بوضع ثلاثة قوانين رياضية تجريبية سميت باسمه تصف بدقة عالية طبيعة هذه المدارات.  فالقانون الأول لكيبلر  يحدد شكل المدار الذي يتخذه الكوكب حول الشمس وهو مدار بيضاوي أو اهليلجي بحيث تكون الشمس في إحدى بؤرتيه وأما القانون الثاني فيحدد سرعة الكوكب في المدار وأما القانون الثالث فيحدد زمن دورة الكوكب في مداره.  ومع ظهور هذه القوانين الثلاث لكيبلر  زال أي شك في نموذج مركزية الشمس الذي اقترحه كوبرنيكس في عام 1543م بسبب قدرته الفائقة على تحديد مدارات وسرعات ودورات جميع  كواكب المجموعة الشمسية.

ومع اكتشاف العالم الانجليزي الفذ  اسحق نيوتن لقانون الجذب العام وقوانين الحركة الثلاث في  عام  1687م كان أول ما قام به نيوتن هو التأكد من صحة نموذج  كوبرنيكس لمركزية الشمس وكذلك صحة قوانين كيبلر الثلاث باستخدام قوانينه بطريقة رياضية بحتة. وكانت النتيجة هو التطابق التام بين النتائج التي حصل عليها نيوتن بشكل رياضي بالاعتماد على قوانين فيزيائية  وقوانين كيبلر  المبنية على القياسات التجريبية. ولا يمكن لنا أن نتخيل مدى فرحة هذا العبقري بهذه النتائج فهي أولا أنها أثبتت صحة قوانينه لتمكنها من تفسير قوانين كيبلر المبنية على القياسات التجريبية وثانيا أنها أكدت على صحة نموذج مركزية الشمس لكوبرنيكس.  ومع ظهور قوانين نيوتن أصبح تفسير   حركات جميع أجرام السماء  وليس فقط كواكب المجموعة الشمسية في منتهى السهولة بالنسبة للمختصين في هذا المجال.  أما النتيجة الأهم لهذه القوانين فهي أن الكون بناء على قانون الجاذبية لا يمكن أن يكون مستقرا إلا إذا كان كل جرم من أجرامه في حالة حركة مستمرة ولو حدث أن توقف أي جرم عن الحركة لأنجذب فورا إلى أقرب الأجرام إليه وأندمج معه.  ولمنع الأجرام السماوية من الإنهيار على بعضها البعض كان لزاما أن  يدور بعضها حول بعض بحيث تتساوى قوة الجذب بينها مع قوة الطرد المركزي الناتجة عن حركتها الدائرية. ولذلك نجد أن الأقمار تدور حول كواكبها والكواكب تدور حول نجومها  والنجوم تدور حول مركز  المجرة  في هذا الكون لكي لا تسقط على بعضها البعض.


لقد اختار الله سبحانه وتعالى الحركة الدائرية لحفظ الأقمار حول الكواكب والكواكب حول النجوم والنجوم حول مراكز المجرات والمجرات حول مراكز عناقيد المجرات ولكن بما أن هذه المتوالية لن تستمر  إلى ما لانهاية بسبب محدودية حجم هذا الكون كان لا بد من وقفها. ولكن  إيقاف الحركة الدائرية عند مستوى ما  كعناقيد المجرات على سبيل المثال يعني إنهيار كامل للكون نحو المركز بسبب قوة الجذب بين هذه المجرات. لقد كان الحل لهذه المعضلة الكبرى التي تتعلق باستقرار الكون في اكتشاف ما يسمى  بالإنفجار العظيم (the big bang) والذي عمل على دفع المجرات بسرعات خيالية بعيدا عن مركز الكون للتغلب على قوة الجاذبية بينها وبذلك تمنع الكون من الانهيار على بعضه وصدق الله العظيم القائل "إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا" فاطر 41.  لقد ظهرت نظرية الانفجار  العظين بعد أن قام الفلكي والرياضي الروسي الكسندر فريدمان في عام 1922م بإعادة حل معادلات النسبية العامة التي وضعها ألبرت أينشتاين في عام 6191م  وتبين له من الحل أن الكون في حالة توسع دائم وذلك على عكس ما توصل إليه أينشتاين عندما حل هذه المعادلات وأثبت أن الكون ساكن. وقد اعترف أينشتاين فيما بعد بأنه قد ارتكب أكبر غلطة في حياته عندما اختار قيمة الثابت الكوني (cosmological constant) في معادلاته ليبقى على الكون ساكنا (static universe) لأن ذلك كان هو الاعتقاد السائد في الأوساط العلمية. وفي عام 1929م اكتشف الفلكي الأمريكي إدوين هابل (Edwin Hubble) بالاعتماد على قياس مقادير الإزاحة الحمراء (red shift) في الطيف المنبعث من أعداد كبيرة من المجرات أن المجرات البعيدة تنحسر بسرعة أكبر من المجرات القريبة ثم قام بوضع القانون الذي يربط ما بين المسافة التي تفصلنا عن هذه المجرات وبين سرعة انحسارها أو ما يسمى بقانون هابل (Hubble's law). إن مثل هذه الظاهرة لا يمكن تفسيرها إلا من خلال افتراض أن هذه المجرات قد انطلقت من مكان واحد في هذا الكون وتطايرت في جميع الاتجاهات هذا على افتراض أن الكون متجانس في جميع أرجاءه وذلك في النطاق الواسع (large scale) وهي أحد أهم الفرضيات التي يعتمد عليها علماء الكون في دراساتهم. وفي عام 1931م اقترح القس البلجيكي جيرجس لامتير (Georges Lemaître) سيناريو للطريقة التي نشأ بها الكون وهو أنه قد ظهر نتيجة لانفجار عظيم (massive blast) لما يسمى بالبيضة الكونية (cosmic egg) والتي كانت تحتوي على جميع مادة وطاقة هذا الكون وقد أطلق على هذا الإنفجار فيما بعد اسم الانفجار العظيم (Big Bang).  وبناءا على هذه الحقيقة بدأ علماء الفيزياء الفلكية بدراسة سلسلة الأحداث والمراحل التي مر بها الكون منذ لحظة انفجاره إلى الآن ومن أهم المراحل  التي  اكتشفها العلماء هي المرحلة التي امتلأ بها الفضاء الكوني بالجسيمات الأولية ثم الذرات  (particle era) والتي بنيت منها جميع أجرام هذا الكون فيما بعد. ولقد أشار  القرآن الكريم إلى هذه المرحلة قبل اكتشاف العلماء لها بما يزيد عن 1350 عام وذلك في  قوله تعالى "ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) " فصلت.


لقد شرحت نظرية الانفجار العظيم في أكثر من مقالة كمقالة (فلا أقسم بمواقع النجوم) ومقالة (الانفجار العظيم في القرآن الكريم وفي صحف إدريس) المنشورة على هذه المدونة ولكن سأورد فيما يلي بعض الآيات القرآنية التي تؤكد حدوثه. فقد أشار القرآن الكريم إلى أن السموات وما تحويه من أجرام كانت كتلة واحدة ثم تفتفت جميع مادة هذا الكون من هذه الكتلة التي ملأت الكون بمادة دخانية وذلك مصداقا لقوله تعالى "أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ" الأنبياء 30. وممّا يؤكد على أن مادة هذا الكون قد جاءت نتيجة انفجار كوني ضخم هو إشارة القران إلى أن الكون في توسع مستمر والتوسع لا يتأتى إلا إذا بدأ الكون من جرم صغير وبدأ حجمه بالازدياد وذلك مصداقا لقوله تعالى "وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ" الذاريات 47. أما الآية الثالثة التي تؤيد صحة هذه الفرضية هو قوله تعالى "يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ" الأنبياء 104 فإذا كانت الآية السابقة تشير إلى توسع الكون عند بدايته فإن هذه الآية تشير إلى انكماشه عند نهايته وسيعيد الله الكون إلى ما كان علية عند بدايته.  أما الآية التي كشفت إحدى المراحل التي مر بها الكون بعد  الإنفجار العظيم وهي مرحلة الدخان وهي في  قوله تعالى "ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12)" فصلت. لقد تفرد القرآن الكريم دون بقية الكتب السماوية السابقة بذكر حقيقة أن مادة الكون الأولية كانت على شكل دخان وهو تعبير مجازي عن الجسيمات الأولية التي ملأت الفضاء الكوني بعد الإنفجار العظيم. ولا بد هنا من أن نسأل الذين لا يصدقون بأن هذا القرآن منزل من عند الله عز وجل من أين جاء هذا النبي الأمي الذي عاش في أمة أمية بهذه الحقيقة الكبرى عن حالة الكون عند بداية خلقه والتي بقيت مجهولة إلى أن كشفها الله على أيدي خلقه في هذا العصر فقط وصدق الله العظيم القائل "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) " فصلت والقائل سبحانه "وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93)" النمل.

قانون الجذب العام وقوانين الحركة
تحكم جميع مكونات هذا الكون ثلاثة قوى رئيسية  وهي أولا قوة الجاذبية  والتي تحكم حركة الأجرام في مداراتها والقوة الكهرومغناطيسية  وتحكم حركة الالكترونات حول أنوية الذرات والقوة النووية بنوعيها والتي تربط البروتونات والنيوترونات  في داخل أنوية الذرات.  فقانون الجاذبية الذي اكتشفه الفيزيائي والرياضي الانجليزي الشهير اسحق نيوتن في عام  1687م ينص على أن أي جسمين يجذبان بعضها البعض بقوة تتناسب طرديا مع حاصل ضرب كتلتيهما  وعكسيا مع مربع المسافة بين مركزيهما وبثابت تناسب يسمى ثابت التجاذب الكوني (universal gravitational constat G= 6.674x10-11 m3/kg.s2) .  وإلى جانب قانون الجاذبية اكتشف نيوتن في نفس الفترة قوانين الحركة الثلاث فأولهما ينص على أن الجسم يبقى على حالته من سكون أو حركة طالما لم تؤثر عليه قوة خارجية. وأما الثاني فينص على أن الجسم إذا ما اثرت عليه قوة ثابتة فإنه يتسارع بمقدار يساوي حاصل قسمة القوة على كتلته وأما الثالث فينص على أن الجسم إذا أثر بقوة على جسم آخر فإن الجسم الثاني سيؤتر بنفس القوة على الجسم الأول ولكن بعكس الاتجاه أو  بصيغة أخرى لكل فعل رد فعل مساوي له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه. لقد كان أول تطبيق لقانون الجاذبية وقوانين الحركة الثلاث  هو قيام نيوتن بنفسه بتحديد حركة ومدارات كواكب المجموعة الشمسية ومدار القمر حول الأرض وكانت النتيجة مطابقة تماما للنتائج التي حصل عليها كيبلر   في عام 1619م ولكن كانت بطريقة تجريبية.  وبمعرفة ثابت التجاذب الكوني تمكن العلماء من حساب كتلة الشمس وجميع الكواكب وكذلك أي جرم في السماء إذا ما تم معرفة مدة دوراتها في مداراتها فعلى سبيل المثال تبلغ كتلة الشمس (1.989X 1030 kg) وكتلة الأرض  (5.972X 1024 kg) .



أشكال المدارات وعناصرها
يتم تحديد أشكال مدارات الأجرام السماوية الطبيعية منها والصناعية باستخدام علم الميكانيكا المدارية (orbital mechanics) وهو أحد أفرع الميكانيكا السماوية (celestial mechanics) في الفيزياء الفلكية.  ويتم استخدام قانون الجاذبية وقوانين الحركة الثلاث إلى جانب الأدوات الرياضية المختلفة وعلى رأسها التفاضل والتكامل لحل المدارات التي تتبعها الأجرام المختلفة عند وجودها بالقرب من بعضها. إن تحديد مدارات الأجرام بشكل عام من الصعوبة بمكان بحيث أنه لم يتم حل المسألة بطرق تحليلية إلا لحالة الجسمين أما في حالة ثلاثة أجسام وأكثر  فإنه يتم استخدام التحليل الرقمي والنمذجة الحاسوبية لإيجاد مدارات مثل هذه الأجسام.  وتصبح المسألة سهلة الحل في حالة دوران الأجسام الصغيرة حول أجسام كبيرة تفوقها وزنا  كدوران الكواكب حول النجوم والأقمار  الطبيعية والصناعية حول الكواكب.

                ولقد تمكن الفلكي الألماني جوهانس كيبلر (Kepler)  في عام 1619م  من خلال القياسات التجريبية لمسارات الكواكب حول الشمس من تحديد أشكال مداراتها وقام بوضع ثلاثة قوانين سميت باسمه تصف طبيعة هذه المدارات.  فالقانون الأول لكيبلر ينص على أن المدار الذي يتخذه الكوكب حول الشمس له شكل القطع الناقص  (البيضاوي أو الاهليلجي) (ellipse) وتكون الشمس في إحدى بؤرتيه. أما القانون الثاني فينص على أن الخط الواصل بين الكوكب والشمس يقطع مساحات متساوية في الفترات الزمنية المتساوية أثناء حركة الكوكب في مداره. أما القانون الثالث فينص على أن مربع زمن الدورة  المدارية (orbital period) يتناسب مع مكعب نصف طول المحور الأكبر  للمدار  وثابت التناسب هو ثابت كيبلر (Kepler constant) للشمس وهو يساوي حاصل ضرب ثابت التجاذب الكوني في كتلة الجسم المركزي وهي الشمس في هذه الحالة. ومدار  القطع الناقص هو مدار  ذو شكل بيضاوي وله بؤرتان أو مركزان  وقطران  أكبر وأصغر ويتحدد بكميتين وهما نصف طول القطر الأكبر(semi-major axis) والانحراف المركزي (eccentricity) والذي يتخذ قيم تتراوح بين الصفر  والواحد. ويعتبر المدار  الدائري حالة خاصة من المدار  البيضاوي  عندما تبلغ قيمة الانحراف المركزي الصفر  ويتطابق المركزان في مركز واحد والقطران في قطر واحد. وسرعة الكوكب في المدارات البيضاوية غير ثابتة فهي أعلى ما تكون في نقطة الحضيض (perigee) عندما يكون الكوكب أقرب ما يكون للشمس وأقل ما تكون في نقطة الأوج (apogee)عندما يكون الكوكب أبعد ما يكون عن الشمس. أما في المدار الدائري فإن سرعة الكوكب ثابتة بسبب ثبات بعده عن الشمس.



ويلزم لتوصيف أي جرم في مداره  في الفضاء بشكل كامل ستة قيم  تسمى العناصر المدارية  (orbital elements) أو عناصر كيبلر (Keplerian elements).  فإثنان منها تحدد شكل المدار وهما نصف طول القطر الأكبر(semi-major axis) والانحراف المركزي (eccentricity) وثلاثة منها وهي زوايا  تحدد اتجاه مستوى المدار  (orbital plane) بالنسبة لمستوى مرجعي (reference plane) وهي أولا زاوية الميل (inclination angle ) بين المستويين  وثانيا خط طول العقدة الصاعدة (longitude of ascending node) وهي زاوية تقاس من اتجاه مرجعي (reference direction) محدد إلى نقطة تقاطع المدار مع المستوى المرجعي في حالة صعود الجرم وثالثا زاوية ميل نقطة الحضيض عن خط تقاطع المدار  مع المستوى المرجعي.  أما العنصر الأخير فيحدد موقع الجرم في المدار  عند كل لحظة زمنية وتقاس كزاوية تسمى الزاوية الحقيقية  (true anomaly) لموقع الجرم مقاسة من نقطة الحضيض. إن تحديد هذه العناصر المدارية من الأهمية بمكان للأقمار  الصناعية والمركبات الفضائية  فالمحطات الأرضية التي تتحكم بهذه الأقمار  تحتاج لمعرفة  موقع القمر الصناعي  أو  المركبة بشكل بالغ الدقة لضمان الاتصال به بشكل مستمر.

سرعة وطاقة الأجرام في المدارات
يلزم الجرم لكي يبقى سابحا في مداره حول الجرم المركزي أن يتحرك بسرعة محددة بحيث تتساوى فيها قوة جاذبية الجرم المركزي مع قوة الطرد المركزي (centrifugal force) على الجرم الدائر. ومن السهل في حالة المدارات الدائرية حساب هذه السرعة وهي تساوي الجذر التربيعي لحاصل تقسيم ثابت كيبلر   للجرم المركزي(m=GM) على المسافة بين مركز ي الجرمين (V= ) وهي سرعة ثابتة بسبب ثبات المسافة. ويبلغ ثابت كيبلر للشمس (1.327X 1020 (m3/s2    وللأرض (3.986 X 1014 m3/s2) وعند تعويض المسافة بالأمتار نحصل على السرعة بالمتر  في الثانية.  أما في المدارات البيضاوية فإن سرعة دوران الجرم متغيرة حسب معادلة معينة وهي أعلى ما تكون في نقطة الحضيض (perigee) وأقل ما تكون في نقطة الأوج (apogee). ولا تعتمد سرعة دوران الجرم في أي مدار  على كتلته فالجرم الصغير  أو الكبير  إذا ما وضعا في  نفس المدار   فإنهما سيدوران بنفس السرعة. وأما الحقيقة الأهم  فهي أن الجرم إذا ما تم وضعه في المدار  بالسرعة اللازمة فإنه سيبقى يدور فيه إلى الأبد وبدون أي قوة دافعة طالما لم تؤثر  عليه قوة تحرفه عن مساره وذلك طبقا لقانون نيوتن الأول للحركة. ولذلك نجد أن الأقمار تدور حول كواكبها والكواكب حول نجومها في هذا الكون دون انحراف يذكر  وذلك منذ أن وضعها الله عز وجل في مداراتها قبل بلايين السنين. وعلى سبيل المثال فإن محطة الفضاء الدولية تدور في مدار دائري على ارتفاع 400 كيلومتر  عن سطح البحر  وبسرعة تبلغ  27650 كيلومتر في الساعة وتكمل دورتها حول الأرض في تسعين دقيقة. أما الأقمار الصناعية المتزامنة فتدور في مدار دائري حول خط الاستواء على ارتفاع 36000 كيلومتر عن سطح البحر وبسرعة تبلغ 11052 كيلومتر في الساعة وتكمل دورتها في يوم واحد وهي دورة الأرض حول نفسها ولذا تبدو ثابتة لمن يشاهدها من الأرض.



ويحتاج الجرم لوضعه في مداره بالسرعة المطلوبة كمية من الطاقة يمكن حسابها إذا ما تم معرفة الموقع الابتدائي والسرعة الابتدائية للجرم قبل وضعه في المدار . وتتكون طاقة الجرم وهو في مداره من مجموع طاقة الوضع (potential energy) والتي تساوي حاصل ضرب ثابت الجاذبية بكتلتي الجرم المركزي والجرم الدائر  مقسوم على المسافة بين مركزيهما (-GmM/r) والطاقة الحركية (kinetic energy) والتي تساوي نصف حاصل ضرب كتلته في مربع سرعته (0.5 m V2).  ويبقى مجموع طاقة الوضع والطاقة الحركية ثابتا لكل مدار  ولذا نجد أن الجرم في المدارات البيضاوية يتسارع عند اقترابه من الجرم المركزي ويتباطأ عند ابتعاده عنه. وللتوضيح يتم وضع الأقمار الصناعية المختلفة في مداراتها  باستخدام صواريخ جبارة تقوم برفع نفسها ووقودها والقمر الصناعي الذي تحمله إلى الارتفاع المطلوب للمدار ثم يتم دفع القمر  بالقوة المناسبة ليصل إلى السرعة التي تبقيه في مداره. وتحدد سرعة اطلاق القمر  الصناعي بشكل موازي لسطح الأرض عند ارتفاع معين شكل المدار الذي سيتخذه فإذا كانت السرعة تساوي الجذر التربيعي لحاصل تقسيم ثابت كيبلر  للأرض على المسافة بين مركز ي الجرمين   (V= ) فإن المدار  سيكون دائري الشكل. إما إذا كانت السرعة  أقل من هذه السرعة فسيكون المدار  بيضاوي الشكل وتكون الأرض في المركز  الأبعد للمدار  عن نقطة الاطلاق.  وإما إذا كانت السرعة  أعلى من هذه السرعة فسيكون المدار  أيضا بيضاوي الشكل ولكن تكون الأرض في المركز  الأدنى للمدار  من نقطة الاطلاق. وإذا ما بلغت سرعة الاطلاق   حاصل ضرب سرعة المدار الدائري بالجذر التربيعي للرقم اثنان    فسيكون المدار  من نوع القطع المكافيء (Parabola)  وهو مدار غير  مغلق يهرب فيه القمر  الصناعي إلى الفضاء الخارجي ولذا تسمى هذه السرعة بسرعة الهروب أو الإفلات  (escape velocity). وتبلغ سرعة الإفلات من الأرض (11.17 km/s) أو  أربعين ألف كيلومتر في الساعة تقريبا.  وإذا ما زادت سرعة الاطلاق عن سرعة الإفلات  فسيكون المدار  من نوع القطع الزائد (Hyparabola)  وهو أيضا مدار غير  مغلق تكون فيه قيمة الانحراف المركزي أكبر من واحد بينما يساوي الواحد في مدار القطع المكافيء.  وتستخدم المدارات من نوع القطع المكافيء والزائد غير المغلقة لإرسال المركبات الفضائية إلى الفضاء الخارجي لاستكشاف كواكب المجموعة الشمسية والشمس وغيرها.


الإنفجار العظيم وطاقةالكون واستقراره
إن وضع قمر صناعي بوزن لا يتجاوز الطن الواحد وفي مدار يرتفع عن سطح الأرض 400 كيلومتر يحتاج لحرق عدة مئات من الأطنان من الوقود وعلى ذلك علينا أن نتخيل كمية الطاقة  اللازمة لوضع قمر الأرض الذي يبلغ وزنه 73 بليون بليون طن في مدار حول الأرض على إرتفاع 384 ألف كيلومتر  أو وضع الأرض وبقية الكواكب حول الشمس وهكذا لبقية أجرام الكون. وإذا ما قمنا بحساب كمية الطاقة التي تلزم لوضع بلايين البلايين من النجوم والكواكب في مداراتها فإن الرقم سيفوق حد التصور وبالتالي يثار سؤال مهم حول مصدر هذه الطاقة والكيفية التي وضعت بها هذه الأجرام في مداراتها. ويقدر العلماء كتلة الكون المشاهد برقم يساوي حاصل ضرب الرقم 3 بالرقم 10 مرفوع للأس 52 كيلوغرام (3 × 1052 Kg) وإذا ما علمنا أن كتلة الشمس تساوي حاصل ضرب الرقم 2 بالرقم 10 مرفوع للأس 30 (2 × 1030 Kg) فإن كتلة الكون تعادل 15 ألف بليون بليون كتلة شمسية (solar mass). أما كمية الطاقة الموجودة في هذا الكون فتقدر برقم يساوي حاصل ضرب الرقم 4 بالرقم 10 مرفوع للأس 69 جول (4 × 1069 Joule) وللمقارنة فإن كمية الطاقة التي تشعها الشمس في الثانية الواحدة هي تقريبا 400 بليون بليون ميجاوات (3.86 × 1026 Joule). وهذه الطاقة تشمل الطاقة الكامنة في كتلة الكون والطاقة الحركية للإلكترونات في دورانها حول أنوية الذرات والطاقة الحركية للأقمار والكواكب والنجوم وهي تدور في مداراتها المختلفة وللمجرات وهي مندفعة بسرعات خيالية في الفضاء.

  ولقد تمكن العلماء  من تحديد مصدر هذه الطاقة الهائلة وهو الإنفجار الكوني العظيم الذي  ملأ الكون بكمية هائلة من الجسيمات الأولية أو الدخان حسب التعبير القرآني والتي كانت تندفع بسرعة وبطاقة حركية خيالية بعيدا عن مركز الإنفجار. ولقد تكونت دوامات ضخمة من ذرات المادة في مختلف أرجاء الكون وهي تنطلق بسرعات خيالية نتيجة لفعل الجاذبية بينها. ومن هذه الدوامات الدخانية الضخمة التي تدور حول نفسها تشكلت المجرات وكذلك النجوم والكواكب من دوامات أصغر  في داخل هذه الدوامات الضخمة ولذا نجد أن جميع الأقمار والكواكب والنجوم والمجرات تدور في نفس الاتجاه. إن هذه الطاقة الحركية الهائلة هي التي وضعت الأقمار حول كواكبها والكواكب حول شموسها والشموس حول مراكز مجراتها وهي التي تدفع بالمجرات الضخمة بالإندفاع بسرعات خيالية لمستقراتها. ومن الصعب جدا  أن نتخيل سيناريو آخر غير الإنفجار الكوني يمكنه أن يفسر وضع هذا الكم الهائل من الأجرام السماوية في مداراتها المختلفة وبهذه السرعات الخيالية. لقد حقق هذا الانفجار  العظيم مطلبين من مطالب استقرار الكون على مدى عمره الطويل فالمطلب الأول هو عدم انهيار  الكون على نفسه بسبب قوة الجاذبية بين أجرامه فكان الحل هو دفع مجرات الكون بسرعات عالية باتجاه بعيدا عن مركز  الكون من خلال هذا الانفجار الرهيب. أما المطلب الثاني فهو  عدم انهيار  الكواكب والنجوم على بعضها فكان الحل في تحريكها في مدارات حول بعضها بحيث تتساوى قوة الجذب مع قوة الطرد المركزي.  إن اختيار الانفجار العظيم ليكون بداية لخلق هذا الكون تدل على مدى علم وإبداع من اختاره حيث أن الكون لن يكون مستقرا أبدا لو تم خلقه بغير هذه الطريقة.

أبعاد الكون المشاهد
يقدر العلماء قطر الكون المشاهد (visible universe) وهو الكون الذي يمكن أن تراه المراصد الفلكية بما يقرب من 92 بليون سنة ضوئية بينما يبلغ عمره 13,7 بليون سنة, والسنة الضوئية (light year) هي المسافة التي يقطعها الضوء في السنة الأرضية والتي تساوي 9,46 ألف بليون كيلو متر (9.46 × 1012 km) علما بأن الضوء يقطع مسافة 300 ألف كيلو متر في الثانية الواحدة. وأما الفرسخ الفلكي (Parsec) فيساوي 3,27 سنة ضوئية أو ما يعادل 31 ألف بليون كيلومتر تقريبا. فالقمر على سبيل المثال يبعد عن الأرض 1،3 ثانية ضوئية أو ما يعادل 384 ألف كيلومتر والشمس تبعد عن الأرض حوالي 8 دقائق ضوئية أو ما يعادل 150 مليون كيلومتر بينما يبعد أقرب النجوم إلي الأرض وهو النجم ألفا سنتوريا (Alpha Centauri) 4,23 سنة ضوئية أو 1,3 فرسخ فلكي أو ما يعادل 40 ألف بليون كيلو متر . أما أقرب المجرات إلينا فهي مجرة المرأة المسلسلة أو الأندروميدا (Andromeda) وهي تبعد 2,36 مليون سنة ضوئية أو ما يعادل 22 بليون بليون كيلومتر، ويبلغ قطر المجموعة الشمسية تسع ساعات ضوئية أو ما يعادل 10 بليون كيلومتر بينما يبلغ قطر مجرة درب التبانة مائة ألف سنة ضوئية أو ما يعادل 946 مليون بليون كيلومتر وصدق الله العظيم القائل "فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ" الواقعة 75-76، وفي هذه الآية إشارة واضحة إلى ضخامة هذا الكون فالبشر لا يمكنهم إدراك عظمة القسم بمواقع النجوم إلا إذا علموا فعلا بالمسافات التي تفصل بين هذه النجوم وها نحن في هذا العصر ندرك عظمة هذا القسم بعد أن شاء الله أن نحيط بشيء من علمه حول أبعاد كونه.

ويقدر العلماء بشكل تقريبي عدد المجرات في الكون المشاهد  بثلاثمائة بليون مجرة وتحتوي كل مجرة في المتوسط على مائة بليون نجم وما يتبع هذه النجوم من كواكب وأقمار. ويبلغ متوسط المسافة بين مجرتين متجاورتين 2,5مليون سنة ضوئية أو ما يعادل 23 بليون بليون كيلومتر أما متوسط المسافة بين نجمين متجاورين فتبلغ في المتوسط سنتين ضوئيتين أو ما يعادل 19 ألف بليون كيلومتر وأما المسافة بين الكواكب المتجاورة فتقاس بعشرات الملايين من الكيلومترات. أما السرعات التي تتحرك بها هذه الأجرام في الفضاء فهي في غاية الضخامة فعلى سبيل المثال فإن  القمر يدور حول الأرض بسرعة 3683 كيلومتر في الساعة والأرض تدور حول الشمس بسرعة 108 آلاف كيلومتر في الساعة والشمس تدور حول مركز المجرة يسرعة 800 ألف كيلومتر في الساعة أما مجرة درب التبانة فتندفع بسرعة تزيد عن مليوني كيلومتر في الساعة. وعلى الرغم من هذه السرعات الخيالية إلا أننا نعيش آمنين مطمئنين على سطح هذه الأرض التي نحسبها ثابتة لا تتحرك أبدا وهي في الحقيقة  تتحرك حركة خفية كحركة السحاب  في السماء وصدق الله العظيم القائل  "وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ" النمل 88.  وفي هذه الآية إشارة واضحة لمبدأ نسبية الحركة الذي اكتشفه البشر بعد ألف سنة من نزول القرآن الكريم فالإنسان قد يرى بعض الأشياء جامدة لا تتحرك بينما هي في حركة دائبة ولكن لا نشعر بها كما هو الحال مع ركاب الطائرة أو  حركة السحاب المتصل في السماء.




2018-06-17

الأرض المسطحة والأرض الكروية


الأرض المسطحة والأرض الكروية
الدكتور منصور أبوشريعة العبادي\جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية



                        مما  أودع الله عز وجل في هذا المخلوق العجيب الذي جعله خليفة له على هذه الأرض هو  ما يسميه العلماء بحب الاستطلاع وهو  رغبة الإنسان في فهم الطريقة التي تعمل بها الأشياء من حوله. ويقول العلماء أنه ربما يكون حب الاستطلاع هو المحرك الأول وراء تقدم المعرفة الإنسانية واثبتوا كذلك وجود ترابط وثيق بين درجة التحصيل العلمي لدى المتعلمين ومقدار غريزة حب الاستطلاع لديهم. ولقد كان اهتمام البشر  في فهم ما يجري في السماء من ظواهر  هو الدافع في معرفة فيما إن كانت الأرض مسطحة أم مكورة وذلك لكي يتمكنوا من فك سر طلوع الشمس من المشرق ثم غيابها في المغرب ثم طلوعها من جديدمن المشرق. ولقد تمكن البشر  على مدى ما يزيد عن ألفي عام من إثبات أن الأرض كروية  الشكل وذلك باستخدام طرق مختلفة وقاموا بقياس قطرها بدقة عالية وتمكنوا من تفسير كثير من الظواهر  بناء هذه الحقيقة. وفي منتصف القرن السادس عشر الميلادي تأكد البشر  من أن الأرض تدور حول نفسها وتدور مع بقية الكواكب حول الشمس وليس العكس. وفي القرن العشرين اكتشف البشر أن الشمس مع كواكبها تدور حول مركز مجرة التبانة والتي تحتوي على مئات البلايين من الشموس المختلفة الأحجام   وأنه يوجد مئات البلايين من المجرات التي تملأ الفضاء الكوني. ومع اكتشاف القوانين الثلاث التي تحكم جميع مكونات الكون ابتداء من الذرات وانتهاء بالمجرات وهي قوى الجاذبية والكهرومغناطيسية والنووية وخصائصها  أصبح تفسير جميع ظواهر  الكون في غاية الوضوح.  لقد تعجب العلماء من أن هذا الكون المعقد والمتزن  تحكمه فقط ثلاث قوى بسيطة أودعها الله عز وجل ذرات مادة الكون وصدق الله العظيم القائل "الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ " الملك  والقائل سبحانه "صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ " النمل والقائل سبحانه "وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا" الفرقان. 



وإذا كان دافع العلماء في السابق  فيما إن كانت الأرض مسطحة أو كروية هو  حب الاستطلاع إلا أنه في العصر الحديث أصبحت معرفة هذه الحقيقة بالغة الضرورة لكثير من التطبيقات الحديثة التي سهلت من حياة البشر  كحركة الطائرات والسفن واطلاق مختلف أنواع الأقمار الصناعية  والمركبات الفضائية لتقديم خدمات لا حصر لها للبشر. إن نموذج الأرض الكروية ودورانها حول نفسها وحول الشمس استخدمه المشتغلون في المجالات التي تحتاج لمثل هذه النموذج كعلماء الفلك ومهندسي الطائرات والصواريخ والأقمار الصناعية والمركبات الفضائية والرادارات  والاتصالات بكل دقة في تصميم أنظمتهم المختلفة.  ولا اعتقد أن أي من هؤلاء العلماء أو المهندسين يخطر في باله فكرة أن تكون الأرض مسطحة حيث أن نموذج مثل هذه الأرض المزعومة لا يمكنه حتى في تحديد أوقات الكسوف والخسوف ناهيك عن أبعاد مدارات الأقمار الصناعية ومسارات المركبات الفضائية وارتفاعات أبراج الرادارات والاتصالات وغيرها.  ولقد اعتبر حجة الإسلام أبو حامد الغزالي قدرة نموذج الأرض الكروية على التنبؤ بمواعيد  الكسوف والخسوف دليلا على صحة هذا النموذج فقال في كتابه تهافت الفلاسفة (فإن هذه الأمور تقوم عليها براهين هندسية حسابيَّة لا يبقى معها ريبة فمن تطلَّع عليها ويتحقَّق أدلّتها حتى يُخبر بسببها عن وقت الكسوفين وقدرهما ومدة بقائهما إلى الانجلاء إذا قيل له إن هذا على خلاف الشرع لم يسترب فيه وإنما يستريب في الشرع وضرر الشرع ممَّن ينصره لا بطريقه أكثر من ضرره ممّن يطعن فيه بطريقة وهو كما قيل: عدوّ عاقل خير من صديق جاهل).

ومن المفارقات العجيبة أن يظهر  في عصر النهضة العلمية الحديثة  من يرفض نظرية الأرض الكروية ويتبنى نظرية الأرض المسطحة ويعمل لها نموذج مبني على ما ورد في الكتب المقدسة من نصوص. وتقوم عقيدة المؤمنين بالأرض المسطحة على ثلاثة ركائز الأولى هي الإيمان بالحقائق الواردة في الكتب المقدسة حول بنية الكون والثانية التصديق فقط بما تمليه عليهم حواسهم  والثالثة رفض معظم قوانين الفيزياء التي تحكم الكون كما سأفصل ذلك.  ويعتقد غالبة أنصار  هذه النظرية أن العلوم الحديثة جاءت فقط لمحاربة وهدم الأديان  ومع تمكن البشر  من غزو الفضاء والتقاط صور للأرض الكروية إنصب سخطهم على وكالة الفضاء الأمريكية ناسا التي قالوا أنها تقود مؤامرة عالمية ضد الدين باختلاق صور وأفلام تقوم بتضليل الناس وبذلك فهم ينكرون وجود الأقمار الصناعية والمركبات الفضائية. وعلى الرغم من أن جمعية الأرض المسطحة قد ظهرت في الغرب إلا أن بعض جهلة المتدينين وأشباه المتعلمين من المسلمين بدأوا بتبني فكرة الأرض المسطحة وقاموا بإنشاء مواقع الكترونية لهذا الغرض وفسروا الآيات القرآنية المتعلقة بالكون بما يدعم هذه الفكرة رغم أن الصورة التي رسمها القرآن الكريم للكون تختلف تماما عن الصورة التي رسمتها التوراة. وعلى الرغم من مرور أكثر  من مائة وخمسين على ظهور جمعيات الأرض المسطحة إلا أن عدد أتباعها في عام 2000م لم يتجاوز ثلاثة آلاف شخص وذلك بسبب الوعي العلمي في الغرب بل كان أنصار الجمعية مثارا للسخرية بسبب جمود تفكيرهم والطريقة التي يفسرون بها ظواهر الكون. وبسبب التخوف من إنتشار  مثل هذه الخرافات في أوساط المسلمين مع وجود وسائط التواصل الاجتماعي وذلك نتيجة لارتفاع نسبة الجهل للأسف بينهم قمت بكتابة هذه المقالة التي أوردت  فيها كثير من الأدلة القديمة والحديثة  التي تثبت كروية الأرض. ولطالما أن مثل هؤلاء الناس لا يعملون في مثل هذه المجالات فلهم الحرية في اعتقاد ما يعتقدون!
الإعتقاد بالأرض المسطحة
كان البشر حتى القرن السادس قبل الميلاد يؤمنون بأن الأرض مسطحة الشكل وهذا  بالطبع ما تمليه عليهم حواسهم. ومع ظهور الفلسفة الطبيعية في العصر اليوناني والاهتمام بمختلف أنواع العلوم طرح الفيلسوف اليوناني فيثاغورس فكرة  الأرض الكروية وذلك في منتصف القرن السادس قبل الميلاد.  وقد  تبني معظم الفلاسفة اليونانيين اللاحقين كسقراط وأفلاطون وأرسطو  فكرة الأرض الكروية وقاموا بإيراد كثير من الأدلة التي تدعم هذه الفكرة.  وفي القرن الثالث قبل الميلاد قام  الفلكي اليوناني إراتوستينس بقياس محيط الأرض من خلال قياس طول الظل في مدينة الاسكندرية عندما كانت الشمس متعامدة تماما على مدينة أسوان في مصر. ومنذ ذلك الحين  تم تبني نظرية الأرض الكروية في مختلف الأوساط العلمية وانحسار نظرية الأرض المسطحة.  إن تبني نظرية الأرض الكروية من قبل الأوساط العلمية لا يعني أن جميع الناس مؤمنين بها فعامة الناس على مر العصور لا يهمهم فيما إذا  كانت الأرض كروية أو مسطحة ومن الصعب كذلك إقناعهم بأمور قد تتناقض مع ما تراه أعينهم.
 ولكن في عام 1849م  قام الكاتب الإنجليزي صامويل روبوثام (Samuel Rowbotham)  بنشر كتاب بعنوان الفلك الزيتيكي "Zetetic Astronomy" (من الحرف اليوناني زيتا) يدافع فيه عن نظرية الأرض المسطحة والهجوم على نظرية الأرض الكروية وقام في عام 1883 بتأسيس الجمعيات الزيتيكية (Zetetic Societies) في إنجلترا والولايات المتحدة. وبعد وفاة روبثام أنشأت الليدي اليزابيث بلونت (Lady Blount)  في عام 1893 جمعية الأرض المسطحة العالمية في إنجلترا. وكانت بلونت تعتبر أن الإنجيل هو السلطة غير القابلة للمساءلة على الطبيعة وأن الشخص لا يمكن أن يكون مسيحياً ويؤمن بأن الأرض كروية. وفي عام 1956 قام الانجليزي سامويل شينتون (Samuel Shenton) بتأسيس الجمعية الدولية للأرض المسطحة كبديل للجمعيةالزيتيكية واستلم رئاستها بعد موته في عام 1971 شارلز جونسون حتى وفاته عام 2001م ولم يتجاوز عدد منتسبي الجمية  عدة آلاف في عام 2000م.  ومع انتشار شبكة الإنترنت وظهور تطبيقات التواصل الاجتماعي قام  دانييل شينتون (Daniel Shenton) في عام  2004م بإنشاء موقع إلكتروني للجمعية اشتمل على كتب ونشرات الجمعية.
تقوم عقيدة المؤمنين بالأرض المسطحة على ثلاثة ركائز الأولى هي الإيمان بالحقائق الواردة في الكتب المقدسة حول بنية الكون والثانية التصديق فقط بما تمليه عليهم الحواس  والثالثة رفض معظم قوانين الفيزياء التي تحكم الكون .  فحول الركيزة الأولى والثانية يقول مؤسس الجمعية روبوثام في نشرة بعنوان  (تناقض الفلك الحديث ومعارضته للكتب المقدسة) (The inconsistency of modern astronomy and its opposition to the scriptures )  ما نصه (الكتاب المقدس إلى جانب حواسنا تدعم الفكرة بأن الأرض مسطحة وثابتة وهذه الحقيقة الأساسية يجب أن لا توضع جانبا لنظام مبني حصرا على الحدس البشري ) (Bible alongside our senses supported the idea that the earthwas flat and immovable and this essential truth should not set aside for a system based solely on human conjecture). وتقول السيدة بلاونت (Lady Blount)  خليفة روبوثام ما نصه (رغم أننا كزيتيكين غير ملزميين بتفسير  الظواهر أو  إيجاد نظم فلكية افتراضية إلا أنه من واجبنا إظهار  زيف الافتراضات الشائعة لأن النظرية الشائعة تشكل أساس  الهجوم على مفهوم الكون في الكتاب المقدس) (While, as Zetetics, we are not called upon to explain phenomena, or construct hypothetical astronomical systems, it is our duty to show how far popular hypotheses fail, because the popular theory is made the basis of attacks upon the cosmogony of the Bible.). وحول الركيزة الثانية يقول  جبرائيل هينريت  (Gabrielle Henriet) في كتابه السماء والأرض (Heaven and Earth) ما نصة (يمكن القول في هذا المجال أنه بخصوص العلم الذي يجب أن يؤسس بالمطلق على المشاهدة وليس على التأمل كالفلك فإن دليل الحواس هو  العامل الذي يمكن بل يجب أن تؤسس عليه النتائج ) (It can be said, in this connection, that in the case of a science which should be based exclusively on observation and not on speculation such as astronomy, the evidence of the senses is the only factor upon which conclusions can, and must be, based).  وحول الركيزة الثالثة يقول جبرائيل هينريت   (لأي عقل متزن فالنتيجة  أن نظام الجذب بكل تناقضاته وتقلباته هو خيالي وغير مقبول ) (To any well balanced mind, the conclusion is that the system of gravitation, in view of all its contradictions and inconsistencies, is imaginary and not acceptable).
وبناءا على هذه الركائز  نجد أن أنصار عقيدة الأرض المسطحة على قلتهم يتكونون في الغالب من بعض أتباع الأديان السماوية ذوي الخلفية العلمية الضعيفة والذين يفسرون النصوص الواردة في الكتب المقدسة بطريقة حرفية أو مغلوطة وكذلك من العوام الذين لا  يؤمنون إلا بما تملي عليهم حواسهم.  ولهذا يجد من يناقشهم في  آرائهم صعوبة في التحاور معهم بسبب اعتبارهم هذا التصور جزء من عقيدتهم الدينية وكذلك بسبب إنكارهم أو عدم استيعابهم للقوانين الفيزيائية.  وبرفض أنصار الأرض المسطحة لكروية الأرض فهم يرفضون بالتالي دوران الأرض حول محورها ودورانها حول الشمس ويرفضون كذلك وجود المجرات والنجوم في هذا الكون بهذه الأعداد الضخمة والمسافات الهائلة.  وهم  لا يصدقون  بأن البشر قاموا بغزو الفضاء الخارجي بالمركبات الفضائية والأقمار الصناعية بل يعتقدون أن جميع هذه  الأعمال قد تم اختلاقها  من قبل وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) والتي يعتبرونها عدوهم اللدود الذي يعمل على هدم كسمولوجيا الكتاب المقدس.


لا يوجد عند أنصار  الأرض المسطحة أدلة علمية معتبرة تثبت تصوراتهم لهذا الكون بل يعتمدون على  استخدام ما توحي به حاسة النظر  عند مشاهدة  ظواهر هذا الكون.  وكذلك فإنهم يلجأون في الغالب إلى استخدام الأدلة المعاكسة التي يعتقدون أنه تبطل تصورات خصومهم. ومن هذه الأدلة المعاكسة والموجودة في كتبهم قولهم كيف يمكن للبشر الذين يعيشون في الجهة المقابلة من الأرض الكروية أن يمشوا وأجسامهم مقلوبة وقولهم كيف يمكن للأنهار الطويلة أن تسير  على الأرض المنحنية فتصعد المياه بذلك عكس الجاذبية التي تزعمون.  ويقولون عن حركة الأرض حول نفسها  لماذا  تعود الأجسام المقذوفة إلى الأعلى إلى نفس المكان وكان عليها أن تسقط في مكان آخر بسبب حركة الأرض تحتها ولما لا توجد رياح شديدة تسير  بعكس حركة الأرض.  ويقولون عن حركة الأرض حول الشمس لما لا تتجمع مياه المحيطات بأكملها في الجهة الخلفية للأرض وكذلك لما نرى الجبال والمباني الشاهقة تميل بزاوية ثلاثة وعشرين درجة عندما تميل الأرض. إن مثل هذه الأسئلة عادة ما يسألها غالبية الأميين من البشر عندما تشرح لهم مثل هذه المعلومات عن الأرض ومن الصعب جدا  بالطبع أن تجيبهم على أسئلتهم  هذه  وهم لا يمتلكون الخلفية العلمية التي تساعدهم على فهم هذه الظواهر وصدق من قال (خاطبوا الناس على قدر عقولهم).    


فرضيات  الأرض المسطحة
يعتمد مؤيدي فرضية الأرض المسطحة في تصورهم لبنية هذا الكون على تفسيرهم الحرفي لما ورد في سفر التكوين وعلى وجه الخصوص النص التالي (وَقَالَ اللهُ: «لِيَكُنْ جَلَدٌ فِي وَسَطِ الْمِيَاهِ. وَلْيَكُنْ فَاصِلاً بَيْنَ مِيَاهٍ وَمِيَاهٍ».
7  فَعَمِلَ اللهُ الْجَلَدَ، وَفَصَلَ بَيْنَ الْمِيَاهِ الَّتِي تَحْتَ الْجَلَدِ وَالْمِيَاهِ الَّتِي فَوْقَ الْجَلَدِ. وَكَانَ كَذلِكَ.
8  وَدَعَا اللهُ الْجَلَدَ سَمَاءً. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا ثَانِيًا. وَقَالَ اللهُ: «لِتَجْتَمِعِ الْمِيَاهُ تَحْتَ السَّمَاءِ إِلَى مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَلْتَظْهَرِ الْيَابِسَةُ». وَكَانَ كَذلِكَ.
10 
وَدَعَا اللهُ الْيَابِسَةَ أَرْضًا، وَمُجْتَمَعَ الْمِيَاهِ دَعَاهُ بِحَارًا. وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ.). ويتكون الكون حسب تصورهم من الأرض  وهي على شكل قرص دائري تقع تضاريس الأرض على أحد وجهيه وتحيط بهذا الوجه نصف قبة معدنية وتحيط بقرص الأرض من الأسفل والقبة من الخارج محيط من المياه كما ورد ذلك في كتبهم (الأرض المسطحة للكتاب المقدس وكون القبة السماوية) (The Bible's flat earth/solid sky dome universe) و(السماء والأرض) (Heaven and Earth). وعلى سطح القبة السماوية توجد الشمس والقمر والنجوم وهم مختلفون في طبيعة هذه الأجسام هل هي مادية أو   وهمية وهل  تشع الضوء من ذاتها أم من شقوق في القبة.  فقد جاء في كتاب السماء والأرض ما نصه (هاتان هما الحقيقتان اللتان تفسران  كل شيء تقريبا أما أولهما فهي الوجود الفعلي لقبة صلبة فوق الأرض تشكل السماء وثانيهما هي الطبيعة غير المادية للكواكب والبروج والتي ليست كتل فيزيائية بل مجرد مظاهر منيرة بدون مادة ) (These two facts which  explain almost everything are firstly the positive existence above earth of a solid dome constituting the sky and secondly the nonmaterial nature of planets and constellations which are not physical masses but merely luminous manifestations without substances). أما ارتفاع القبة السماوية فقد كان لا يتجاوز المائة كيلومتر  في تقديراتهم القديمة وقد اعتمدوا هذا الرقم بناء  على التجارب التي قام بها علماء الفيزياء والاتصالات على طبقة الأينوسفير  والتي تعكس موجات الراديو  فاعتقدوا من جهلهم أن سقف القبة السماوية المعدنية هو  الذي قام بعكسها. ولقد تم تعديل هذا الرقم إلى خمسة آلاف كيلومتر فيما بعد أن قاموا بقياس ارتفاع الشمس من خلال  طول الظل مقلدين بذلك علماء الفلك ولكن بطريقة مغلوطة لا تمت للطرق العلمية بأي صلة .

وفي نموذج الأرض المسطحة يقع القطب الشمالي في منتصف الأرض بينما يحيط القطب الجنوبي بكامل أطراف الأرض وهو هلى شكل جدار جليدي يبلغ ارتفاعه ما يقرب من خمسين متر  ولم أجد مصدر  لهم يشير  إلى الطريقة التي تم من خلالها قياس هذا الارتفاع. وقد حددوا قطر قرص الأرض بما مقداره أربعين ألف كيلومتر  وهو  يساوي محيط الأرض الكروية. ومن الواضح أنهم اعتمدوا هذا الرقم ليتوافق مح محيط الكرة الأرضية اعتباطا فمن المؤكد أنه لا يوجد أي طريقة لديهم للحصول على هذا الرقم كما سأبين ذلك لاحقا. 
أما التصور الأكثر عجبا فهو المتعلق بالشمس والقمر من حيث حجمهما وارتفاعهما وحركتهما ومصدر إضائتهما. فقطر الشمس وكذلك القمر عندهم لا  يتجاوز خمسين كيلومتر  وهما على ارتفاع خمسة آلاف كيلومتر على اختلاف بينهم ويدوران في نفس المدار. وعلى الرغم من اضطرارهم للتسليم باستخدام الرادارات الراديوية لقياس المسافات إلا أنهم يتحججون بأن سرعة الضوء غير  ثابتة في الفضاء الخارجي.  وتدور الشمس فوق سطح الأرض على هذا الارتفاع في مدار دائرية حول محور القطب الشمالي وهو مركز الأرض عندهم. ويتغير قطر مدار الشمس باستمرار فهو يتناقص في فصل الصيف عندما تكون الشمس شمال خط الاستواء وذلك عن القطر  وهي فوق خط الاستواء وهو يتزايد عنه في فصل الشتاء عندما تكون الشمس جنوب خط الاستواء.  وبما أن طول اليوم ثابت على 24 ساعة اضطروا  إلى القول بأن الشمس  تخفض  من سرعتها عندما تتجه شمالا وتزيد من سرعتها  عندما تتجه جنوبا.  ولكن هذا لم يحل إشكال اختلاف طول الليل والنهار  فطول النهار  شمال خط الاستواء في الصيف يبدأ من 12 ساعة عند الاستواء ويصل إلى 24 ساعة عند القطب الشمالي. والشمس في اعتقادهم لا  تنتج الحرارة التي تسخن الأرض بل يوجد ما يسمى بالتنفس الكوني (cosmic breath) الذي يرسل حرارة إلى الأرض في الصيف وبرودة في الشتاء وهو مرتبط  بحركة الشمس فقط وليس لها أي دور في التسخين والتبريد. وكذلك فهم يجهلون القوة التي تحرك الشمس والقمر في مدارهما وما الذي يحفظهما معلقان في السماء وكيف تزيد وتنقص الشمس من سرعتها وغير ذلك من المشاكل المترتبة هذا النموذج الافتراضي لكونهم! 



                أما الطامة الكبرى في هذا النموذج فهو  الطريقة التي يفسرون فيها وجود الليل والنهار  على هذه الأرض المسطحة فلو  أن شمسهم هذه تشع ضوئها في كل الاتجاهات كما هو الحال مع الشمس الحقيقية لكانت أرضهم نهار دائم ولا ليل فيها. ولذلك قالوا أن شمسهم تشع ضوئها بما يشبه المصباح اليدوي فهي تضيء المنطقة التي تقع تحتها فقط فيكون نهارا بينما يبقى باقي سطح الأرض في  الليل,  إن هذا المصباح الشمسي في غاية الغرابة فعلى الرغم من أن الناظر إلى الشمس يرى مقطعا دائريا لضوئه إلا أن اسقاطه على الأرض يظهر مقطعا نصف دائري مما يعني وجود حاجز نصف دائري (shutter) على فوهة المصباح الشمسي. ويعتقد هولاء أن المطر لا ينزل من الغيوم بل من الماء المحيط بهذه القبة من شقوق فيها فيقول كانب السماء والأرض بالنص (من الجدير بالذكر  بهذا الخصوص أن المطر ينزل دائما في نهاية العاصفة الرعدية أي بعد صوت تشقق القبة) (It may be remarked in this connection that rain is always discharged at the end of a thunderstorm that is after the sound of the splitting of the dome).  أما البرق عندهم فلا يحدث في داخل الغيوم بل  يحدث في  داخل القبة السماوية  وأما الشهب فهي مظاهر ضوئية تحدث على سطح القبة السماوية وإلى غير ذلك من التخاريف,



كروية الأرض ودورانها حول نفسها وحول الشمس
                على الرغم من أن فكرة الأرض الكروية فسرت كثير من الظواهر الفلكية إلا  أنها فشلت في تفسير كثير من حركات النجوم والكواكب التي كان يعتقد أنها تدور حولها. ولقد دفعت هذه الظواهر الغريبة بعض الفلكيين بطرح فكرة أن الأرض ربما هي التي تدور حول نفسها وليس الشمس والنجوم والكواكب. وكان أول من أثار  هذه القضية أبو الريحان البيروني في أوائل القرن الحادي عشر  ومن ثم نصير الدين الطوسي في القرن الثالث عشر  وابن الشاطر  في القرن الرابع عشر  والذي فسر كثير من حركات النجوم على افتراض أن الأرض هي التي تدور.  وفي عام 1539م قام الفلكي البولندي نيكولاس كوبرنيكوس بوضع نظرية مركزية الشمس التي نشرها في كتابه (حول دوران الأجرام السماوية) والتي أكد فيها أن الأرض وبقية الكواكب هي التي تدور حول الشمس وليس العكس وأن الأرض أيضا تدور حول نفسها كل يوم مرة واحدة. وفي عام  1609م قام  الفلكي الالماني يوهانز كبلر  بوضع ثلاثة قوانين تجريبية (empirical) تحكم حركات الكواكب التي تدور حول الشمس أو أية أجرام أخرى. فالقانون الأول يحدد شكل المدار  وهو إهليجي أو دائري واالثاني يحدد سرعة الكوكب في المدار  والثالث يحدد مدة الدورة. وفي عام 1687م أثبت العالم الانجليزي اسحق نيوتن نظريا قوانين كبلر التجريبية باستخدام قانون الجاذبية وقوانين الحركة التي اكتشفها بنفسه.  وقد قام العلماء فيما بعد بالاعتماد على قوانين نيوتن بتحديد خصائص الشمس وجميع  الكواكب حولها وكذلك أقمارها من حيث أحجامها وأوزانها وأشكال وأبعاد مدراتها وتحديد مسارات المذنبات ودراسة مجرات ونجوم الكون المرئي.

أدلة الأرض الكروية
لقد استخدم مؤيدي نظرية الأرض الكروية في السابق عشرات الطرق العملية لإثبات كروية الأرض وقياس قطرها ومقدار تفلطحها بشكل بالغ الدقة. ومع ظهور التقنيات الحديثة مع مطلع القرن العشرين  تم استخدامها للتأكيد على كروية الأرض والتأكد كذلك من أبعادها. وسأشرح فيما يلي بعض الأدلة التي استخدمها الأوائل بهذا الخصوص وبعض الأدلة الحديثة التي يقع بعضها في مجال تخصصي وهو  أنظمة الاتصالات الكهربائية.
تعاقب شروق الشمس وغروبها
إن أول ما أثار إهتمام  البشر  في طبيعة شكل الأرض هو  طلوع الشمس من المشرق وتحركها في السماء باتجاه الغرب لمدة نصف يوم حتى تغيب في المغرب ومن ثم طلوعها من جديد من المشرق بعد غياب لمدة نصف يوم تقريبا. ومع استبعاد فكرة طلوع شمس جديدة كل يوم فإن التفسير المنطقي لهذه الظاهرة هو أن الشمس قد دارت حول جسم محدود الأبعاد بغض النظر عن شكل هذا الجسم كروي كان أم غير ذلك. ولا بد هنا من التذكير بأن أنصار الأرض المسطحة يقولون أن الشمس تدور في السماء فوق أرض مسطحة حول محور  القطب الشمالي ولحل الاشكالات المترتبة على هذا الطرح افترضوا أن الشمس جسم بلا ماده تستمد نورها من مصدر ما خلفها وتتحرك على سطح قبة السماء ولا تشع في جميع الاتجاهات بل تم تركيز ضوءها من خلال ما يشبه العدسات لتعمل كالمصباح اليدوي.






اختلاف طول ظلال الأشياء
لقد تم دحض فكرة الأرض المسطحة من خلال قياس طول الظل عند خطوط عرض مختلفة وعند نفس خط الطول وفي نفس الوقت. ولقد وجد العلماء أن العلاقة بين طول الظل ومقدار خط العرض  دالة أسية (exponential function)  تبدأ بالصفر للخط الذي يقع تحت الشمس تماما وينتهي بطول لانهائي للخط الذي يتماس فيه شعاع الشمس مع سطح الأرض وهذا لا يتم إلا في فصل الشتاء. وعند حساب طول الظل نظريا على افتراض أن الأرض كروية الشكل وبمقدار القطر الصحيح تبين أن العلاقتان العملية  والتظرية متطابقتان. وبسبب هذه الظاهرة يصل طول الليل إلى 24 ساعة في المناطق التي تقع شمال خط عرض ستةوستين درجة ونصف وذلك في الشتاء سواء كان ذلك في القطب الشمالي أو الجنوبي.  إن مثل هذه العلاقة الأسية لطول الظل لا يمكن الحصول عليها بأي شكل من الأشكال في نموذج الأرض  المسطحة فبحساب بسيط يتبين أن العلاقة خطية (linear). إن أول محاولة لقياس محيط الأرض كان بالاعتماد على اختلاف طول الظل في الأماكن المختلفة. ففي القرن الثالث قبل الميلاد قام  الفلكي اليوناني إراتوستينس بقياس محيط الأرض من خلال قياس طول الظل في مدينة الاسكندرية عندما كانت الشمس متعامدة تماما على مدينة أسوان في مصر وكان النتيجة بنسبة خطأ لا تتجاوز عشرة بالمائة بسبب تدني الدقة في قياس المسافات.  وفي عام 830م كلف الخليفة المأمون العباسي مجموعة من العلماء المسلمين لقياس محيط الأرض من خلال قياس الظلال في مدينتي تدمر والرقة في سوريا وكانت النتيجة هي  40248 كيلومتر  وهو قريب جدا من الرقم الحالي وهو 40068 كيلومتر.




توسع الأفق مع الارتفاع
يعرف الأفق (Horizon) بأنه أقصى مسافة أو مدى يمكن أن ترى من الأرض من قبل مشاهد على ارتفاع ما  في منطقة مفتوحة خالية من المعيقات البصرية كما في البحار والصحارى. وعند نهاية هذه المسافة يرى  المشاهد خط التقاء السماء بالأرض.  ومن السهل ملاحظة أن مدى الأفق يزداد مع ازدياد ارتفاع المشاهد عن سطح الأرض. ومن السهل أيضا باستخدام حساب المثلثات  اشتقاق علاقة بين مدى الأفق وارتفاع المشاهد في حالة الأرض الكروية ومع مقارنة نتائج هذه العلاقة مع القياسات العملية وجدت أنها متطابقة تماما مما يؤكد صحة افتراض الأرض الكروية. وفي المقابل يجب أن يكون مدى الأفق لا نهائي على الأرض المسطحة بغض النظر عن الارتفاع وهو ما يناقض الواقع ولا يوجد حجة مقنعة لدى أنصار الأرض المسطحة لحل هذا التناقض. ويلاحظ تأثير  مدى الأفق في حالات كثيرة كاختفاء السفن في عرض البحر  عند ابتعادها عن الشاطيء واختفاء الطائرات عن شاشات الرادارات عند ابتعادها عن المطارات.
                وبناء على هذه الظاهرة  قام العالم المسلم أبو الريحان البيروني بعبقريته الفذة  في أوائل القرن العاشر  باستخدام طريقة جديدة وبسيطة لقياس نصف قطر الأرض. ولقد اختار البيروني جبل عالي في وسط صحراء مفتوحة ومنبسطة  وقام بقياس ارتفاع الجبل عن سطح الأرض وقياس الزاوية بين الخط العمودي المار برأس الجبل والخط الواصل بين رأس الجبل (الخط المماس للأرض) وخط الأفق ومن ثم استخدم معادلة المثلت القائم الزاوية  التي تقع رؤوسه عند رأس الجبل ونقطة المماس ومركز الأرض لحساب نصف قطر الأرض. وبلغ طول نصف قطر الأرض الذي قاسه البيروني 6339,6 كيلومتر  وهي أقل بمقدار 31,4 كيلومتر  عن القيمة الوسطية الحديثة والبالغة 6371 كيلومتر. لقد قطع البيروني بهذه الطريقة الفريدة  أي شك في كون الأرض كروية وذلك بسبب اتفاق طريقتين مختلفتين للحصول على نفس النتيجة وكذل إلى جانب وجود أدلة أخرى.  

إختلاف النجوم المشاهدة من مناطق الأرض
لفت انتباه الفيلسوف الشهير أرسطو  والذي عاش في القرن الرابع قبل الميلاد  إمكانية مشاهدة  بعض نجوم السماء من مصر وقبرص ولا يمكن مشاهدتها من الدول الأوروبية. لقد فسر أرسطو  هذه الظاهرة بناء على كون الأرض كروية معطيا بذلك مزيد من الدعم لاقتراح الفيلسوف اليوناني فيثاغورس لفكرة  الأرض الكروية وذلك في منتصف القرن السادس قبل الميلاد. وقد قام الفلكيين فيما بعد برسم خرائط لجميع نجوم السماء المرئية من مخنلف مناطق الأرض  وأثبتوا أن النجوم التي يشاهدها سكان النصف الشمالي للأرض تختلف عن تلك التي يشاهدها سكان النصف الجنوبي.


كسوف الشمس وخسوف القمر
                إن كسوف الشمس وخسوف القمر  من الظواهر  التي احتار  قدامى البشر  في سبب حدوثها واختلقوا مختلف أنواع الأساطير  حولها. ومع اكتشاف كروية الأرض ودورانها حول الشمس أصبح تفسير هاتين الظاهرتين بمنتهى السهولة فالشمس تنكسف عندما يقع القمر  بينها وبين الأرض فيحجب ضوء الشمس كليا أو جزئيا عن الأرض والقمر ينخسف عندما تقع الأرض بينه وبين الشمس فتحجب ضوء الشمس كليا أو جزئيا عنه. وعند خسوف القمر يشاهد بكل وضوح ظل الأرض الدائري على سطح القمر  مما يؤكد على كرويتها.

الفصول الأربعة

                بعد أن تمكن العلماء من اكتشاف كروية الأرض في القرن السادس قبل الميلاد  واكتشاف دوران الأرض حول محورها وحول الشمس في القرن السادس عشر  أصبح  بالإمكان تقديم تفسير مقنع لظاهرة الفصول الأربعة.  لقد وجد العلماء أن محور دوران الأرض وهو الخط الواصل بين قطبيها يميل بزاوية مقدارها ثلاثة وعشرين درجة ونصف عن العمود القائم على مستوى دورانها حول الشمس.  ووجد العلماء كذلك أن محور دوران الأرض يتجه باستمرار نحو  نجوم محددة في السماء كالنجم القطبي الشمالي الذي يقع على محور الدوران  ويعود السبب في حفاظ الأرض على اتجاه محور دورانها إلى ظاهرة الجايروسكوب (Gyroscopic effect). وعندما يكون القطب الشمالي مائلا نحو الشمس يكون النصف الشمالي من الأرض صيفا والنصف الجنوبي شتاءا وتكون الشمس عمودية على مدار السرطان (خط عرض 23.5 شمال). وعندما يكون القطب الجنوبي مائلا نحو الشمس يكون النصف الشمالي من الأرض شتاءا والنصف الجنوبي صيفا وتكون الشمس عمودية على مدار الجدي (خط عرض 23.5 جنوب). وعندما يكون الخط الواصل بين الشمس والأرض عموديا على محور الدوران وعلى خط الأستواء يحدث الاعتدال الربيعي أو الخريفي وبهذا تحدث ظاهرة الفصول الأربعة والتي تظهر جليا في المناطق الواقعة شمال مدار السرطان وجنوب مدار الجدي.


المد والجزر
لفتت ظاهرة المد والجزر انتباه البشر  منذ القدم وحاول فلاسفتهم وعلماؤهم إيجاد تفسير لحدوث مثل هذه الظاهرة الغريبة. وظاهرة المد هي حصول ارتفاع في مستوى  سطح المحيطات والبحار  بعدة أمتار  عن مستواه الطبيعي فيغمر  جزء من اليابسة على الشواطيء بينما يحصل في الجزر انخفاض في مستواه عن المستوى الطبيعي بعدة أمتار.  ولقد تمكن كثير  من الفلاسفة القدامى من ربط هذه الظاهرة بحركة القمر  إلا أن التفسير  العلمي الصحيح لها  لم يتم إلا بعد اكتشاف قانون نيوتن للجذب العام وكذلك اكتشاف دوران القمر حول الأرض ودوران الأرض حول نفسها وحول الشمس. وتلعب جاذبية القمر الدور  الأكبر  في ظاهرة  المد والجزر بسبب قربه من الأرض تليها جاذبية الشمس بسبب بعدها الكبير ثم بقية الكواكب. ويحدث في الغالب مد وجزر واحد في اليوم مما يؤكد على دوران الأرض حول محورها كل يوم وقد يحدث مدان وجزران في اليوم الواحد في بعض المناطق بسبب المواقع النسبية لكل من الشمس والقمر وتغير مستوى مداراتها بالنسبة لمستوى خط الاستواء.  ولقد تمكن العلماء باستخدام قانون الجاذبية وحركات الشمس والقمر من عمل جداول ورسم خرائط كثيرة لمختلف شواطيء العالم تحدد أوقات ومناسيب المد والجزر.  

إنتشار الموجات الكهرومغناطيسية
لو كانت الأرض مسطحة كما يدعي مؤيديها لكان تصميم أنظمة الاتصالات المختلفة في غاية السهولة ولما احتاج مهندسي الاتصالات لهذه الحلول المعقدة والمكلفة لأنظمتهم. فالموجات الكهرومغناطيسية تسير في خطوط مستقيمة وإذا كانت الأرض مسطحة فيمكن لهذه الموجات الوصول إلى أي مكان على سطح الأرض المسطحة إذا ما تجنبنا العوائق ووضعنا الهوائيات على رؤوس الجبال العالية. ولكن مهندسي الاتصالات يصممون أنظمتهم بناءا على أن الأرض كروية وبنصف قطر معلوم تماما. فقبل ظهور أنظمة الأقمار الصناعية استخدم المهندسون الموجات المنخفضة الطول لنقل إشارات التلغراف للسفن في المحيطات وهذه الموجات المنخفضة يمكنها الانتشار  متتبعة سطح الأرض الكروي بسبب ظاهرة حيود الموجات ولهذا تسمى الموجات الأرضية.  ويمكن لبعض هذه الموجات الأرضية أن تدور حول الأرض دورة أو أكثر إذا ما كانت قدرة المرسل كافية ولقد تم التأكد من كروية الأرض من خلال هذه الأنظمة حيث تم توجيه هوائي الإرسال إلى الغرب وهوائي الاستقبال إلى الشرق وتم استلام الإشارة المرسلة بكل وضوح.

وفي أنظمة البث الراديوي قصير الموجة تم استخدام طبقات الأينوسفير  الموجودة في أعلى الغلاف الجوي لعكس الموجات الموجهة لهذه الطبقات نحو  أماكن بعيدة على سطح الأرض لا يمكن الوصول إليها إذا ما تم توجيه الهوائيات بموازاة سطح الأرض.  وباستخدام مثل هذه الموجات والتي تسمى الموجات السماوية يمكن الوصول إلى مناطق بعيدة جدا كما بين القارات متغلبة بذلك على إعاقة تكور الأرض.  وتم أيضا التأكد من كروية الأرض باستخدام هذه الأنظمة من خلال ما يسمى الأنظمة متعددة القفزات (multihop) حيث تنعكس الموجات من سطح طبقة الأينوسفير أولا ثم من سطح الأرض ثانيا وهكذا دواليك حتى تعود إلى المكان الذي اطلقت منه ولكن من الاتجاه المعاكس لاتجاه الاطلاق. وقي أنظمة الموجات الدقيقة أو الميكروييف يضطر  مهندسي الاتصالات لوضع برج كل مسافة لا تزيد عن سبعين كيلومتر  بين المرسل والمستقبل حتى لو كانت الأرض بينهما منبسطة وخالية من أية عوائق. ويعود السبب في ذلك إلى كروية الأرض التي تحدد مدى الأفق لكل برج والتي لا تزيد عن سبعين كيلومتر  لأعلاها. ومرة أخرى لو كانت الأرض مسطحة لما استدعى الأمر وضع عشرات الأبراج المكلفة بين برجي الإرسال والاستقبال.  


أنظمة الرادار
تستخدم معظم أنواع الرادار  الموجات  الدقيقة أو ما يسمى بالميكرويف () في تحديد أهدافها كالسفن في البحار والطائرات والصواريخ في الجو. وتنتشر  مثل هذه الموجات في خطوط مستقيمة أو ما يسمى خط النظر فهي لا تتأثر  بحيود الأرض للموجات ولا بطبقة الأينوسفير .  ولهذا فإن مدى الرؤيا لهذه الرادارات تحكمه كروية الأرض وارتفاع الأبراج عن سطح الأرض وهو بذلك لا يتجاوز المائة كيلومتر  في معظم الأحوال. ولو كانت الأرض مسطحة كما يزعمون لكان لا حدود لمدى رؤية الرادارات إذا ما وضعت على ارتفاع مناسب.

حركة الطائرات والسفن
تمكن المستكشف البرتغالي فرناندوا ماجلان وفريقه من الدوران حول الأرض  في أسطول من السفن في عام 1522م وكان هذا أول إثبات عملي لكروية الأرض. ومع ظهور الطائرات في بداية القرن العشرين قام كثير من المستكشفين بالطيران حول الأرض لإثبات كرويتها.  ويتم تحديد مسارات الطائرات وأطوالها بناءا على كون  الأرض كروية وليست مسطحة  ولا أعتقد أنه يوجد بين عشرات الآلاف من الطيارين ومهندسي الطيران من يعتقد بكون الأرض مسطحة.  

الأقمار  الصناعية
لقد كان لوضع الاتحاد السوفيتي لقمرهم الصناعي سبوتنيك في مدار بيضاوي منخفض حول الأرض تتويجا لجهود العلماء  الذين ساهموا في اكتشاف هذا النموذج الرائع لبناء أجرام الكون. لقد تم وضع  هذا القمر في مداره بالاعتماد على  نموذج كوبرنيكوس لمركزية الشمس وقوانين كبلر  لمدارات الأجرام السماوية وقوانين نيوتن في الجاذبية والحركة  ولا ننسى العلماء القدامى الذين أثبتوا أن الأرض كروية وقاموا بقياس قطرها. لقد كان الدافع الرئيسي وراء وضع الأقمار الصناعية في مدارات حول الأرض هو  في البداية سباق التسلح بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي في تقنية الصواريخ العابرة للقارات وغزو الفضاء. ولقد كان العلماء في مختلف التخصصات يستشرفون أهمية الأقمار الصناعية في حل كثير من المشاكل التي تواجههم. فعلى سبيل المثال اقترح كاتب الخيال العلمي ارثر كلارك وضع أقمار صناعية في المدار المتزامن للأرض لتوفير  الاتصالات الهاتفية بين القارات وهذا ما كان ففي عام 1965م تم وضع ثلاثة أقمار صناعية فوق كل من المحيط الأطلسي والهندي والهادي وتمكنت من توفير الخدمة الهاتفية لمعظم دول العالم. ومنذ ذلك الحين تم اطلاق آلاف الأقمار  الصناعية لمختلف التطبيقات كالمناخ والتصوير والتجسس والانقاذ وكشف ثروات ومشاكل الأرض وتحديد المواقع والبث التلفزيوني والاذاعي وخدمة الهواتف المتنقلة والتلسكوبات  الفضائية وغيرها.


لقد قطعت الأقمار الصناعية كل شك حول كروية الأرض ودورانها حول نفسها وحول الشمس. فالأقمار الصناعية المنخفضة والتي تمر فوق  قطبي الأرض كل ساعة ونصف يمكن مشاهدتها بالعين المجردة كنجم يتحرك بسرعة كبيرة فوق الأرض وخاصة عند الغروب.   والأقمار الصناعية المتزامنة التي تقع على ارتفاع ستة وثلاثين ألف كيلومتر  والتي تبدو ثابتة  بالنسبة للأرض يمكن أن  نلتقط منها البرامج التلفزيونية والمكالمات الهاتفية بهوائيات صحنية ثابتة التوجيه. وباستخدام 66 قمر صناعي على ارتفاع  800 كيلومتر تقريبا موزعة على ستة مدارات  تمكنت شركات الاتصالات من توفير  خدمة الهواتف المتنقلة لأي مكان على سطح الأرض.  وباستخدام 24 قمر صناعي على ارتفاع  متوسط يمكن للأشخاص والسفن والطائرات والسيارات أن يحددوا مواقعهم بكل دقة في أي مكان على سطح الأرض.  وعلى الرغم  من وجود آلاف الأقمار الصناعية التي تم اطلاقها من  قبل  كثير من الدول كالولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين والدول الأوروبية واليابان والهند  إلا أن أنصار الأرض المسطحة ينكرون وجودها لأنها تتعارض مع نموذجهم المزعوم ويعتقدون أن  هذه الخدمات تقدم من خلال أبراج مقامة على سطح الأرض!   ألا يعلم هؤلاء الجهلة أن مئات الألاف من العلماء والمهندسين والفنيين من شتى دول العالم ومختلف الأديان والعقائد واللغات الذين يعملون في مختلف قطاعات الأقمار الصناعية لا يمكنهم أن يتواطئوا مع وكالة ناسا لمحاربة معتقداتهم الزائفة! ألا يرون بأم أعينهم وهم الذين لا يؤمنون إلا بما تمليه حواسهم الأطباق اللاقطة فوق كل منزل وهي موجهة باتجاه السماء حيث توجد الأقمار الصناعية!

المركبات الفضائية واستكشاف الفضاء
لم يكتفي البشر  بوضع أقمار صناعية حول الأرض بل قاموا بإرسال مركبات فضائية مأهولة وغير مأهولة إلى القمر  والشمس وجميع كواكب المجموعة الشمسية.  ففي عام 1961م  قام الاتحاد السوفيتي بإرسال مركبة فضائية (Vostok 1) تحمل إنسان (Yuri Gagarin )  لتدور حول الأرض ومن ثم إعادة رائد الفضاء سالما إلى الأرض بينما قامت الولايات المتحدة الأمريكية بخطوة مماثلة في عام 1962م والصين في عام 2003م.  وفي عام 1959م  قام  السوفيت بإنزال أول مركبة على سطح القمر ( Luna 2) ووضع قمر صناعي حول القمر ( Luna 9) في عام 1966م. وفي عام 1969م  تمكن الأمريكان من إرسال مركبة تحمل ثلاثة من رواد الفضاء ( Apollo 11) نزل إثنان منهم على سطح القمر بمركبة ثانية عادت بهم إلى المركبة الأم والتي كانت تدور حول القمر ثم عادت بهم سالمين إلى الأرض مع بعض تراب القمر. ولقد تم إرسال منذ بدء غزو الفضاء مئات المركبات الفضائية لجميع كواكب المجموعة الشمسية وقامت بعضها بجمع معلومات وصور عن هذه الكواكب. وفي عام 1971م تمكن السوفييت من وضع أول محطة فضاء مأهولة  ( Salyut 1) في مدار منخفض حول الأرض واستمرت بالعمل حتى عام 1986م حيث تم استبدالها محطة فضاء جديدة (MIR) والتي انتهت مهمتها عام 2001م. وفي عام 1998م تم إنشاء محطة الفضاء الدولية (International Space Station) بالتعاون بين السوفيت والأمريكان والتي لا زالت تعمل حتى الآن ويتم إرسال رواد الفضاء إلى المحطة والعودة إلى الأرض باستخدام مكوك الفضاء الأمريكي (space shuttle).  لقد تم التقاط كثير  من الصور للأرض من قبل المركبات الفضائية والأقمار الصناعية  الأمريكية والسوفيتية والصينية وغيرها وأكدت على كروية الأرض وأظهرت أدق التفاصيل لمكونات سطحها.


صورة الكون في القرآن الكريم
إن الصورة التي رسمها القرآن الكريم عن هذا الكون تختلف تماما عن الصورة التي جاءت في التوراة  وتتوافق مع ما اكتشفه العلماء من حقائق عن هذا الكون كما شرحت ذلك في مقالة (أيام الخلق في القرآن والتوراة). فقد أكد القرآن الكريم على أن جميع أجرام الكون قد تكونت من دخان أي جسيمات كان يملأ  الكون كما في قوله تعالى "ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) " فصلت. وقد يكون الفتق الذي جاء في قوله تعالى " أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30)"  الأنبياء هو الاتفجار العظيم الذي انبثق من هذا الدخان. وأكد القرآن الكريم على أن جميع أجرام الكون بما فيها الأرض في حركة دائمة وهي تدور في أفلاكها كما جاء في قوله تعالى " وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33)"  الأنبياء وقوله تعالى " لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40)" يس.  وكما أن ركاب الطائرة على صغرها لا يشعرون بحركتها وهي تطير  فإن سكان الأرض أيضا لا يشعرون بحركاتها  بل يرون الأجرام التي حولها هي التي تتحرك بناءا على مبدأ النسبية والذي أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى " وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88)" النمل. وعلى العكس من التوراة التي تقول بوجود أرض واحدة وسماء واحدة فإن القرآن الكريم أكد على وجود سبع سموات وسبع آراضين كما في قوله تعالى " اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12)" الطلاق.  وبينما يقول أنصار  الأرض المسطحة بأن الشمس والقمر  والنجوم ما هي مظاهر ضوئية تحدث على سقف السماء يؤكد القرآن الكريم على أنها أجرام حقيقية  تسبح في الفضاء الكوني وكل منها لها خصائصها فالشمس جرم وهاج يرسل الضياء الحار للكواكب التي حوله والقمر  يرسل النور البارد المنعكس عن ضوء الشمس كما في قوله تعالى " هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5)" يونس وقوله تعالى " وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13)" النبأ.  وأكد القرآن الكريم على أن أبعاد الكون أكبر مما يتخيلها البشر  فقال عز  من قائل حول مواقع النجوم  "فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)" الواقعة.  
موقف علماء الاسلام من كروية الأرض
 لم يقف العلماء المسلمون في عصرهم الذهبي موقف المتفرج من حل أسرار هذا الكون بل ساهموا مساهمات كبرى في كثير من مجالات العلم. فإلى جانب حفاظهم على جميع علوم السابقين من اليونان والرومان والهنود وغيرهم من خلال ترجمتها إلى العربية قاموا بإضافة إسهامات بارزة في الفلك والرياضيات والهندسة والطب والفيزياء والكيمياء والجغرافيا والتاريخ وغيرها من العلوم.  وفيما يخص كروية الأرض لم يترددوا في قبول هذه الفكرة خاصة أنهم وجدوا ما يؤيدها في  القرآن الكريم بل قام البيروني باستخدام طريقة جديدة ودقيقة لحساب قطر الأرض. أما ابن الشاطر  فقد عمل نماذج جديدة لحركة الأجرام السماوية افترض فيها دوران الأرض حول نفسها ويقال أن كوبنيكوس قد استفاد من نماذجه هذه لوضع نظرية مركزية الشمس وليس الأرض. أما علماء الدين فإن معظمهم لم ينكر  المكتشفات العلمية المبنية على الأدلة والبراهين ونورد هنا ما قاله إثنان من أشهر  العلماء المسلمين وهما ابن حزم والغزالي.  فقد أكد ابن حزم  الأندلسي الذي عاش في القرن الحادي عشر الميلادي وهو إمام المذهب الظاهري وهم الذين يأخذون بظاهر النصوص في تفسيرهم على إجماع القرآن والسنة وأئمة المسلمين على كروية الأرض فقال (وذلك أنهم قالوا إن البراهين قد صحت بأن الأرض كروية والعامة تقول غير ذلك وجوابنا وبالله تعالى التوفيق:  إن أحدا من أئمة المسلمين المستحقين لاسم الإمامة بالعلم رضي الله عنهم لم ينكروا تكوير الأرض ولا يحفظ لأحد منهم في دفعه كلمة بل إن البراهين من القرآن والسنة قد جاءت بتكويرها قال الله تعالى "خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5) " الزمر  وهذا أوضح بيان في تكوير بعضها على بعض وهو مأخوذ من كور العمامة وهو إدارتها ).
وقد حذر حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله قبل ألف عام علماء الدين من مغبة إنكار الحقائق العلمية اعتمادا على التأويلات الخاطئة لنصوص الكتب المقدسة لما في ذلك من ضرر على الدين. وعلى الرغم من أن الغزالي قام بتأليف كتابه تهافت الفلاسفة لدحض كثير من أراء الفلاسفة إلا أنه لم ينكر علومهم التي تعتمد على أسس علمية واضحة ومما قاله بهذا الشأن “القسم الثاني: ما لا يصدم مذهبهم فيه أصلاً من أصول الدين، وليس من ضرورة تصديق الأنبياء والرسل منازعتهم فيه، كقولهم: إن كسوف القمر، عبارة عن انمحاء ضوء القمر بتوسط الأرض بينه وبين الشمس، والأرض كرة والسماء محيطة بها من الجوانب، وإن كسوف الشمس وقوف جرم القمر بين الناظر وبين الشمس عند اجتماعهما في العقيدتين على دقيقة واحدة. وهذا الفن أيضاً لسنا نخوض في إبطاله إذ لا يتعلق به غرض ومن ظن أن المناظرة في ابطال هذا من الدين فقد جنى على الدين وضَعَّف أمره.  فإن هذه الأمور تقوم عليها براهين هندسية حسابيَّة لا يبقى معها ريبة. فمن تطلَّع عليها ويتحقَّق أدلّتها حتى يُخبر بسببها عن وقت الكسوفين وقدرهما ومدة بقائهما إلى الانجلاء، إذا قيل له إن هذا على خلاف الشرع، لم يسترب فيه وإنما يستريب في الشرع وضرر الشرع ممَّن ينصره لا بطريقه أكثر من ضرره ممّن يطعن فيه بطريقة.وهو كما قيل: عدوّ عاقل خير من صديق جاهل. فان قيل: فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: (( ان الشمس والقمر لآيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فاذا رأيتم ذلك فافزعوا الى ذكر الله والصلاة)) ، فكيف يلائم هذا ماقالوه؟ قلنا: وليس فى هذا ما يناقض ما قالوه ، اذ ليس فيه الا نفى وقوع الكسوف لموت احد او لحياته والامر بالصلاة عنده. والشرع الذى يأمر بالصلاة عند الزوال والغروب والطلوع من أين يبعد منه ان يأمر عند الكسوف بها استحباباً؟ فان قيل: فقد روُى انه قال فى آخر الحديث: (( ولكن الله اذا تجلىّ لشىء خضع له)) فيدلّ على ان الكسوف خضوع بسبب التجلى، قلنا: هذه الزيادة لم يصحّ نقلها فيجب تكذيب ناقلها، وانما المروى ما ذكرناه كيف، ولو كان صحيحاً، لكان تأويله أهون من مكابرة أمور قطعية. فكم من ظواهر أُوّلت بالأدلة العقليَّة التي لا تنتهي في الوضوح إلى هذا الحد. وأعظم ما يفرح به المُلحدة، أن يصرح ناصر الشرع بأن هذا، وأمثاله على خلاف الشرع، فيسهل عليه طريق إبطال الشرع، ان كان الشرع امثال ذلك. وهذا: لأنّ البحث في العالم عن كونه حادثاً أو قديماً، ثم إذا ثبت حدوثه فسواء كان كرة، أو بسيطاً، أو مثمناً، أو مسدّساً، وسواء كانت السماوات، وما تحتها ثلاثة عشرة طبقة، كما قالوه، أو أقلّ، أو أكثر، فنسبة النظر فيه الى البحث الالهىّ كنسبة النظر الى طبقات البصل وعددها وعدد حبّ الرمان. فالمقصود: كونه من فعل الله سبحانه وتعالى فقط، كيف ما كانت”.