2014-11-12

ولقــــــد خلقنــــا الإنســــان من ســــــــــــــلالة مــــن طيـــــن


ولقــــــد خلقنــــا الإنســــان من ســــــــــــــلالة  مــــن طيـــــن
الدكتور منصور أبوشريعة العبادي \ جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية
 

لقد شرحنا في المقالة السابقة مرحلتين من المراحل التي مر بها  التراب لكي يتحول إلى أول شكل من أشكال الحياة، وهما مرحلة الحمأ المسنون ومرحلة الصلصال الذي كالفخار. وذكرنا أن مرحلة الحمأ المسنون هي المرحلة التي تكونت خلالها المواد العضوية البسيطة  في جو الأرض الأولي  الذي كان يتكون من غازات الأمونيا والميثان وبخار الماء. وبسبب غياب الأوكسجين في هذا الجو بقيت هذه المواد العضوية البسيطة على حالها ولم تتحلل، وبدأت تتراكم بكميات كبيرة في المسطحات المائية مكونة ما أطلق عليه العلماء اسم الحساء البدائي. وقد ذكرنا أن توفر المواد العضوية البسيطة في مياه الأرض لا يكفي لتصنيع مكونات الكائن الحي الأولي، حيث أن تصنيعها يحتاج لمواد عضوية أكثر تعقيدا كالبروتينات والأحماض النووية. أما مرحلة الصلصال فهي المرحلة التي تكونت خلالها بعض المواد العضوية المعقدة على أسطح وحواف بعض المواد الصلصالية ذات الطبيعة البلورية التي تمتلك بعض التراكيب الدقيقة التي تتكرر بشكل دوري وبأنماط مختلفة. وقد قام هذا الصلصال البلوري مقام الأنزيمات في  تسهيل  التفاعلات الكيميائية بين المواد العضوية البسيطة لتنتج مواد عضوية أكثر تعقيدا. وقد ذكرنا أن اكتشاف علماء التطور للدور الذي لعبه الصلصال في عملية تطور الحياة على الأرض كان من أعجب وأغرب الاكتشافات العلمية، فلم يكن ليخطر على بال أحد أن يكون الصلصال الجاف كان أحد مراحل تطور الحياة. ولو أن هذا الاكتشاف العلمي الغريب  قد تم على أيدي علماء مسلمين لاتهمهم الناس بالتحيز لمعتقدهم، وأدخلوا مرحلة الصلصال هذه قسرا ضمن مراحل تطور الحياة.

وسنشرح في هذه الباب المرحلة الأخيرة من مراحل التطور الكيميائي للحياة، وهي مرحلة سلالة الطين التي ذكرها الله في كتابه الكريم كإحدى المراحل التي مر بها خلق الإنسان من التراب، وذلك في قوله تعالى "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين" المؤمنون 12.  وسنبين بالاعتماد على ما توصل إليه علماء التطور من نتائج أن هذه المرحلة مسؤولة عن تصنيع أول شكل من أشكال الحامض النووي والتي أطلق عليها علماء التطور اسم "عالم الحامض النووي الرايبوزي". وهذا الحامض النووي الرايبوزي هو شريط يحمل معلومات وراثية، مثله مثل شريط الحامض النووي الديكسورايبوزي إلا أنه مكون من سلسلة واحدة بدلا من سلسلتين. وعلى شريط الحامض النووي هذا كتب الله بطريقة رقمية كامل تعليمات تصنيع أول كائن حي ظهر على وجه الأرض، حيث كان يتكون من خلية حية واحدة فقط تحتوي على معظم المكونات الموجودة في الخلايا الحية الحالية. ومن هذا الكائن الحي الأولي خلق الله جميع أنواع الكائنات الحية التي ظهرت على هذه الأرض، والتي تعد بعشرات الملايين وذلك من خلال إعادة كتابة برامج التصنيع المخزنة على أشرطة الحامض النووي الموجودة في الخلايا التي تبدأ منها عملية تصنيع مختلف أنواع الكائنات الحية. 

لقد أجمع علماء التطور بعد اكتشاف شريط الحامض النووي في منتصف القرن العشرين، ومعرفة الدور البالغ الذي يلعبه في ظاهرة  الحياة على أنه لا يمكن لأي شكل من أشكال الحياة أن يظهر على الأرض قبل أن يتم تصنيع هذا الشريط. ففي هذا الشريط يكمن سران من أهم أسرار الحياة، أولهما: قدرته على إنتاج نسخ طبق الأصل عن نفسه بنفسه وبهذا السر تستطيع الخلايا وكذلك الكائنات الحية أن تنتج نسخا عن نفسها بنفسها بدون تدخل أيّ قوة خارجية. أم السر الثاني: فهو قدرته على تخزين المعلومات اللازمة لتصنيع مختلف مكونات الكائنات الحية كمواصفات المواد العضوية البسيطة منها والمعقدة، ومواصفات مكونات الخلية الحية ومواصفات مختلف أنواع الخلايا الحية، ومواصفات أجسام الكائنات الحية. ولنفرض جدلا أن جميع المواد العضوية اللازمة لتصنيع أول كائن حي مكون من خلية واحدة قد تم تصنيعها في الطبيعة بالصدفة، ومن ثم اجتمعت الصدف لتصنيع جميع مكونات الخلية الحية، وأخيرا اجتمعت الصدف لتجمع هذه المكونات مع بعضها في حيز واحد لتصنع منها هذا الكائن الحي الأولي.  إن مثل هذا الكائن الأولي الذي اجتمعت مكوناته ومواده العضوية بالصدفة، لا يمكن اعتباره كائنا حيا بمعنى الكلمة حتى لو عاش لفترة طويلة من الزمن، طالما أنه لا يمتلك الآلية التي يستطيع من خلالها أن ينتج نسخة جديدة عن نفسه بنفسه. فهذا الكائن سيموت عاجلا أم آجلا، وعلينا أن ننتظر الصدف لتجتمع من جديد لتصنع كائن جديد من المؤكد أنه لن يكون على شكل الكائن القديم فالصدفة ليس لها ذاكرة تحتفظ بمواصفات الكائن القديم.

ولكي يتحقق تعريف الحياة على الكائن الحي الذي سيظهر للوجود لأول مرة يجب أن يمتلك خاصيتين أولهما: أن يكون قادرا على إنتاج نسخة طبق الأصل عن نفسه بنفسه بدون تدخل أيّ قوة خارجية، وذلك من خلال تخزين تعليمات تصنيعه في مكان ما في جسمه. وثانيهما: أن يكون قادرا على تأمين ما يحتاج إليه من مواد عضوية لبناء جسمه وجسم الكائن الجديد من خلال تحويل المواد غير العضوية المتوفرة في الطبيعة إلى مواد عضوية. ويتضح من هذا الشرح أن عملية تصنيع الكائن الحي تتطلب أولا: تخزين كامل تعليمات التصنيع في مكون ما من مكونات هذا الكائن وتحتاج ثانيا: إلى آلية تقوم بتنفيذ هذه التعليمات لتصنيع مختلف مكونات وأجزاء هذا الكائن. وهذا يعني أن عملية تصنيع أول كائن حي ظهر على وجه الأرض من المواد العضوية البسيطة التي تكونت في جو الأرض الأولي قد تم وفق خطة مدروسة بشكل بارع لا مجال للصدفة أن تكون قد تدخلت في أيّ خطوة من خطواتها. وكما ذكرنا سابقا فإن سر الحياة الأعظم  يكمن في قدرة الخلية الحية على إنتاج نسخة عن نفسها بنفسها دون تدخل أيّ قوة خارجية، وذلك بمجرد صدور الأمر لها ببدء هذه العملية من مكان ما في داخلها. وتقوم الخلية عند انقسامها بتوزيع محتوياتها الداخلية إلى مجموعتين متماثلتين ثم تقوم بوضع جدار فاصل بين هاتين المجموعتين، لتنتج خليتين، كل واحدة منهما نسخة طبق الأصل عن الخلية الأم التي أنتجتهما.

وقد تبين للعلماء بعد طول بحث وعناء أن الذي يقوم بإعطاء أمر الانقسام للخلية هو شريط الحامض النووي الموجود في داخلها من خلال تنفيذ برنامج معقد يحدد الخطوات التي تلزم لإجراء عملية الانقسام بكامل تفاصيلها. ومن المعروف أن أحد أهم الخطوات التي تتطلبها عملية انقسام الخلية هي الخطوة التي يتم فيها إنتاج نسخة طبق الأصل عن شريط الحامض النووي لكي يودعها لإحدى الخليتين الناتجتين عن الانقسام. وهذا يتطلب أن يعطي هذا الشريط  أمر إنتاج نسخة عن نفسه من تلقاء نفسه، وفي هذه الخاصية يكمن سر الحياة الأعظم الذي حول تراب الأرض الميت إلى هذا التنوع الهائل في أشكال الحياة. ولولا هذه الخاصية الفريدة لشريط الحامض النووي لما أمكن للحياة أن تظهر ولا أن تدوم على سطح هذه الأرض منذ آلاف الملايين من السنين وإلى أن يشاء الله. فالمعلومات الوراثية التي تلزم لتصنيع أيّ كائن حي يتم توارثها من خلال إنتاج نسخة طبق الأصل عن شريط الحامض النووي  في كل خلية قبل انقسامها إلى خليتين ووضع نسخة من هذا الشريط في كل من هاتين الخليتين. ولا يقتصر دور شريط الحامض النووي على هذه المهمة فقط، بل هو الذي يقوم بإدارة جميع العمليات الحيوية في داخل الخلايا الحية أيّ أن هذه الخلايا لا يمكن أن تعيش بدون وجود هذا الشريط في داخلها.

 وبناء على ذلك، فإن عملية تحويل التراب إلى كائن حي مهما بلغت بساطة تركيبه  يتطلب أولا تصنيع  شريط  الحامض النووي من التراب وذلك لكي يتولى بقية المهام اللازمة لخلق أول كائن حي ظهر على الأرض. ويقول علماء التطور أنه إذا  ما تم بطريقة ما تصنيع مادة عضوية تستطيع أن تنتج نسخة عن نفسها من تلقاء نفسها، فإن ذلك تحقيق لأهم سر من أسرار الحياة وهو سر التكاثر التلقائي. ويعتبر ظهور أول شريط حامض نووي على وجه الأرض ظهورا لأول شكل من أشكال الحياة عليها وبظهوره انتهت مرحلة التطور الكيميائي للحياة وبدأت مرحلة التطور الحيوي للحياة من خلال أخذ هذا الشريط لزمام الأمور، حيث بدأ في تصنيع مكونات الخلية ومن ثم تصنيع الخلية الحية التي انبثقت منها جميع أشكال الحياة التي نشاهدها على الأرض اليوم.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه المرحلة البالغة الأهمية من مراحل تطور الحياة على الأرض في إحدى آياته، وذلك في قوله تعالى "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين" المؤمنون 12. وسنبين من خلال الشرح التالي أن المقصود بسلالة الطين في هذه الآية هو أول شكل من أشكال شريط الحامض النووي الذي انبثقت منه الحياة على الأرض. ولكي نفهم معنى كلمة السلالة الواردة في هذه الآية لا بد من الاستعانة بمعناها في آية أخرى، وهي قوله تعالى "الذي أحسن كلّ شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثمّ جعل نسله من سلالة من مآء مهين" السجدة 7-8.  وتبين الآية الكريمة الثانية أنه بعد أن تم خلق الإنسان من الطين لأول مرة أصبحت عملية إنتاج البشر وغيره من الكائنات تتم من خلال سلالة الماء المهين وليس من التراب مباشرة. وكلمة نسله  في قوله تعالى "ثمّ جعل نسله" يمكن فهم معناها من خلال إبدالها بكلمة نسخه، كأن نقول ثم جعل نسخه أما معنى السلالة في قوله تعالى "سلالة من مآء مهين"  فتعني أن عملية النسخ هذه تبدأ من مكون  يأتي على شكل سلسلة من الماء بالغة الضعف. وبعد أن اكتشف العلماء أن شريط الحامض النووي الموجود في نواة الخلية هو المسؤول عن عملية تصنيع جميع أنواع الكائنات الحية يتأكد لنا أن سلالة الماء المهين ما هي إلا هذا الشريط الضعيف، كما سنبين تفصيلات ذلك في باب قوله تعالى "ثمّ جعل نسله من سلالة من مآء مهين".

وبناء على هذا الشرح يمكن أن نفهم، ما المقصود  بسلالة الطين في قوله تعالى "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين" فمن الواضح أن معنى السلالة في الآيتين واحد، إلا أن السلالة في وقت من الأوقات كانت مصنوعة من الطين ثم تحولت في وقت لاحق إلى سلالة مصنوعة من الماء. فسلالة الطين كانت إحدى المراحل التي مر بها خلق الإنسان الأول وهي  مراحل تحول التراب إلى أول شكل من أشكال الحياة أو ما يسمى بمرحلة التطور الكيميائي أما سلالة الماء فهو شريط الحامض النووي المستخدم حاليا في عملية نسخ وتصنيع الكائنات الحية من أصولها. وفي قول الله سبحانه وتعالى "أكفرت بالذي خلقك من تراب ثمّ من نطفة ثمّ سواك رجلا" تأكيد على وجود هاتين المرحلتين، وهما مرحلة تحويل التراب إلى أول خلية حية ظهرت على وجه الأرض أيّ مرحلة الخلق من التراب، أما المرحلة الثانية فهي مرحلة الخلق من النطفة، أيّ تحويل الخلية الحية الواحدة إلى كائن حي كامل  كالإنسان مثلا. وكما أن سلالة الماء أو شريط الحامض النووي هو المسؤول عن تحويل الخلية الواحدة إلى كائن حي بكامل تفصيلاته، فإن سلالة الطين هي المسؤولة عن تحويل التراب الميت إلى أول شكل من أشكال الحياة وهو الكائن الحي البدائي المكون من خلية واحدة. وقد أطلق القرآن الكريم اسم سلالة الطين على مرحلة تصنيع أول شريط حامض نووي ظهر للوجود بينما أطلق علماء التطور عليه اسم عالم الحامض النووي الرايبوزي. ومن الواضح أنه لا مكان لمرحلة السلالة الطينية في مراحل خلق الإنسان كما يتصورها بعض أنصار الخلق المباشر، فكل ما يحتاجه تصنيع الإنسان حسب تصورهم هو عجن التراب بالماء لينتج الطين ثم تشكيل الطين على هيئة إنسان ثم يترك ليجف في الشمس ليصبح صلصالا كالفخار ثم ينفخ الله فيه من روحه ليتحول إلى إنسان من لحم ودم. ولو أنك سألت أنصار الخلق المباشر عن المقصود بسلالة الطين، وكذلك عن مكانها في مراحل الخلق التي ذكرها القرآن لما استطاعوا أن يجيبوك على ذلك، فمن الواضح أن سلالة الطين هي مرحلة غير مرحلة الطين أو الطين اللازب التي بدأ الله خلق الإنسان منها.

وبعد أن أصبح علماء التطور على قناعة تامة بأن أحد أشكال شريط الحامض النووي هو أول ما ظهر من مكونات الخلية الحية بدأ البحث عن الشكل الذي كان عليه هذا الشريط، وذلك لكي يتوصلوا إلى معرفة الطريقة التي تم تصنيعه من خلالها. وقد استعان هؤلاء العلماء بالإنجازات العلمية المذهلة التي حققها علماء الأحياء في مجال تركيب الخلية الحية وما تحويه من مكونات بالغة التعقيد، فقاموا بدراسات معمقة لتركيب شريط الحامض النووي، وكذلك الطريقة التي يعمل بها في إدارة العمليات الحيوية في الخلية. وقد اكتشف علماء الأحياء أن شريط الحامض النووي الحالي يأتي على ثلاثة أشكال فالشكل الأول: هو شريط الحامض النووي الرئيسي الموجود في نواة الخلية والذي يحتوي على جميع المعلومات اللازمة لإدارة العمليات الحيوية في الخلية والمعلومات اللازمة لتصنيع أجسام الكائنات الحية. أما الشكل الثاني: فهو شريط الحامض النووي المراسل الذي يقوم بنقل المعلومات المخزنة على  الشريط الرئيسي إلى مصانع البروتينات المنتشرة في الخلية الحية خارج النواة. أما الشكل الثالث: فهو شريط الحامض النووي الناقل وهو الذي يقوم بنقل الأحماض الأمينية من أماكن تواجدها في الخلية إلى مصنع البروتينات حيث يتم ربطها حسب التسلسل الموجود على الشريط المراسل.

يتكون الشريط الرئيسي من سلسلتين جانبيتين طويلتين يتم بناء كل منهما من خلال ربط نوعين من الجزيئات أحدهما من السكر والأخرى من الفوسفات  بشكل متعاقب، ومن ثم يتم ربط الأحرف الوراثية بين السلسلتين على مسافات محددة وذلك على شكل درجات السلم. وتتكون كل درجة من درجات هذه الشريط من حرفين وراثيين يرتبط أحدهما بأحد جزيئات السكر الموجودة على إحدى السلسلتين بينما يرتبط الحرف الأخر  بجزيء السكر المقابل الموجود على السلسلة الأخرى ويرتبط هاذين الحرفين ببعضهما البعض عند منتصف الدرجة. أما الشريط المراسل فهو شريط أحادي السلسلة له تركيب يشبه تركيب إحدى سلسلتي شريط الحامض النووي الرئيسي باستثناء أن أحد أحرف التشفير الأربعة يختلف عن تلك الموجودة  في الشريط الرئيسي وهو شريط قصير نسبيا فيه من المعلومات ما يكفي لتصنيع نوع واحد من البروتينات. أما الشريط الناقل فهو شريط أحادي السلسلة قصير جدا يتكون من ثلاثة أحرف فقط وقد اكتشف العلماء أن لكل حامض أميني هنالك شريط حامض نووي ناقل خاص به لا يلتصق إلا به ويقوم بحمله إلى مصنع البروتينات عند تصنيع البروتينات.

وقد اكتشف العلماء أن الشيفرة الوراثية في جميع الكائنات الحية مكتوبة بنفس نوع الأحرف والتي يبلغ عددها أربعة أحرف فقط، وأن طول كلمة الشيفرة هو ثلاثة أحرف وهو الطول اللازم لتشفير الأحماض الأمينية العشرين التي تلزم لتصنيع مختلف أنواع البروتينات والأنزيمات التي تحتاجها الكائنات الحية. ويعتقد علماء التطور أن شريط الحامض النووي الذي صنعته الطبيعة لأول مرة في تاريخ الحياة لا بد وأن يكون بنفس مواصفات الأشرطة الحالية من حيث عدد أحرف التشفير وطول كلمة التشفير. ولقد ثبت للعلماء بما لا يدع مجال للشك أن جميع الكائنات الحية ابتداء بالفيروسات وانتهاء بالإنسان تستخدم نفس نظام التشفير ونفس المواد العضوية.  ولو لم يكن الأمر كذلك لظهر للوجود كائنات حية بأشرطة وراثية بأطوال كلمات مختلفة وعدد أحرف تشفير مختلفة وهذا الترتيب يدحض زعم أنصار التطور من أن الصدفة هي المسؤولة عن خلق الحياة على الأرض. فلو أن الصدفة كانت هي المسؤولة عن ذلك لظهر في مياه الأرض المتباعدة نظم حياة لها أنظمة تشفير مختلفة من حيث عدد الأحرف وطول الكلمات. ويعتقد علماء التطور بأن  تركيب شريط الحامض النووي الذي ظهر للوجود أول مرة كان في أبسط أشكاله أيّ أنه كان يتكون من  سلسلة جانبية واحدة قصيرة نسبيا وهو أقرب ما يكون في الشكل  لشريط الحامض النووي المراسل أو حتى الناقل. وقد زاد من قناعة العلماء بهذا الرأي أن بعض الفيروسات والتي هي أبسط الكائنات الحية تركيبا يتكون شريطها الوراثي من شريط حامض نووي أحادي السلسلة بينما تتكون الأشرطة الوراثية لبقية الكائنات الحية من أشرطة مزدوجة السلسلة. وبعد هذه الاكتشافات انصب جهد علماء التطور على البحث عن الكيفية التي تم بها تصنيع شريط الحامض النووي الذي كتب الله عليه المعلومات اللازمة لتصنيع أول كائن حي ظهر على وجه الأرض، والذي كان يتكون من خلية واحدة في أبسط أشكالها.

إن الأحماض النووية مثلها مثل البروتينات لا يمكن تصنيعها في الطبيعة إلا بوجود الأنزيمات ولكن بما أن الأنزيمات لا وجود لها في تلك الحقّبة من الزمن فلا بد من وجود عامل ما ساعد على عملية تصنيع أشرطة الأحماض النووية. وقد ذكرنا في الباب السابق أن علماء التطور، قد اهتدوا وبشكل غير متوقع إلى أن الصلصال قد لعب دورا رئيسيا في عملية تصنيع المواد العضوية المعقدة. ولم يتم اختيار العلماء للصلصال المتبلور من بين كثير من المواد البلورية بشكل اعتباطي بل كان نتيجة لدراسات معمقة أجراها العلماء على مختلف أنواع الأجسام البلورية. وقد وقع الاختيار على الصلصال لامتلاكه خاصيتين مهمتين أولهما:  أنه يتكون من طبقات رقيقة ودقيقة، تعيد نفسها بشكل متكرر وبأنماط متعددة لا توجد في غيره من المواد البلورية. أما الخاصية الثانية: التي يمتلكها الصلصال فهي قدرته على تفريغ الطاقة التي تحتويها جزيئاته  في جزيئات المواد العضوية الملتصقة به، ممّا يمكنها من الارتباط  ببعضها البعض، وذلك عند تعرض هذا الصلصال لسلسلة من دورات التجفيف والترطيب. وقد يكون في تأكيد القرآن على أن الصلصال الذي ساعد  في ظهور الحياة عند نشأتها الأولى هو النوع الذي يشبه الفخار إشارة إلى ضرورة أن يكون الصلصال بالشكل البلوري الذي يمتلك مثل هذه الخصائص التي يبحث العلماء عنها. وقد يسأل سائل عن السبب الذي دفع العلماء لأن ينحو هذا المنحى الغريب ويبحثوا عن المواد البلورية التي قد تكون ساعدت في تصنيع شريط الحامض النووي الأولي. ويعود السبب في ذلك إلى أن العلماء قد تأكدوا أولا أن تصنيع شريط الحامض النووي من مكوناته الأولية، لا يمكن أن يتم بدون الأنزيمات وبما أن الأنزيمات لم تكن موجودة في تلك الفترة من تطور الحياة فلا بد من وجود عامل آخر قد قام مقامها. وبما أن شريط الحامض النووي يتكون من وحدات أساسية مرتبطة ببعضها على شكل سلسلة وتعيد نفسها بتكرار معين فليس غريبا أن يبحث العلماء عن مواد بلورية فيها مثل هذا النمط من التكرار.

وقد ذهب علماء التطور مذاهب شتّى حول  الطريقة التي عمل من خلالها الصلصال على تصنيع أول شريط حامض نووي ظهر على الأرض. فقد قال بعض علماء التطور أنه على حواف وأسطح  قطع الصلصال المتبلور، بدأت الجزيئات العضوية البسيطة المكونة للشريط الوراثي بالالتصاق بالطبقات البلورية الدقيقة لهذا الصلصال، بحيث تحدد طبيعة الطبقة نوع الجزيء الذي يلتصق بها. وبعد أن يكتمل تكون سلسلة من هذه الجزيئات العضوية على  حواف وأسطح الصلصال الذي حدد ترتيب طبقاته ترتيب الجزيئات العضوية، تقوم هذه السلسلة بالانفصال عن الحافة الصلصالية وتبدأ بالانتشار بالماء. بينما قال فريق آخر من علماء التطور أن الجزيئات المكونة للحامض النووي أصغر من أن يتم ترتيبها على طبقات الصلصال الأكبر حجما ومن الممكن أن الجزيئات التي اصطفت على طبقات الصلصال هي جزيئات غير عضوية. وهذا يعني أن أول أشكال شريط الحامض النووي ليس بالضرورة أن يكون مصنوع من مواد عضوية بل هو مصنوع من مواد غير عضوية لها جزيئات كبيرة الحجم تتناسب وأبعاد طبقات الصلصال. وقد تم في مراحل لاحقة وبعد سلسلة معقدة وطويلة من التحولات استبدال السلاسل غير العضوية بالسلاسل العضوية الموجودة حاليا في الكائنات الحية. ومرة أخرى نقول لو أن العالم الذي اقترح أن شريط الحامض النووي في أحد أطواره قد صنع من مواد غير عضوية كان من المسلمين لشككنا حتى نحن المسلمين في نتائج أبحاثه واتهمناه بتزوير الحقائق، لكي تتوافق مع  قول الله تعالى "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين". وبغض النظر عن الطريقة التي لعب الصلصال بها دوره في إنتاج أول شريط حامض نووي فإن الحقيقة التي أوردها القرآن من أن  الصلصال كان أحد الأطوار التي مر بها خلق الإنسان، قد أثبتها العلماء بما لا يدع مجالا للشك، وإذا كان هنالك من اختلاف بينهم فهو حول الكيفية التي تمكن بها الصلصال من فعل ذلك.

ونعود الآن لشرح الطريقة التي تم بها تصنيع شريط الحامض النووي الأولي بمساعدة الصلصال، وكيف تمكن هذا الشريط البدائي بعد تصنيعه من إلغاء دور الصلصال والقيام بنفسه بمختلف المهام التي أدت لتصنيع أول كائن حي ظهر على الأرض. ولا بد من التذكير هنا من أن جميع المواد العضوية البسيطة التي تلزم لتصنيع هذا الشريط قد سبق تصنيعها في جو الأرض الأولي، أيّ في مرحلة الحمأ المسنون، حيث كانت متوفرة بكميات كبيرة في مياه الأرض إلى جانب بقية المواد العضوية البسيطة. ويحتاج شريط الحامض النووي لتصنيعه ستة أنواع من الجزيئات وهي جزيء السكر وجزيء الفوسفات الذين يلزمان لتصنيع السلسلة الجانبية للشريط والجزيئات الأربعة المتبقية هي أحرف التشفير التي يتم  تثبيتها على هذه السلسلة الجانبية. ومن المناسب هنا أن نذكر القارئ بأنه على الرغم من توفر جميع مكونات شريط الحامض النووي في نفس الحيز إلا أنها غير قادرة على الارتباط ببعضها البعض لتصنع هذا الشريط، وذلك بسبب عدم توفر الأنزيمات في تلك الحقّبة من تطور الحياة. وهذا هو السبب الذي دفع علماء التطور للبحث عن شيء ما في الطبيعة يقوم مقام الأنزيمات لكي يساعد هذه الجزيئات للارتباط ببعضها وكان أن اهتدوا إلى الصلصال الذي كالفخار ليكون المنقذ لهم من هذه الورطة. ومن الطبيعي أن يكون هذا الصلصال موجودا في قاع المسطحات المائية المملوءة بمختلف أنواع المواد العضوية البسيطة التي قام جو الأرض الأولي بتصنيعها، وذلك لكي تتاح الفرصة لهذه الجزيئات بملامسة سطحه من خلال انتشارها في الماء. ويقول العلماء أنه على حواف وأسطح الصلصال بدأت أنواع مختلفة من المواد العضوية بالتكون وذلك حسب الأنماط البلورية الموجودة عليه. ولكن ليس كل ما ينتجه الصلصال من مواد عضوية  تصلح لأن تكون جزيئات مفيدة لعملية تطور الحياة على الأرض، حيث أن كثيرا من هذه المواد تبدأ بالتحلل بعد فترة وجيزة من مغادرتها للصلصال نتيجة لتفكك روابطها الكيميائية بسبب الحرارة.  

ويعتقد العلماء أن سلاسل الأحماض النووية هي الجزيئات الوحيدة التي يمكن لها أن تعيش لفترات طويلة بعد انفصالها عن الصلصال إذا ما توفرت فيها خاصية مهمة وهي قدرتها على إنتاج نسخ عن نفسها بنفسها. ومن المحتمل أن تكون السلسلة الجانبية لشريط الحامض النووي هي التي قام الصلصال بتصنيعها على حوافه وأسطحه فهي سلسلة سهلة التركيب حيث أنها مكونة من نوعين فقط من الجزيئات وهما جزيء السكر وجزيء الفوسفات يتم ترتيبهما على السلسلة بشكل متعاقب. وأثناء وجود هذه السلسلة الجانبية على حواف وأسطح الصلصال، تبدأ الجزيئات الوراثية الأربع بالارتباط بجزيئات السكر بطريقة عشوائية، مكونة أشرطة حامض نووي بأطوال مختلفة، وبالطبع بمعلومات لا معنى لها في البداية. ولقد تبين للعلماء أن النيوكليدات وهي الجزيئات المكونة لسلاسل الأحماض النووية والتي تأتي على أربعة أنواع تمتلك خاصية مميزة، وهي قدرة كل منها على الارتباط بنوع واحد فقط من هذا النيوكليدات، ممّا يعني أن لكل نيوكليد يوجد نيوكليد متمم له. وبهذه الخاصية العجيبة، يمكن لسلسلة حامض نووي أن تنتج سلسلة متممة لها من خلال ارتباط النيوكليدات الحرة بالنيوكليدات الموجودة على السلسلة الأصلية ثم تنفصل السلسلة المتممة بمجرد اكتمال تكونها.

 إن عملية النسخ هذه قد تمت في بادئ الأمر على سطح الصلصال، حيث أنه هو الذي يقوم بتوفير الطاقة اللازمة لربط هذه الجزيئات ببعضها البعض. وهذا ما يحدث تماما عندما  يقوم شريط الحامض النووي  المزدوج السلسلة الموجود في الخلايا الحية الحالية  بإنتاج نسخة عن نفسه، عند انقسام الخلية الحية ولكن بالطبع بمساعدة الأنزيمات. وبنفس هذه الطريقة تقوم السلسلة المتممة بإنتاج نسخة طبق الأصل عن السلسلة الأصلية التي أنتجتها وهكذا تعاد الكرة مرة بعد مرة لتنتج أعداد كبيرة من السلسلة الأصلية وكذلك متممتها. إن أهم ما في عملية النسخ هذه هو حفظ المعلومات الموجودة على النسخة الأصلية من شريط الحامض النووي إلى فترات زمنية طويلة. وبآلية النسخ هذه تحقق أحد أهم شروط الحياة وهو قدرة الحامض النووي بالاحتفاظ بالمعلومات المكتوبة عليه لفترات زمنية طويلة من خلال إنتاج نسخ جديدة عن نفسه تحول دون انقراضه هذا إذا ما توفرت المواد الخام والطاقة اللازمتين لعملية الإنتاج. فأما المواد الخام وهي النيوكليدات فإن جو الأرض الأولي هو الذي قام بإنتاجها وأما الطاقة فإنه يستمدها من الطاقة المخزنة في الصلصال الذي له القدرة على تفريغ طاقته في الجزيئات العضوية الملتصقة به. ومن الواضح أن شريط الحامض النووي الذي قام الصلصال  بتصنيعه لأول مرة هو سلالة الطين التي ورد ذكرها في الآية القرآنية التي تحمل عنوان هذا الباب. فهذا الشريط يختلف عن شريط الحامض النووي الموجود في خلايا الكائنات الحية الحالية والذي سماه القرآن الكريم سلالة الماء في أن تصنيعه يتم من قبل الصلصال الذي صنع من الطين بينما يتم تصنيع سلالة الماء في داخل الخلايا الحية.

إن ما تم تحقيقه في مرحلة سلالة الطين يعتبر إنجازا بالغ الأهمية في تاريخ تطور الحياة على الأرض، فقد توفر في الطبيعة مادة عضوية يمكنها الاحتفاظ بالمعلومات الرقمية التي تكتب عليها من خلال إنتاج نسخ جديدة عن نفسها بمساعدة الصلصال وجو الأرض الأولي. ولكن ما الفائدة من وجود شريط حامض نووي يحمل سلسلة طويلة من الأحرف الرقمية، ويقوم بتجديدها كل حين من خلال عملية النسخ التي شرحناها آنفا إن لم يكن بمقدوره الاستفادة من هذه المعلومات التي يحملها. ومن الطبيعي أن يدرك علماء التطور ما الذي يجب على هذا الشريط أن يفعله وهم يرون الأشرطة الموجودة في الخلايا الحية الحالية وهي تقوم بمهام  أقرب ما تكون للمعجزات. ولكن هؤلاء العلماء يدركون أيضا أن هذا الشريط مهما حمل من معلومات قد لا يستطيع عمل أيّ شيء بمفرده، فلو أن العلماء قاموا بسحب شريط حامض نووي من إحدى خلايا كائن حي وتم وضعه  في بركة ماء مليئة بالمواد العضوية المختلفة فلن يكون بمقدوره عمل أيّ  شيء. فشريط الحامض النووي يحتاج لمن يساعده في إنجاز مهامه المختلفة كما يفعل ذلك وهو في داخل الخلايا الحية، حيث يوجد فيها عشرات المكونات التي تقع تحت سيطرته وتقوم بتنفيذ أوامره. ومن الواضح الآن أن المطلوب من هذا الشريط الأعزل هو تصنيع مكونات الخلية المختلفة، وهذا يتطلب بدوره تصنيع المواد العضوية المعقدة التي تبنى منها هذه المكونات.

ولكي نبين مدى صعوبة هذه المهمة نذكر القارئ بأن تصنيع البروتينات في داخل الخلايا الحية الحالية لا يمكن أن يتم إلا من قبل مصانع البروتينات أو الرايبوسومات والتي لا يمكنها تصنيع البروتينات إلا بعد استلام تعليمات التصنيع التي تبين ترتيب الأحماض الأمينية في سلسلة البروتين المطلوب من شريط الحامض النووي القابع في نواة الخلية. ولكن مصانع البروتينات هذه تحتاج لتصنيعها عشرات الأنواع من البروتينات، وهي مصانع دقيقة لا ترى بالعين المجردة، وفيها من تعقيد التركيب ما لا يوجد في أعقد الأجهزة  التي صنعها الإنسان في هذا العصر. ومن الواضح أن شريط الحامض النووي قد وصل إلى طريق مسدود فلا هو قادر على تصنيع البروتينات اللازمة لتصنيع مصنع البروتينات ولا هو قادر على تصنيع مصانع البروتينات لأنها تحتاج للبروتينات لبناءها. ولكن هذا الشريط نجح في النهاية في حل هذه المعضلة الكبرى كما نشاهد ذلك على أرض الواقع، فهاهي الخلايا الحية تبني أعداد لا حصر لها من مصانع البروتينات في داخلها وهذه المصانع بدورها تقوم بإنتاج كميات ضخمة من مختلف أنواع البروتينات. والمطلوب الآن من علماء التطور أن يكتشفوا الطريقة التي تمكن من خلالها هذا الشريط البدائي من حل هذا المعضلة الكبرى. وسنبين في الشرح التالي أن الألغاز الموجودة في رحلة تحول التراب إلى أول شكل من أشكال الحامض النووي أو سلالة الطين لا تقاس مع الألغاز الموجودة في رحلة تحول هذا الشريط إلى أول خلية حية ظهرت للوجود.

من المنطقي أن يخمن علماء التطور بعد أن اكتشفوا كثيرا من تفصيلات تركيب الخلية الحية الحالية أن تكون المهمة الأولى لهذا الشريط هو إنتاج البروتينات فهي المواد العضوية الرئيسية التي تبنى منها مكونات الخلايا الحية، وبالتالي أجسام الكائنات الحية. لقد عرف العلماء أنه لكي يتمكن شريط الحامض النووي من تصنيع بروتين ما فلا بد من وجود علاقة تربط بين الأحماض الأمينية العشرين، التي تبنى منها سلاسل البروتين وبين النيوكليدات الموجودة على هذا الشريط. وفي علاقة الربط هذه يكمن أحد أهم أسرار الحياة وهي استخدام المعلومات لتصنيع الأشياء بشكل مباشر، دون تدخل من قوة خارجية، وهذه الفكرة الذكية لتصنيع الأشياء يستحيل أن تكون الصدفة قد وقفت وراء اختراعها.

لقد وجد العلماء أن عدد الأحماض الأمينية التي يحتاجها تصنيع مختلف أنواع البروتينات يبلغ عشرين حمضا، بينما يبلغ عدد أنواع الأحرف المستخدمة في كتابة المعلومات على  شريط الحامض النووي أربعة أحرف فقط. ومن الواضح أنه لا يمكن أن يتم تمثيل  هذه الأحماض الأمينية العشرين باستخدام  هذه الأنواع الأربعة من الأحرف إلا باستخدام  شيفرة أو كلمة تتكون من عدة أحرف. فالشيفرة المستخدمة لتمثيل الأحماض الأمينية في الكائنات الحية الحالية، تتكون من ثلاثة أحرف، ولا بد  أن تكون هذه الشيفرة هي نفسها التي استخدمها  أول شريط حامض نووي ظهر للوجود. إن اختيار طول الشيفرة في أول شريط حامض نووي لم يتم بشكل اعتباطي، بل تم اختياره بشكل مدروس بحيث يزيد عدد توافيق كلماتها عن عدد الأحماض الأمينية العشرين، وذلك لكي تضمن أن يكون لكل حامض أميني شيفرة واحدة على الأقل تمثله. وبما أن طول الشيفرة أو الكلمة المستخدمة في الكائنات الحية يساوي ثلاث نيوكليدات وبما أن هنالك أربعة أنواع من النيوكليدات أو الأحرف فإن عدد الكلمات التي تنتج عن توافيقها يبلغ أربع وستون مجموعة وهذا يزيد عن عدد الأحماض الأمينة البالغ عشرين حمضا. ولو كان طول الشيفرة حرفين اثنين بدلا من ثلاثة لكان عدد التوافيق المكونة منها ستة عشر مجموع. وهذا العدد لا يكفي لتمثيل الأحماض الأمينية العشرين. ولا زال العلماء الذين يؤمنون بأن الصدفة هي التي وقفت وراء ظهور الحياة على الأرض في حيرة من أمرهم حول الطريقة التي تمكنت بها هذه الصدفة من أن تختار طول الشيفرة الصحيحة. وسنبين في باب قوله تعالى "ربّنا الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثمّ هدى" أن اختيار هذه الشيفرة لا يمكن أن يتم إلا من قبل عليم خبير، قام بتصميم جميع مراحل خلق الكائنات ثم تركها لتعمل تحت سمعه وبصره.

ويتبين لنا بعد هذا الشرح أن المعلومات تكتب على شريط الحامض النووي على شكل شيفرات أو كلمات وتتكون كل شيفرة من ثلاثة أحرف، حيث يوجد لكل حامض أميني من الأحماض الأمينية العشرين التي تلزم لتصنيع مختلف أنواع البروتينات شيفرة واحدة أو أكثر. وقد يعجب القارئ إذا ما علم أن جميع المعلومات المكتوبة على أشرطة الحامض النووي الموجودة في جميع أنواع الكائنات الحية هي معلومات تحدد تسلسل الأحماض الأمينية في البروتينات. وباستخدام هذه المعلومات الرقمية المخزنة على الشريط الوراثي يتم  تصنيع جميع أنواع المواد العضوية المعقدة التي تبنى منها أجسام مختلف أنواع الكائنات الحية، والتي فيها من التعقيد ما يعجز البشر عن كتابة هذه المعلومات على ملايين الصفحات.

ونعود الآن للمعضلة التي لا زال العلماء يحاولون حلها، وهو كيف تمكن شريط الحامض النووي الأعزل من تصنيع البروتينات التي تلزم لتصنيع أول خلية حية وما فيها من مكونات، بعد أن علمنا أن البروتينات في الخلايا الحية الحالية، يتم تصنيعها في مصانع خاصة يتم التحكم بها من قبل شريط الحامض النووي. ولنفترض جدلا أن جهة ما قد تمكنت من كتابة المعلومات اللازمة لتصنيع بروتين ما على شريط الحامض النووي، فماذا ستكون الخطوة التالية التي يجب على الشريط القيام بها لكي يتمكن  من تصنيع هذا البروتين باستخدام هذه المعلومات.   لقد كان المخرج الوحيد للعلماء من هذا المأزق هو افتراض أن شريط الحامض النووي أحادي السلسلة يمكنه أن يعمل كإنزيم إلى جانب عمله كحامل للمعلومات. وقد عزز علماء التطور فرضيتهم هذه بدراسة خصائص شريط الحامض النووي المراسل الأحادي السلسلة المستخدم في نقل معلومات تصنيع البروتينات من الشريط الرئيسي إلى مصنع البروتينات في الخلايا الحية. وقد وجدوا أن لهذا الشريط القدرة على العمل كإنزيم يسرع من حدوث بعض التفاعلات الكيميائية ووجدوا كذلك أنه يدخل في تركيب مصنع البروتينات ممّا يرجح الرأي القائل بأن شريط الحامض النووي قد قام بنفسه بتصنيع بعض أنواع البروتينات في غياب مصانع البروتينات الموجودة حاليا في خلايا الكائنات الحية. وممّا يزيد من يقين العلماء بصحة هذه الفرضية أن شريط الحامض النووي الناقل الموجود في الخلايا الحية له القدرة على الارتباط بالأحماض الأمينية فهو الذي يقوم بنقل الأحماض الأمينية من مختلف أنحاء الخلية إلى مصنع البروتينات.

ولنفترض جدلا أن شريط الحامض النووي قد تمكن من تصنيع مختلف أنواع البروتينات بهذه الطريقة، وذلك على فرض أن هناك من يقوم بكتابة معلومات  تصنيع هذه البروتينات على هذا الشريط، فماذا عسى أن تكون الخطوة التالية التي يجب على الشريط القيام بها لإتمام عملية تصنيع أول خلية حية ستظهر للوجود. ولقد شرحنا في باب سابق تركيب الخلية وذكرنا أن فيها عدد كبير من المكونات وأن تركيب هذه المكونات من التعقيد ما عجز العلماء عن كشف كثير من أسرارها إلى يومنا هذا. ولكي نبين مدى الصعوبة التي سيواجهها شريط الحامض النووي لتصنيع هذه المكونات، نقدم شرحا مبسطا عن تركيب أحد أهم مكونات الخلية وهو الرايبوسوم أو مصنع البروتينات، الذي يتكون من ما يقرب من خمسين نوعا من البروتينات وعدد ممّاثل من الأحماض النووية، وهو مصنع جزيئي لا يمكن رؤيته بأقوى الميكروسكوبات الضوئية. وتأخذ هذه البروتينات والأحماض النووية مواقعها المحددة في هيكل هذا المصنع، بحيث تتكون في داخله فجوة يتم من خلالها تمرير شريط حامض نووي أحادي السلسلة  يحمل الشيفرات الرقمية التي تحدد ترتيب الأحماض الأمينية للبروتين المراد تصنيعه. إن فجوة التمرير يجب أن تصمم بشكل بالغ الدقة، بحيث تتسع لشيفرة واحدة فقط تتكون من ثلاثة أحرف، وعندما يتحرك المصنع على الشريط على شكل قفزات فإن كل قفزة يجب أن تساوي ثلاثة أحرف أيضا، وإلا فإن إزاحة خاطئة بحرف واحد أو حرفين  ستؤدي إلى تدمير كامل المعلومات الموجودة على الشريط. ولكي يقوم شريط الحامض النووي بتصنيع هذا المصنع المعقد عليه أن ينتج أولا جميع مكوناته من بروتينات وأحماض نووية ومن ثم يقوم بإعطاء الأوامر في وضع كل مكون من هذه المكونات في مكانه الصحيح في هيكل هذا المصنع.

وعلى القارئ أن يتذكّر أن شريط الحامض النووي ليس له أيدي ولا أرجل، بحيث يقوم بحمل هذه المكونات ويضعها في المكان المخصص لها في جسم الرايبوسوم،  بل على هذه المكونات أن تتحرك من تلقاء نفسها وتأخذ مكانها في جسم هذا المصنع. وقد يبادر قائل ويقول أن عملية تصنيع هذا المصنع وبهذه الطريقة أقرب ما تكون إلى المستحيل، وأنه ضرب من الخيال ولكن لا بد له أن يتراجع عن هذا القول إذا ما علم أن شريط الحامض النووي الموجود في الخلايا الحية الحالية يعمل ما هو أعقد من هذا، فهو يستطيع أن يصنع كائنات حية تتكون أجسامها من بلايين الخلايا ابتداء من خلية واحدة، بحيث تأخذ كل خلية من هذه الخلايا المكان المخصص لها في جسم الكائن. إن عملية تصنيع الرايبوسوم تحتاج لكتابة جميع تعليمات تصنيعه على شريط الحامض النووي،  كتحديد أنواع البروتينات والأحماض النووية التي يحتاجها وتحديد ترتيب الأحماض الأمينية والنيوكليدات لهذه الأنواع المختلفة من المواد العضوية المعقدة. ولكن السر الذي لا زال  يحير العلماء هو في الكيفية التي تتمكن فيها هذه البروتينات من أخذ مواقعها في جسم الرايبوسوم من تلقاء نفسها، وبدون مساعدة من أحد يقوم بحملها ويضعها في الأماكن المخصصة لها كما يفعل البشر عند صنع ما يصنعون من أشياء. إن الحل الوحيد لهذه المعضلة هو في تصميم أشكال البروتينات بحيث لا يمكنها أن تتراكب في جسم الرايبوسوم إلا بطريقة واحدة ينتج عنها الشكل الوحيد الذي يجب أن يكون عليه الرايبوسوم. إن هذا الأسلوب العجيب في تصنيع مكونات الخلية، هو نفسه المتبع في تصميم أشكال البروتينات، حيث أن أنواع ومواقع الأحماض الأمينية في سلسلة البروتين هي التي تحدد شكل البروتين النهائي فبعد أن يتم تصنيع سلسلة البروتين في الرايبوسوم فإنها تبدأ بالالتفاف حول نفسها من خلال التجاذب بين جزيئات أحماضها الأمينية، لتنتج شكلا واحدا فقط لهذا البروتين.

إن هذه الطريقة العجيبة في تصنيع الرايبوسوم تحتاج لمصمم لا حدود لعلمه، حيث تتطلب عملية التصميم أولا تحديد كامل تركيب جسم الرايبوسوم بحيث يقوم بالوظيفة التي صنع من أجلها، ومن ثم تحديد أنواع البروتينات التي تلزم لتصنيع هذا الجسم، بحيث يمكنها أن تتخذ مواقعها في جسم الرايبوسوم من تلقاء نفسها. وهذا يتطلب بالتالي تحديد سلسلة الأحماض الأمينية لكل نوع من هذه البروتينات بحيث يكون لكل منها شكله المميز الذي يمكنه من احتلال الموقع المخصص له بدون أيّ مساعدة من أحد. وبنفس هذه الطريقة تمكن هذا الشريط من تصنيع مختلف المكونات التي تلزم لتصنيع الخلية الحية والتي اجتمعت فيما بعد في داخل غشاء لتنتج أول كائن حي ظهر على الأرض مكون من خلية حية واحدة. ويتضح من هذا الشرح أن كل ما تحتاجه عملية تصنيع مكونات الخلية الحية وما تحتاجه من مواد عضوية مختلفة، هو كتابة معلومات التصنيع على شريط الحامض النووي ومن ثم تترك المهمة لهذا الشريط للقيام ببقية خطوات التصنيع بما أودعه الله من قدرة على حفظ المعلومات، وقدرة على العمل كإنزيم يسهل من حدوث التفاعلات الكيميائية. إن هذه الطريقة البالغة الذكاء التي يستخدمها شريط الحامض النووي لتصنيع مكونات الحياة هي نفسها التي يستخدمها الشريط الوراثي الموجود في خلايا الكائنات الحية الحالية لتصنيع كامل أجزاء أجسام الكائنات الحية ابتداء من خلية واحدة، كما سنشرح ذلك في باب قوله تعالى "صنع الله الذي أتقن كلّ شيء".

وبغض النظر عن صحة التفاصيل التي توصل إليها العلماء حول الكيفية التي صنع بها أول كائن حي ظهر على وجه الأرض، فإن هنالك اتفاقا قد يصل إلى حد التطابق بين المراحل التي ذكرها القرآن، والمراحل التي توصل إليه العلماء من خلال دراساتهم وأبحاثهم حول الكيفية التي تحول بها التراب إلى هذا  الكائن الحى الأولي. فلا خلاف بين ما ذكره القرآن وما توصل إليه علماء التطور من أن  بداية خلق الإنسان وغيره من الكائنات الحية كانت من الطين، مصداقا لقوله تعالى "الذي أحسن كلّ شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين". ولا خلاف بينهم على أن هذا الطين قد تحول إلى نوع آخر من الطين، وهو الحمأ المسنون أو ما سماه العلماء الحساء البدائي، وذلك نتيجة لتراكم كميات كبيرة من المواد العضوية البسيطة في المسطحات المائية مصداقا لقوله تعالى "ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون". ولا خلاف بينهما أيضا على أن المواد العضوية البسيطة في هذا الحمأ المسنون قد تحولت إلى مواد عضوية معقدة على سطوح وحواف المواد الصلصالية التي تشبه الفخار في تركيبها مصداقا لقوله تعالى "خلق الإنسان من صلصال كالفخار".  ولا خلاف بينهم كذلك على أن بداية الحياة كانت بعد ظهور أول شريط حامض نووي له القدرة على تخزين المعلومات الوراثية وله القدرة على التكاثر الذاتي وقد تكون هذا الشريط على أسطح وحواف الصلصال الذي كالفخار وذلك مصداقا لقوله تعالى "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين".

ومن الجدير بالذكر هنا أنه على الرغم من أن رحلة تحول التراب إلى أول كائن حي بدائي قد دارت أحداثها قبل ما يقرب من أربعة آلاف مليون عام، إلا أن العلماء بإصرارهم العجيب على كشف الحقيقة، تمكنوا من حل كثير من ألغاز هذه الرحلة المثيرة. وقد يشكك البعض في أن ما توصل إليه علماء التطور من نظريات حول نشأة الحياة على الأرض  هو ضرب من التكهنات والتخرصات التي لا مجال لإثباتها. وقد يكون لهذا الشك ما يبرره، إذا ما صدر عن من لا يمتلك مرجعية صحيحة يتأكد من خلالها من صحة ما يدعيه هؤلاء العلماء. أما بالنسبة لمن يؤمن بأن هذا القرآن منزل من لدن عليم خبير، فلا بد له من أن يقدّر جهود هؤلاء العلماء وهو يراهم يتوصلون لنتائج حول نشأة الحياة على الأرض، تتطابق بشكل كبير مع ما جاء به القرآن الكريم قبل أربعة عشر قرنا. وإن أكثر ما يدلل على صحة المنهج الذي اتبعه العلماء للوصول إلى الحقائق المتعلقة بنشأة الحياة وصحة بعض النتائج  التي توصلوا إليها هو اكتشافهم للدور الذي لعبه الصلصال في نشأة الحياة الأولية. فالحياة  كما نشاهدها اليوم تقوم على الماء، ولا بد أنها نشأت في الماء، مصداقا لقوله تعالى "وجعلنا من الماء كلّ شيء حيّ"، وقوله تعالى "والله خلق كلّ دآبّة من مآء" فما الذي دعا العلماء لاختيار الصلصال الجاف كأحد المراحل التي مرت بها الحياة أثناء تطورها، رغم أن العقل قد لا يتقبل مثل هذه الفكرة. وكذلك هو الحال مع مرحلة الحمأ المسنون، فالطين لا يكون آسنا إلا إذا اختلط بأنواع مختلفة من المواد العضوية فيتغير لونه وتنبعث منه روائح كريهة وهذا بالضبط ما توصل إليه علماء التطور في وصف هذه المرحلة.  ولحسن الحظ أن هذا الاكتشافات قد تمت على أيدي علماء من غير المسلمين فلو كانوا من المسلمين  لظن الناس أن مرحلة الحمأ المسنون ومرحلة الصلصال قد أدخلت قسرا في مراحل الخلق لكي تتوافق مع ما جاء في القرآن الكريم من حقائق حول تطور الحياة على الأرض. إن علماء التطور بما توصلوا إليه من نتائج حول مراحل نشأة الحياة على الأرض إنما قاموا بطريقة غير مباشرة بتفسير كثير من الأيات القرآنية المتعلقة بهذه الموضوع، ولولا ذلك لبقي تأويل هذه الأيات في طي الغيب. وعلماء التطور ليس هم وحدهم من قام بتفسير مثل هذه الأيات القرآنية فقد قام علماء الفلك قبلهم بتفسير بعض الأيات القرآنية المتعلقة بخلق الكون وما فيه من أجرام كتفسير قوله تعالى "ثمّ استوى إلى السماء وهي دخان"، وقوله تعالى "فلا أقسم بمواقع النجوم"، وقوله تعالى "وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مرّ السحاب" وكذلك قام علماء الجيولوجيا بتفسير قول الله سبحانه وتعالى "والجبال أوتادا" وقوله تعالى "وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم".

وبعد هذا الشرح للمراحل التي مر بها التراب لكي  يتحول إلى أول كائن حي بدائي ظهر على الأرض يتبين لنا لماذا أهتم القرآن الكريم هذا الاهتمام البالغ  بذكر المراحل التي مر بها خلق الإنسان، وكذلك بقية أنواع الكائنات الحية. ولو أن هذه المراحل كانت على الصورة التي يتخيلها  بعض أنصار الخلق المباشر، وهي أن الله قد قام بعجن التراب بالماء ليجعل منه طينا، ثم قام بتشكيل هذا الطين ليكون على صورة إنسان،  ثم تركه في الشمس ليجف  فيصبح صلصالا كالفخار، ومن ثم نفخ فيه الحياة، لما استدعى الأمر أن يأمر الله البشر للسير في الأرض لكي يكتشفوا كيف بدأت عملية الخلق وذلك في قوله تعالى "قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق". وعلى من يؤمن بأن الله قد خلق الإنسان بهذه الطريقة البسيطة أن يسأل نفسه عن مكان مرحلة الحمأ المسنون وكذلك مرحلة سلالة الطين في المراحل التي مر بها خلق الإنسان حسب هذا التصور البسيط. فالله لم يحث البشر لمعرفة الكيفية التي بدأت بها الحياة على الأرض إلا لكي  يكتشفوا مدى التعقيد الموجود في الكائنات الحية ومدى الصعوبة التي يتطلبها تحول التراب الميت إلى أول كائن حي ظهر على الأرض. إن مراحل خلق الإنسان لم تذكر في القرآن إلا لكي يوقن البشر عندما يكتشفوا مدى التطابق بين ما أخبرهم الله به وبين ما توصل إليه العلماء، بأن الله على كل شيء قدير، وأنه قد أحاط بكل شيئا علما "لتعلموا أنّ الله على كلّ شيء قدير وأنّ الله قد أحاط بكل شيء علما".

ومن السهل على العاقل أن يقرر أيّ الطريقتين في الخلق أقدر على إظهار مدى علم الله وقدرته في خلق الأشياء عامة، وخلق الحياة على الأرض خاصة. فلا يوجد في عجن التراب ليكون طينا ثم تشكيله ليكون على شكل إنسان أو أيّ كائن حي آخر ثم يتركه ليجف ليصبح صلصالا كالفخار، ما يظهر مدى علم الله وقدرته على الخلق. أما عملية تصميم جو الأرض الأولي بشكل بالغ التقدير لكي تتهيأ الظروف المناسبة لتصنيع المواد العضوية البسيطة  اللازمة لبناء الكائنات الحية فتدل على وجود قوة عاقلة لا حدود لعلمها وقدرتها تقف وراء عملية التصميم هذه. وكذلك فإن استخدام الصلصال لتصنيع  مواد عضوية معقدة من هذه المواد العضوية البسيطة الذي أنتجها جو الأرض الأولي تؤكد على أن الله خلق مخلوقاته وفق أسس علمية واضحة، يمكن للبشر كشفها ولكنهم يقفون عاجزين عن تقليدها لما فيها من تعقيد. وأما عملية تصنيع أول شريط حامض نووي وكتابة المعلومات عليه بطريقة رقمية بحيث تمكن هذا الشريط من تصنيع المكونات المعقدة التي تلزم لتصنيع أول كائن حي ظهر الأرض والذي كان على شكل خلية حية بدائية فإنها تنفي نفيا قاطعا أن يكون هذا الأمر قد تم بالصدفة. ولولا هذه الحكمة الربانية في خلق الحياة بهذه الطريقة لكان الأولى أن يخلق الله الإنسان وبقية الكائنات الحية  بقوله للتراب كن فيكون وهو القادر على ذلك "إنّما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون".  ولكن حكمة الله اقتضت أن يتم خلق هذه الكائنات الحية بشكل تدريجي، وعلى فترة طويلة من الزمن ووفق القوانين التي تحكم عمل جميع الأشياء في هذا الكون والتي يمكن للبشر فهمها وحل ألغازها، وذلك لكي يستدلوا بعد اكتشافها على  مدى علم وقدرة وحكمة من أبدعها وصدق الله العظيم القائل "وقل الحمد لله سيريكم ءاياته فتعرفونها" والقائل سبحانه "سنريهم ءاياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتّى يتبيّن  لهم أنّه الحقّ".

 

 

علامات ظهور المهدي المنتظر


علامات ظهور المهدي المنتظر

الدكتور منصور أبوشريعة العبادي \ جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية

 

إن مما أيد الله به رسله وأنبيائه هو إطلاعهم على بعض الغيبيات التي إذا ما أخبروا الناس بها ووقعت بعد حين فإن ذلك دليلا على صدق دعواهم فالغيب لا يعلمه أحد إلا الله مصداقا لقوله تعالى "قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُون" النمل 65. إن معجزة الإخبار عن بعض الغيبيات هي المعجزة الرئيسية للأنبياء أما الرسل فغالبا ما يؤيدون بمعجزات أخرى يجريها الله على أيديهم أمام الناس وذلك لكي يتمكنوا من إبلاغ رسالاتهم ولذلك فقد سمي النبي نبيا لقدرته على التنبؤ بوقوع بعض الأحداث في المستقبل وذلك بإذن الله. وقد تكون بعض الأحداث المتنبأ به قصيرة الأمد وذلك لإقناع معاصري ذلك النبي بصدق دعواه وبعضها طويلة الأمد تحدث بعد مئات أو آلاف السنين لتقنع  الأجيال اللاحقة التي تقع في عصرها تلك الأحداث المتنبأ به بصدق دعوى من تنبأ بها من رسول أو نبي.

أما النبوءات طويلة الأمد فهي كثيرة جدا فقد ذكر الإِمام أحمد بن حنبل: حدثنا أبو عاصم، حدثنا عروة عن ثابت، حدثنا عليان بن أحمد البكري، حدثنا أبو زيد الأنصاري قال: "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر ثم نزل فصلى العصر ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غابت الشمس فحدثنا بما كان وما هو كائن فأعلمنا أحفظنا". وقال أبو داود في أول كتاب الفتن من سننه: حدثنا عثمان عن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة قال: "قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً" "فما تَرَكَ شيئاً يكونُ في مقَامِهِ ذلك إلى قيام الساعة إلا حدثه حَفِظَه من حفظه ونسيَه من نَسِيه قد عَلمَه أصحابي هؤلاء وإِنَّهُ ليكون الشيءُ فأذكُرة كما يذكر الرجلُ وجهَ الرجل إذا غَابَ عَنْهُ ثم إذا رَآهُ عَرَفَه". ومن النبوءات التي أخبر بها نبينا صلى الله عليه وسلم هي النبوءة المتعلقة بما يسمى المهدي والذي سيظهر في آخر الزمان ويقيم دولة الخلافة الإسلامية على مناطق كبيرة من العالم ويملأ الأرض سلاما وعدلا بعد أن ملئت جورا وظلما.  ولقد ذكرت الأحاديث النبوية كثير من الأحداث والعلامات التي ستقع قبيل ظهور المهدي وأثناء ظهوره وسيتبين للقارئ أن بعض هذه الأحداث والعلامات قد بدأت فعلا بالظهور.

حقيقة المهدي

أوردت كتب الحديث النبوي الشريف عدد كبير من الأحاديث النبوية التي تتحدث عن ظهور حاكم مسلم عادل في آخر الزمان أي قبيل قيام الساعة  أسمته المهدي والذي سيحكم جميع البلاد الإسلامية بل جميع دول العالم كما تشير إلى ذلك بعض هذه الأحاديث.  وسيقيم المهدي في الأرض العدل وينشر الإسلام في جميع الأمم ويعيش البشر  في سلام ورخاء.  وقد أجمع عدد كبير  من أئمة الإسلام على حقيقة المهدي وصحة كثير من الأحاديث الواردة في شأنه. فقد قال الإمام ابن باز  رحمه الله "أمر المهدي معلوم والأحاديث فيه مستفيضه بل متواترة متعاضدة وقد حكى غير واحد من اهل العلم تواترها وتواترها  تواتر معنوي لكثرة طرقها واختلاف مخارجها وصحابتها ورواتها وألفاظها فهي بحق تدل على أن  هذا الشخص الموعود به أمره ثابت وخروجه حق وهو محمد بن عبد الله العلوي الحسني  من ذرية الحسن بن علي رضي الله عنه وهذا الإمام من رحمة الله عز وجل بالأمة في آخر الزمان يخرج فيقيم العدل والحق ويمنع الظلم والجور وينشر الله به لواء الخير على الأمة عدلا وهداية وتوفيقا وإرشادا للناس"

 ومن هذه الأحاديث النبوية ما رواه أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال" المهدي مني؛ أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، يملك سبع سنين" سنن ابي داود والحاكم,  وكذلك الحديث الذي رواه عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " لو لم يبق من الدنيا الا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا من امتي او من اهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم ابيه اسم ابي" سنن أبي داود. وكذلك عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "المهدي من عترتي من ولد فاطمة" رواه أبو داود وابن ماجه وصححه الألباني.
وكذلك عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "
المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة" رواه أحمد وابن ماجه. وكذلك  عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يخرج في آخر أمتي المهدي، يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويُعطي المال صحاحاً، وتخرج الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعاً أو ثمانياً. يعني حججا" رواه الحاكم.

الملك الجبري

تحدث أحد الأحاديث النبوية عن أشكال مختلفة للحكم في الأمة الإسلامية ومن هذه الأشكال ما سمي بالملك الجبري فعن النعمان بن بشير  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله تعالى، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله تعالى، ثم تكون ملكا عاضا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله تعالى، ثم تكون ملكا جبريا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها الله تعالى، ثم تكون خلافة على منهاج نبوة . ثم سكت" مشكاة المصابيح. فالملك العاض هو الذي يتم فيه الحكم عن طريق التوارث بعد أن تتم البيعة لمؤسس الدولة كما في الحكم الأموي والحكم العباسي والحكم العثماني وغيرهم. أما الملك الجبري فيتم من خلال تسلم الحاكم للحكم بقوة السلاح كما في الإنقلابات العسكرية التي حدثت في العالم العربي وغيرها من الدول. إن هذا الحكم الجبري هو أحد العلامات التي تسبق ظهور المهدي والذي سيقيم خلافة على منهاج النبوة.

 

الظلم الذي سينزل بالمسلمين من حكامهم

أما الحديث النبوي الذي يتحدث عن الظلم الشديد الذي ستتعرض له الشعوب من قبل حكامهم قبل ظهور المهدي فقد رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه  قال: قال نبي الله - صلى الله عليه وسلم " ينزل بأمتي في آخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم لم يسمع بلاء أشد منه، حتى تضيق عنهم الأرض الرحبة، وحتى يملأ الأرض جورا وظلما، لا يجد المؤمن ملجأ يلتجئ إليه من الظلم، فيبعث الله - عز وجل - رجلا من عترتي، فيملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ملئت ظلما وجورا، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، لا تدخر الأرض من بذرها شيئا إلا أخرجته، ولا السماء من قطرها شيئا إلا صبه الله عليهم مدرارا ، يعيش فيها سبع سنين أو ثمان أو تسع، تتمنى الأحياء الأموات مما صنع الله - عز وجل - بأهل الأرض من خيره" الحاكم في المستدرك على الصحيحين. ومن الواضح أن فترة الحكم الجبري هي التي تتعرض فيها الشعوب لأقصى درجات الظلم والجور ولا حاجة للتذكير بما تعرضت له الشعوب العربية في العصر الحالي من مثل هذا الظلم من قبل حكام بعض الدول العربية وخاصة الجمهوريات منها.   وقد يكون في قوله صلى الله عليه وسلم (لا يجد المؤمن ملجأ يلتجئ إليه من الظلم) إشارة إلى ظاهرة رسم الحدود بين الدول وتعاون الدول فيما بينها  لاسترجاع الفارين من الظلم.

حصار العراق والشام

 لقد جاء في أحد الأحاديث النبوية الصحيحة أن كلا من العراق والشام ستتعرض لحصار  إقتصادي من قبل دول كبرى  فعن جابر بن عبدالله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يوشك أهل العراق ألا يجبى إليهم قفيز  ولا درهم  قلنا : من أين ذاك ؟ قال : من قبل العجم  يمنعون ذاك ثم قال : يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينار ولا مدي قلنا : من أين ذاك ؟ قال : من قبل الروم ثم أسكت هنية ثم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثيا . لا يعده عددا " رواه مسلم. إن حصار الدول لبعضها البعض إقتصاديا لم يظهر إلا في العصر الحديث ولهذا فإن هذا الحديث النبوي يؤكد على أنه صحيح وهو من نبوءات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وكذلك إذا ما علمنا أن هذا الحديث النبوي الشريف قد تم تدوينه والدولة الإسلامية في أوج عزتها وكانت العراق والشام في قلب هذه الدولة المترامية الأطراف فإن التنبوء بحدوث حصار إقتصادي عليهما من الغرابة بمكان. ولقد سبق أن تعرضت العراق في التسعينيات من القرن الماضي لحصار إقتصادي  من قبل الدول الكبرى وكذلك تتعرض سوريا اليوم لمثل هذا الحصار.

إحتلال اليهود لفلسطين ونهايتهم على يد المسلمين

من المعروف أنه لا وجود يذكر لليهود في فلسطين بعد طردهم منها على يد الرومان بسبب ثورتهم عليهم في عام 66م  حيث قاموا في عام 70 بعد الميلاد  بقتل عدد كبير من اليهود وهدم هيكل سليمان الثاني وسبي ما تبقى من اليهود إلى روما. وبتحول الرومان للدين المسيحي في القرن الثاني للميلاد قاموا بعملية إجلاء كامل لليهود من فلسطين ومن بيت المقدس على وجه الخصوص وحرموا دخول اليهود إليها. وعندما دخل المسلمون بيت المقدس عام 638 م بعد طرد الرومان منها عقدوا صلحا مع سكانها المسيحيين الذين اشترطوا على الخليفة عمر بن الخطاب أن لا يسكن بيت المقدس يهودي فأجابهم إلى ذلك. وعلى هذا فإن وجود أحاديث نبوية تتحدث عن قتال بين المسلمين واليهود تؤكد على عودة اليهود لبلاد المسلمين وبالتحديد إلى فلسطين وهذا ما حصل في عام 1948م وعام 1967م. ومن الأحاديث الصحيحة التي تؤكد قتال المسلمون لليهود دون تحديد المكان الحديث الذي رواه  أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون فيختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله! ورائي يهودي تعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر يهود ) رواه البخاري ومسلم.   أما الحديث الشريف الذي يحدد وجود اليهود  في فلسطين  فهو الذي رواه نهيك بن صريم السكوني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "لتقاتلن المشركين حتى يقاتل بقيتكم الدجال على نهر الأردن أنتم شرقيه وهم غربيه" قال الرواي: ولا أدري أين الأردن يومئذ؟ رواه الطبراني والبزار. ومن المعروف أن أكثر أتباع الدجال هم من اليهود ومن غير المستبعد أن ينحاز الدجال إلى دولة إسرائيل في فلسطين.

أما في القرآن الكريم فقد جاءت النبوءة حول عودة اليهود إلى فلسطين وإقامة دولة لهم فيها في قوله تعالى "وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8) " الإسراء. وتؤكد هذه الآيات من سورة الإسراء على أن اليهود سيحكمون الأرض المقدسة مرتين فقط لا غير المرة الأولى التي بدأت بدخولهم فيها مع يوشع بن نون عليه السلام وإقامتهم لدولتهم الأولى فيها ومن ثم قتلهم وسبيهم منها على يد الأشوريين والبابليين واليونانيين والرومان وقد أكد القرآن الكريم على أن المرة الأولى قد تمت في الماضي في قوله  سبحانه "وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا". أما المرة الثانية أو ما سماها القرآن بالآخرة فقد تحدثت الآيات عنها بصيغة المستقبل كما هو واضح من كلمات فإذا جاء ومن لام الاستقبال الموجودة في كلمات ليسوءوا وليدخلوا وليتبروا وكذلك من كلمة عسى التي تفيد الاستقبال. وتؤكد كلمة المسجد في هذه الآيات على أن الأرض التي سيعلو فيها اليهود في المرتين هي فلسطين حيث أن المسجد هو كناية عن بيت المقدس كما جاء في قوله تعالى "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)" الإسراء.

 وقد أشار القرآن الكريم في نهاية سورة الإسراء إلى أن العلو الثاني لليهود سيكون بعد أن يعيدهم الله إلى فلسطين من شتاتهم وذلك في قوله تعالى "وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104)" الإسراء ويمكن للقارئ أن يلاحظ تكرار جملة " فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ" في بداية السورة وفي نهايتها ليؤكد على أن الحديث هو عن العلو الثاني. أما كلمة لفيف في هذه الآية فإنها تعبر تمام التعبير عن طريقة جمع اليهود من شتى بقاع العالم ويسكنهم في فلسطين ليقيموا لهم دولة عليها رغم اختلاف ألوانهم وأشكالهم وألسنتهم فلفيف القوم هو من جاء من خارجهم وسكن معهم لقول الأعشى "وقد علمت بكر ومن لف لفها ...". وتؤكد آية أخرى في نهاية سورة الإسراء على أن بعضا من علماء اليهود عندما يطلعون على القرآن الكريم وما فيه من نبوءات تتعلق بمصيرهم ويقارنوها مع نبوءات التوراة يخرون ساجدين لله معترفين بأن هذا القرآن لا بد أنه منزل من عند الله وذلك في قوله تعالى  "قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108)" الإسراء. ويتضح أيضا من هذه الآية أن المرة الثانية لم تحدث قبل نزول القرآن لقوله تعالى "إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا" فاللام في كلمة لمفعولا تفيد حدوثها في المستقبل.

فتن في الدول العربية

                لقد حدثت فتن كثيرة في البلاد الإسلامية بدأت بمقتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه ولكن هذه الفتن كانت محصورة في مناطق محددة من بلاد المسلمين  ولم تدم إلا لسنوات معدودة. أما الفتن التي ستصيب المسلمين وخاصة العرب منهم فإن الأحاديث توحي بأنها شاملة وتدوم لفترات زمنية طويلة وأنها من أشد الفتن التي سيتعرض لها المسلمون على مر العصور وكذلك أشارت إلى أن حدوثها مرتبط بعلامات ظهور المهدي. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: " الْفِتْنَةُ الرَّابِعَةُ عَمْيَاءُ مُظْلِمَةٌ تَمُورُ مَوْرَ الْبَحْرِ، لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ إِلَّا مَلَأَتْهُ ذُلًّا وَخَوْفًا، تُطِيفُ بِالشَّامِ، وَتَغْشَى بِالْعِرَاقِ، وَتَخْبِطُ بِالْجَزِيرَةِ بِيَدِهَا وَرِجْلِهَا، تُعْرَكُ الْأُمَّةُ فِيهَا عَرْكَ الْأَدِيمِ، وَيَشْتَدُّ فِيهَا الْبَلَاءُ حَتَّى يُنْكَرَ فِيهَا الْمَعْرُوفُ، وَيُعْرَفَ فِيهَا الْمُنْكَرُ، لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ يَقُولُ: مَهْ مَهْ، وَلَا يَرْقَعُونَهَا مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّا تَفَتَّقَتْ مِنْ نَاحِيَةٍ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَلَا يَنْجُو مِنْهَا إِلَّا مِنْ دَعَا كَدُعَاءِ الْغَرَقِ فِي الْبَحْرِ، تَدُومُ اثْنَيْ عَشَرَ عَامًا، تَنْجَلِي حِينَ تَنْجَلِي وَقَدِ انْحَسَرَتِ الْفُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَيَقْتَتِلُونَ عَلَيْهَا حَتَّى يُقْتَلَ مِنْ كُلِّ تِسْعَةٍ سَبْعَةٌ " الفتن لنعيم بن حماد. وعَنِ الْحَكَمِ بْنِ نَافِعٍ أَبِي الْيَمَانِ الْحِمْصِيِّ، حَدَّثَنَا جَرَّاحٌ، عَنْ أَرْطَاةَ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ تُبَيْعٍ، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: «لَيُوشِكَنَّ الْعِرَاقُ يُعْرَكُ عَرْكَ الْأَدِيمِ، وَيَشُقُّ الشَّامُ شَقَّ الشَّعْرِ، وَتُفَتُّ مِصْرُ فَتَّ الْبَعْرَةِ، فَعِنْدَهَا يَنْزِلُ الْأَمْرُ» الفتن لنعيم بن حماد. وقد يكون المقصود بالأمر الذي ينزل بعد هذه الفتن هو ظهور المهدي عليه السلام.

وقد أكدت أحاديث كثيرة على أن فتنة الشام هي أشد هذه الفتن وستكون بداية فتن كثيرة تمتد لمعظم بلاد المسلمين  فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا الْتَقَتْ فِتْنَةٌ مِنَ الْمَغْرِبِ، وَأُخْرَى مِنَ الْمَشْرِقِ، فَالْتَقَوْا بِبَطْنِ الشَّامِ، فَبَطْنُ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مِنْ ظَهْرِهَا» وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «كُلُّ فِتْنَةٍ شَوًى حَتَّى تَكُونَ بِالشَّامِ، فَإِذَا كَانَتْ بِالشَّامِ فَهِيَ الصَّيْلَمُ، وَهِيَ الظُّلْمَةُ» وعَنْ كَعْبٍ، قَالَ: «لَا تَزَالُ الْفِتْنَةُ نَوَامٌ بِهَا مَا لَمْ تَبْدُ مِنَ الشَّامِ» وعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَعُدُّوا الْفِتَنَ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَ مِنْ قِبَلِ الشَّامِ وَهِيَ الْعَمْيَاءُ» وعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَاطِبٍ الْحِمْيَرِيِّ، قَالَ: «لَيَكُونَنَّ بِالشَّامِ فِتْنَةٌ تَرَدَّدُ فِيهَا كَمَا تَرَدَّدُ الْمَاءُ فِي السِّقَاءِ، تُكْشَفُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ نَادِمُونَ عَنْ جُوعٍ شَدِيدٍ، فَيَكُونُ رِيحُ الْخُبْزِ فِيهَا أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» وعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: " تَكُونُ بِالشَّامِ فِتْنَةٌ كُلَّمَا سَكَنَتْ مِنْ جَانِبٍ طَمَتْ مِنْ جَانِبٍ، فَلَا تَتَنَاهَى حَتَّى يُنَادِيَ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: إِنَّ أَمِيرَكُمْ فُلَانٌ " وعَنْ كَعْبٍ، قَالَ: «تَكُونُ بَعْدَ فِتْنَةِ الشَّامِيَّةِ الشَّرْقِيَّةِ هَلَاكُ الْمُلُوكِ وَذُلُّ الْعَرَبِ، حَتَّى يَخْرُجَ أَهْلُ الْمَغْرِبِ» وعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَاطِبٍ الْحِمْيَرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ، مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً سَمِعَ كَعْبًا، يَقُولُ: «إِذَا ثَارَتْ فِتْنَةُ فِلَسْطِينَ تَرَدَّدُ فِي الشَّامِ تَرَدُّدَ الْمَاءِ فِي الْقِرْبَةِ، ثُمَّ تَنْجَلِي حِينَ تَنْجَلِي وَأَنْتُمْ قَلِيلٌ نَادِمُونَ» الفتن لنعيم بن حماد. ومن المحتمل أن فتنة فلسطين هي إحتلال اليهود لها وغني عن القول أن الفتن التي ستظهر في الدول العربية ناتجة عن إحتلال اليهود لفلسطين والمسجد الأقصى كما أشار إلى ذلك الحديث الأخير.             

كنز العرب وجبل الذهب الذي سينحسر عنه الفرات

لقد بينت في مقالة " كنز العرب" المنشورة على هذه المدونة أن المقصود بكنز العرب وكذلك جبل الذهب الذي سينحسر عنه الفرات اللذان تم ذكرهما في بعض الأحاديث النبوية ما هما إلا البترول والغاز اللذين ظهرا بكميات بالغة الضخامة في أرض العرب وليس كنز  الكعبة كما هو الإعتقاد السائد.  فعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق، فيقتلونكم قتلاً لم يقتله قوم ثم ذكر شيئاً لم أحفظه فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبواً على الثلج، فإنه خليفة الله المهدي" رواه ابن ماجه والحاكم. وكذلك عَنْ أَبِي هَرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَحْسِرَ الْفُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَب. فَيُقَتَلُ النَّاسُ عَلَيْهِ. فَيُقْتَلُ، مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ، تِسْعَةٌ)) الزوائد وفي رواية أبي داود بلفظ: يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب  فمن حضره فلا يأخذ منه شيئاً.

إن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عندما خاطب العرب بقوله يقتتل عند كنزكم نسب الكنز للعرب وليس للكعبة كما جاء في بقية الأحاديث وتقتضي هذه النسبة أن يكون هذا الكنز من الكبر بحيث يكفي العرب كل العرب. ثانيا أن قيمة كنز الكعبة ليست بالمقدار الذي يكفي كل العرب والدليل على ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما فكر في استخراجه أراد أن يستخدم ثمنه في توسعة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم عليه السلام وينفق ما تبقى في سبيل الله. ثالثا لو أن الكعبة بكاملها قد ملئت ذهبا فلن يكون هذا كافيا لأن يطلق على هذا الكنز بكنز العرب حيث أن هذا الكنز لو وزع على جميع العرب على قلة عددهم في ذلك العصر لما كان نصيب الواحد منهم عدة دراهم . رابعا لقد مر ما يزيد على ألف وأربعمائة عام على معرفة الناس أن تحت الكعبة كنزا ولكن لم يحاول أحد أن يستخرج كنزها رغم أنه مر على الأمة الإسلامية فترات من الفوضى وصل الأمر فيها إلى سرقة الحجر الأسود على يد القرامطة. خامسا فلقد ذكر الحديث أن الذين يقتتلون عند الكنز كلهم ابن خليفة أي أنهم حكام أو ملوك دول ولا اعتقد بأن هؤلاء الحكام سيتقاتلون على مثل كنز الكعبة فأقل الملوك ملكا في أيامنا هذه أو في العصور التي خلت عنده من المال ما يزيد أضعافا مضاعفة عن كنز الكعبة. سادسا لقد حدد الحديث زمن الاقتتال على كنز العرب وهو الزمن الذي سيظهر فيه المهدي عليه السلام وقد ذكرت أحاديث كثيرة أن المهدي سيظهر في آخر الزمان وأن ظهوره من علامات الساعة الصغرى مما يعني أن هذا الكنز سيتم كشفه في زمان ظهور المهدي. 

ومما يؤكد صحة حديث انحسار الفرات  عن جبل من ذهب هو أن معظم المخزون العربي وحتى الإيراني من البترول يقع في المنطقة المحيطة بالفرات ابتداء من شمال العراق وشرق سوريا ومرورا بمصبه في الخليج العربي ومن ثم المنطقة المحيطة بالخليج العربي بأكمله كما واضح في الصورة في مقالة كنز العرب. ولا يستكثر القارئ أن ينص الحديث على أنه سيقتل من كل عشرة تسعة أو من كل مائة تسعة وتسعين في نص آخر في الحروب التي ستقع في منطقة كنز العرب ففي الحروب الثلاثة الماضية فقط قتل من العراقيين والإيرانيين عدة ملايين من الجنود والمدنيين وذلك بسبب استخدام هذه الأسلحة الفتاكة وسيكون عدد القتلى أكثر من هذا بكثير في الحروب القادمة خاصة إذا ما كان الصراع بين دول عظمى. لقد بلغ مجموع معدل الإنتاج اليومي للدول العربية من البترول في عام 2007م  خمسة وعشرين مليون برميل يوميا من أصل خمسة وسبعين مليون برميل للإنتاج العالمي ولو أننا قدرنا ثمن برميل البترول بمائة دولار في عام 2007م لكان مجموع ما يدخل على الدول العربية من ثمنه في اليوم الواحد ملياري ونصف المليار دولار أو  ما يعادل سبعين طنا من الذهب يوميا. وإذا  ما ضربنا هذا الرقم في 365 يوما ومن ثم في 150 عاما وهو  العمر المتوقع للبترول فإن الناتج يبلغ أربعة ملايين طن من الذهب علما بأن مجموع ما تم إستخراجه من الذهب من الأرض على مدى التاريخ البشري لا يتجاوز مائتي ألف طن.

الرايات السود

                تعتبر الرايات السود ومن يحملها من أهم العلامات التي ستظهر قبيل ظهور المهدي وسيقوم حملة هذه الرايات بنصرة المهدي وتمكينه من حكم البلاد الإسلامية. وويوجد أحاديث كثيرة تتحدث عن هذه الرايات بعضها صحيحة ومعظمها أحاديث موقوفة على بعض الصحابة أو التابعين. وتؤكد هذه الأحاديث على ظهور رايات سود مختلفة كان أولها تلك التي مهدت للدولة العباسية وآخرها تلك التي ستمهد للمهدي  وبينهما ستظهر رايات سود بعضها رايات هدى وبعضها رايات ضلال وكفر.  ومن الأحاديث الصحيحة الحديث الذي رواه سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَخْرُجُ مِنَ الْمَشْرِقِ رَايَاتٌ سُودٌ لِبَنِي الْعَبَّاسِ، ثُمَّ يَمْكُثُونَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ تَخْرُجُ رَايَاتٌ سُودٌ صِغَارٌ تُقَاتِلُ رَجُلًا مِنْ وَلَدِ أَبِي سُفْيَانَ وَأَصْحَابِهِ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، يُؤَدُّونَ الطَّاعَةَ لِلْمَهْدِيِّ» الفتن لنعيم بن حماد. وكذلك الحديث الذي رواه  عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:  أتينا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فخرج إلينا مستبشرا يعرف السرور في وجهه، فما سألناه عن شيء إلا أخبرنا به، ولا سكتنا إلا ابتدأنا، حتى مرت فتية من بني هاشم فيهم الحسن والحسين، فلما رآهم التزمهم وانهملت عيناه، فقلنا : يا رسول الله ما نزال نرى في وجهك شيئا نكرهه، فقال : " إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإنه سيلقى أهل بيتي من بعدي تطريدا وتشريدا في البلاد، حتى ترتفع رايات سود من المشرق، فيسألون الحق فلا يعطونه، ثم يسألونه فلا يعطونه، ثم يسألونه فلا يعطونه، فيقاتلون فينصرون، فمن أدركه منكم أو من أعقابكم فليأت إمام أهل بيتي ولو حبوا على الثلج، فإنها رايات هدى يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، فيملك الأرض فيملأها قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما" الحاكم في المستدرك على الصحيحين. وكذلك حديث ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق، فيقتلونكم قتلاً لم يقتله قوم ثم ذكر شيئاً لم أحفظه فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبواً على الثلج، فإنه خليفة الله المهدي" رواه ابن ماجه والحاكم.

وقد حددت بعض الأحاديث الموقوفة المكان الذي ستنطلق منه هذه الرايات وأوصاف حاملي هذه الرايات وهي تنطبق أكثر ما تنطبق على أهل أفغانستان وباكستان وما جاورها من الدول. ومن هذه الأحاديث حديث ثَوْبَانَ حيث قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّايَاتِ السُّودَ خَرَجَتْ مِنْ قِبَلِ خُرَاسَانَ فَائْتُوهَا وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الثَّلْجِ، فَإِنَّ فِيهَا خَلِيفَةَ اللَّهِ الْمَهْدِيَّ»  وحديث تُبَيْعٍ الذي قَالَ: «تَخْرُجُ الرَّايَاتُ السُّودُ مِنْ خُرَاسَانَ مَعَ قَوْمٍ ضُعَفَاءَ يَجْتَمِعُونَ، يُؤَيِّدُهُمُ اللَّهُ بِنَصْرِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ أَهْلُ الْمَغْرِبِ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ» وحديث أَبِي جَعْفَرٍ الذي قَالَ: «تَنْزِلُ الرَّايَاتُ السُّودُ الَّتِي تُقْبِلُ مِنْ خُرَاسَانَ الْكُوفَةَ، فَإِذَا ظَهَرَ الْمَهْدِيُّ بِمَكَّةَ بُعِثَ بِالْبَيْعَةِ إِلَى الْمَهْدِيِّ» وحديث الزُّهْرِيِّ الذي قَالَ: «تُقْبِلُ الرَّايَاتُ السُّودُ مِنَ الْمَشْرِقِ، يَقُودُهُمْ رِجَالٌ كَالْبُخْتِ الْمَجَلَّلَةِ، أَصْحَابُ شُعُورٍ، أَنْسَابُهُمُ الْقُرَى، وَأَسْمَاؤُهُمُ الْكُنَى، يَفْتَتِحُونَ مَدِينَةَ دِمَشْقَ، تُرْفَعُ عَنْهُمُ الرَّحْمَةُ ثَلَاثَ سَاعَاتٍ» وجميع هذه الأحاديث من كتاب الفتن لنعيم بن حماد.

                أما الأحاديث الموقوفة التي تتحدث عن الرايات السود التي ستظهر ما بين رايات العباسين ورايات المهدي والتي أغلبها رايات ضلالة فهي حديث عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّايَاتِ السُّودَ فَالْزَمُوا الْأَرْضَ فَلَا تُحَرِّكُوا أَيْدِيَكُمْ، وَلَا أَرْجُلَكُمْ، ثُمَّ يَظْهَرُ قَوْمٌ ضُعَفَاءُ لَا يُؤْبَهُ لَهُمْ، قُلُوبُهُمْ كَزُبَرِ الْحَدِيدِ، هُمْ أَصْحَابُ الدَّوْلَةِ، لَا يَفُونَ بِعَهْدٍ وَلَا مِيثَاقٍ، يَدْعُونَ إِلَى الْحَقِّ وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهِ، أَسْمَاؤُهُمُ الْكُنَى، وَنِسْبَتُهُمُ الْقُرَى، وَشُعُورُهُمْ مُرْخَاةٌ كَشُعُورِ النِّسَاءِ، حَتَّى يَخْتَلِفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْحَقَّ مَنْ يَشَاءُ»  وحديث حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ يَدْعُو إِلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ أَبْعَدُ النَّاسِ مِنْهُمْ، يَنْصِبُ عَلَامَاتٍ سُودًا، أَوَّلُهَا نَصْرٌ، وَآخِرُهَا كُفْرٌ، يَتْبَعُهُ خُشَارَةُ الْعَرَبِ، وَسَفِلَةُ الْمَوَالِي، وَالْعَبِيدُ الْأُبَّاقُ، وَمُرَّاقُ الْآفَاقِ، سِيمَاهُمُ السَّوَادُ، وَدِينُهُمُ الشِّرْكُ، وَأَكْثَرُهُمُ الْجُدْعُ» ، قُلْتُ: وَمَا الْجُدْعُ؟ قَالَ: «الْقُلْفُ» كتاب الفتن لنعيم بن حماد.

إختلاف عند موت خليفة وخسف بجيش أهل الشام

إن إحدى العلامات الواضحة التي سيظهر المهدي بعدها مباشرة هو  موت أحد حكام المسلمين ومن ثم يختلف الناس فيمن يخلفه وقد يؤدي هذا الإختلاف إلى حصول فوضى في تلك الدولة مما يضطرهم للبحث عن حاكم يحكمهم فيكرهون المهدي على قبول هذه المهمة.  ومن العلامات أيضا خسف يصيب جيش يرسله أحد حكام بلاد الشام لمحاربة المهدي وهذه العلامة هي التي تؤكد على أنه هو المهدي الحقيقي فيتبعه كثير من الناس من شتى الأقطار. والحديث الصحيح الذي يتحث عن هذه الأحداث هو ما روته أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من أهل المدينة هاربا إلى مكة فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه بين الركن والمقام ويبعث إليه بعث من أهل الشام فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال الشام وعصائب أهل العراق فيبايعونه بين الركن والمقام ثم ينشأ رجل من قريش أخواله كلب فيبعث إليهم بعثا فيظهرون عليهم وذلك بعث كلب والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب فيقسم المال ويعمل في الناس بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ويلقي الإسلام بجرانه إلى الأرض فيلبث سبع سنين ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون" رواه ابو داود.              

القدس عاصمة الخلافة الإسلامية

أجمعت الأحاديث النبوية الشريفة على ظهور خلافة راشدة على منهاج النبوة في آخر الزمان وسيكون أول خلفائها المهدي عليه السلام وأن عاصمة هذه الخلافة ستكون في بيت المقدس. ومن المستبعد أن تكون هذه الأحاديث موضوعة فمن المعروف أن كلا من مكة المكرمة والقدس الشريف لم تتخذا عواصم لدول إسلامية وكان الأولى أن يختار واضعي الحديث مكة المكرمة وليس القدس عاصمة لآخر خلافة إسلامية وذلك لأهميتها الدينية عند المسلمين. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَخْرُجُ مِنْ خُرَاسَانَ رَايَاتٌ سُودٌ لَا يَرُدُّهَا شَيْءٌ حَتَّى تُنْصَبَ بِإِيلِيَاءَ» يَعْنِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ" وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: " إِذَا سَمِعَ الْعَائِذُ الَّذِي بِمَكَّةَ بِالْخَسْفِ خَرَجَ مَعَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فِيهِمُ الْأَبْدَالُ، حَتَّى يَنْزِلُوا إِيلِيَاءَ، فَيَقُولُ الَّذِي بَعَثَ الْجَيْشَ حِينَ يَبْلُغُهُ الْخَبَرُ بِإِيلِيَاءَ: لَعَمْرُو اللَّهِ لَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ فِي هَذَا الرَّجُلِ عِبْرَةً، بَعَثْتُ إِلَيْهِ مَا بَعَثْتُ فَسَاخُوا فِي الْأَرْضِ، إِنَّ هَذَا لَعِبْرَةٌ وَبَصِيرَةٌ، وَيُؤَدِّي إِلَيْهِ السُّفْيَانِيُّ الطَّاعَةَ، ثُمَّ يَخْرُجُ حَتَّى يَلْقَى كَلْبًا وَهُمْ أَخْوَالُهُ، فَيُعَيِّرُونَهُ بِمَا صَنَعَ وَيَقُولُونَ: كَسَاكَ اللَّهُ قَمِيصًا فَخَلَعْتَهُ؟ فَيَقُولُ: مَا تَرَوْنَ، أَسْتَقِيلُهُ الْبَيْعَةَ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَأْتِيهِ إِلَى إِيلِيَاءَ فَيَقُولُ: أَقِلْنِي، فَيَقُولُ: إِنِّي غَيْرُ فَاعِلٍ، فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَقُولُ لَهُ: أَتُحِبُّ أَنْ أَقِيلَكَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، ثُمَّ يَقُولُ: هَذَا رَجُلٌ قَدْ خَلَعَ طَاعَتِي، فَيَأْمُرُ بِهِ عِنْدَ ذَلِكَ فَيُذْبَحُ عَلَى بَلَاطَةِ إِيلِيَاءَ، ثُمَّ يَسِيرُ إِلَى كَلْبٍ، فَالْخَائِبُ مَنْ خَابَ يَوْمَ نَهْبِ كَلْبٍ" وعَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، قَالَ: «تَخْرُجُ رَايَةٌ سَوْدَاءُ لِبَنِي الْعَبَّاسِ، ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْ خُرَاسَانَ أُخْرَى سَوْدَاءُ، قَلَانِسُهُمْ سُودٌ، وَثِيَابُهُمْ بِيضٌ، عَلَى مُقَدِّمَتِهِمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ شُعَيْبُ بْنُ صَالِحِ بْنِ شُعَيْبٍ مِنْ تَمِيمٍ، يَهْزِمُونَ أَصْحَابَ السُّفْيَانِيِّ حَتَّى يَنْزِلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، يُوَطِّئُ لِلْمَهْدِيِّ سُلْطَانَهُ، وَيَمُدُّ إِلَيْهِ ثَلَاثُمِائَةٍ مِنَ الشَّامِ، يَكُونُ بَيْنَ خُرُوجِهِ وَبَيْنَ أَنْ يُسَلَّمَ الْأَمْرُ لِلْمَهْدِيِّ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ شَهْرًا»  وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " إِذَا بَعَثَ السُّفْيَانِيُّ إِلَى الْمَهْدِيِّ جَيْشًا فَخُسِفَ بِهِمْ بِالْبَيْدَاءِ، وَبَلَغَ ذَلِكَ أَهْلَ الشَّامِ قَالُوا لِخَلِيفَتِهِمْ: قَدْ خَرَجَ الْمَهْدِيُّ فَبَايِعْهُ وَادْخُلْ فِي طَاعَتِهِ، وَإِلَّا قَتَلْنَاكَ، فَيُرْسِلُ إِلَيْهِ بِالْبَيْعَةِ وَيَسِيرُ الْمَهْدِيُّ حَتَّى يَنْزِلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَتُنْقَلُ إِلَيْهِ الْخَزَائِنُ، وَتُدْخِلُ الْعَرَبُ وَالْعَجَمُ وَأَهْلُ الْحَرْبِ وَالرُّومُ وَغَيْرُهُمْ فِي طَاعَتِهِ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، حَتَّى تُبْنَى الْمَسَاجِدُ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَمَا دُونَهَا، وَيَخْرُجُ قَبْلَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ بِأَهْلِ الْمَشْرِقِ، يَحْمِلُ السَّيْفَ عَلَى عَاتِقِهِ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، يَقْتُلُ وَيُمَثِّلُ، وَيَتَوَجَّهُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَلَا يَبْلُغُهُ حَتَّى يَمُوتَ" وعَنْ تُبَيْعٍ، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: «إِذَا رَأَيْتَ خَلِيفَةً بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَآخَرَ دُونَهُ، يَعْنِي بِدِمَشْقَ، فَلَا تَتْبَعِ الَّذِي دُونَهُ، فَإِنَّهُ أَضَلُّ مِنْ حِمَارِ أَهْلِهِ» وعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عِيسَى، قَالَ: «قَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ عَلَى يَدَيِ الْمَهْدِيِّ يَظْهَرُ تَابُوتُ السَّكِينَةِ مِنْ بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةِ، حَتَّى يُحْمَلَ فَيُوضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَإِذَا نَظَرَتْ إِلَيْهِ الْيَهُودُ أَسْلَمَتْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، ثُمَّ يَمُوتُ الْمَهْدِيُّ» وعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَوَالَةَ الْأَزْدِيُّ قال : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "يَا ابْنَ حَوَالَةَ إِذَا رَأَيْتَ الْخِلَافَةَ قَدْ نَزَلَتْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ فَقَدْ دَنَتْ الزَّلَازِلُ وَالْبَلَايَا وَالْأُمُورُ الْعِظَامُ وَالسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ إِلَى النَّاسِ مِنْ يَدَيَّ هَذِهِ مِنْ رَأْسِكَ" رواه احمد في مسنده. وعن يونس بن ميسرة بن حلبس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «هذا الأمر يعني (الخلافة) كائن بعدي بالمدينة، ثم بالشام، ثم بالجزيرة، ثم بالعراق، ثم بالمدينة، ثم ببيت المقدس، فإذا كانت ببيت المقدس فثم عقر دارها، ولن يخرجها قوم فتعود إليهم أبداً» تاريخ ابن عساكر. وعن أبي إمامة البهالي رضي الله عنه قال : " خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الدجال ، وقال فيه : " إن المدينة لتنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد ، ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص " ، قالت أم شريك : " فأين العرب يا رسول الله يومئذٍ ؟ قال : " هم يومئذٍ قليل، وجلهم ببيت المقدس، وأمامهم مهدي، رجل صالح، فبينما أمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح، إذ نزل عيسى بن مريم عليه السلام حين كبر للصبح، فرجع ذلك الإمام ينكص ليتقدم عيسى يصلي بالناس، فيضع عيسى يده بين كتفيه، فيقول : تقدم فصلها، فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم" .

خروج السفياني

يخرج قبل المهدي حاكم مستبد أسمه السفياني وستحصل حروب بينه وبين المهدي فعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «عَلَامَةُ الْمَهْدِيِّ إِذَا انْسَابَ عَلَيْكُمُ التُّرْكُ، وَمَاتَ خَلِيفَتُكُمُ الَّذِي يَجْمَعُ الْأَمْوَالَ، وَيُسْتَخْلَفُ بَعْدَهُ ضَعِيفٌ فَيُخْلَعُ بَعْدَ سَنَتَيْنِ مِنْ بَيْعَتِهِ، وَيُخْسَفُ بِغَرْبِيِّ مَسْجِدِ دِمَشْقَ، وَخُرُوجُ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ بِالشَّامِ، وَخُرُوجُ أَهْلِ الْمَغْرِبِ إِلَى مِصْرَ، وَتِلْكَ أَمَارَةُ السُّفْيَانِيِّ» وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم" يخرج رجل يقال له : السفياني في عمق دمشق ، وعامة من يتبعه من كلب ، فيقتل حتى يبقر بطون النساء ، ويقتل الصبيان، فتجمع لهم قيس فيقتلها حتى لا يمنع ذنب تلعة، ويخرج رجل من أهل بيتي في الحرة فيبلغ السفياني، فيبعث إليه جندا من جنده فيهزمهم ، فيسير إليه السفياني بمن معه حتى إذا صار ببيداء من الأرض خسف بهم ، فلا ينجو منهم إلا المخبر عنهم" أخرجه الإمام أحمد في «مسنده»، وأبو داود في «سننه»، والطبراني في «مسند الشاميين»، والحاكم في «المستدرك»،

ظهور المهدي وحكمه

ونذكر هنا مجموعة من الأحاديث النبوية التي تتحدث عن كيفية ظهور المهدي والأحداث التي تجري أثناء حكمه. فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: " إِذَا انْقَطَعَتِ التِّجَارَاتُ وَالطُّرُقُ، وَكَثُرَتِ الْفِتَنُ، خَرَجَ سَبْعَةُ رِجَالٍ عُلَمَاءُ مِنْ أُفُقٍ شَتَّى، عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ، يُبَايِعُ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، حَتَّى يَجْتَمِعُوا بِمَكَّةَ، فَيَلْتَقِي السَّبْعَةُ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَا جَاءَ بِكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا فِي طَلَبِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ تَهْدَأَ عَلَى يَدَيْهِ هَذِهِ الْفِتَنُ، وَتُفْتَحُ لَهُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ، قَدْ عَرَفْنَاهُ بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَحِلْيَتِهِ، فَيَتَّفِقُ السَّبْعَةُ عَلَى ذَلِكَ، فَيَطْلُبُونَهُ فَيُصِيبُونَهُ بِمَكَّةَ، فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ؟ فَيَقُولُ: لَا، بَلْ أَنَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، حَتَّى يَفْلِتَ مِنْهُمْ، فَيَصِفُونَهُ لِأَهْلِ الْخِبْرَةِ وَالْمَعْرِفَةِ بِهِ، فَيُقَالُ: هُوَ صَاحِبُكُمُ الَّذِي تَطْلُبُونَهُ، وَقَدْ لَحِقَ بِالْمَدِينَةِ، فَيَطْلُبُونَهُ بِالْمَدِينَةِ فَيُخَالِفُهُمْ إِلَى مَكَّةَ، فَيَطْلُبُونَهُ بِمَكَّةَ فَيُصِيبُونَهُ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، وَأُمُّكَ فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ، وَفِيكَ آيَةُ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ أَفْلَتَّ مِنَّا مَرَّةً، فَمُدَّ يَدَكَ نُبَايعْكَ؟ فَيَقُولُ: لَسْتُ بِصَاحِبِكُمْ، أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْأَنْصَارِيُّ، مُرُّوا بِنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى صَاحِبِكُمْ، حَتَّى يَفْلِتَ مِنْهُمْ، فَيَطْلُبُونَهُ بِالْمَدِينَةِ فَيُخَالِفُهُمْ إِلَى مَكَّةَ، فَيُصِيبُونَهُ بِمَكَّةَ عِنْدَ الرُّكْنِ، فَيَقُولُونَ: إِثْمُنَا عَلَيْكَ، وَدِمَاؤُنَا فِي عُنُقِكَ إِنْ لَمْ تَمُدَّ يَدَكَ نُبَايعُكَ، هَذَا عَسْكَرُ السُّفْيَانِيِّ قَدْ تَوَجَّهَ فِي طَلَبِنَا، عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنْ جَرْمٍ، فَيَجْلِسُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، فَيَمُدُّ يَدَهُ فَيُبَايَعُ لَهُ، وَيُلْقِي اللَّهُ مَحَبَّتَهُ فِي صُدُورِ النَّاسِ، فَيَسِيرُ مَعَ قَوْمٍ أُسْدٌ بِالنَّهَارِ، رُهْبَانٌ بِاللَّيْلِ "  وعَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَأْتِيهِ عُصَّابُ الْعِرَاقِ، وَأَبْدَالُ الشَّامِ، فَيُبَايعُونَهُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، فَيُلْقِي الْإِسْلَامُ بِجِرَانِهِ» وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: " ثُمَّ يَظْهَرُ الْمَهْدِيُّ بِمَكَّةَ عِنْدَ الْعِشَاءِ وَمَعَهُ رَايَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَمِيصُهُ وَسَيْفُهُ، وَعَلَامَاتٌ وَنُورٌ وَبَيَانٌ، فَإِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَقُولُ: أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ أَيُّهَا النَّاسُ، وَمَقَامَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّكُمْ، فَقَدِ اتَّخَذَ الْحُجَّةَ، وَبَعَثَ الْأَنْبِيَاءَ، وَأَنْزَلَ الْكِتَابَ، وَأَمَرَكُمْ أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تُحَافِظُوا عَلَى طَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، وَأَنْ تُحْيُوا مَا أَحْيَا الْقُرْآنُ، وَتُمِيتُوا مَا أَمَاتَ، وَتَكُونُوا أَعْوَانًا عَلَى الْهُدَى، وَوِزْرًا عَلَى التَّقْوَى، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ دَنَا فَنَاؤُهَا وَزَوَالُهَا، وَأَذِنَتْ بِالْوَدَاعِ، فَإِنِّي أَدْعُوكُمْ إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى رَسُولِهِ، وَالْعَمَلِ بِكِتَابِهِ، وَإِمَاتَةِ الْبَاطِلِ، وَإِحْيَاءِ سُنَّتِهِ، فَيَظْهَرُ فِي ثَلَاثمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، عِدَّةُ أَهْلِ بَدْرٍ، عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ قَرْعًا كَقَرْعِ الْخَرِيفِ، رُهْبَانٌ بِاللَّيْلِ، أُسْدٌ بِالنَّهَارِ، فَيَفْتَحُ اللَّهُ لِلْمَهْدِيِّ أَرْضَ الْحِجَازِ، وَيَسْتَخْرِجُ مَنْ كَانَ فِي السِّجْنِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَتَنْزِلُ الرَّايَاتُ السُّودُ الْكُوفَةَ، فَيُبْعَثُ بِالْبَيْعَةِ إِلَى الْمَهْدِيِّ، وَيَبْعَثُ الْمَهْدِيُّ جُنُودَهُ فِي الْآفَاقِ، وَيُمِيتُ الْجَوْرَ وَأَهْلَهُ، وَتَسْتَقِيمُ لَهُ الْبُلْدَانُ، وَيَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ " وعَنْ كَعْبٍ، قَالَ: «الْمَهْدِيُّ يُبْعَثُ بِقِتَالِ الرُّومِ، يُعْطَى فِقْهَ عَشَرَةٍ، يَسْتَخْرِجُ تَابُوتَ السَّكِينَةِ مِنْ غَارٍ بِأَنْطَاكِيَةَ، فِيهِ التَّوْارَةُ الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالْإِنْجِيلُ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَحْكُمُ بَيْنَ أَهْلِ التَّوْرَاةِ بِتَوْرَاتِهِمْ، وَبَيْنَ أَهْلِ الْإِنْجِيلِ بِإِنْجِيلِهِمْ» وعَنْ كَعْبٍ، قَالَ: «إِنَّمَا سُمِّيَ الْمَهْدِيَّ لِأَنَّهُ يَهْدِي إِلَى أَسْفَارٍ مِنْ أَسْفَارِ التَّوْرَاةِ، يَسْتَخْرِجُهَا مِنْ جِبَالِ الشَّامِ، يَدْعُو إِلَيْهَا الْيَهُودَ، فَيُسْلِمُ عَلَى تِلْكَ الْكُتُبِ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ أَلْفًا» وعَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّهُ يَسْتَخْرِجُ الْكُنُوزَ، وَيُقْسِمُ الْمَالَ، وَيُلْقِي الْإِسْلَامُ بِجِرَانِهِ» وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تَأْوِي إِلَيْهِ أُمَّتُهُ كَمَا تَأْوِي النَّحْلَةُ يَعْسُوبَهَا، يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا، حَتَّى يَكُونَ النَّاسُ عَلَى مِثْلِ أَمْرِهِمُ الْأَوَّلِ، لَا يُوقِظُ نَائِمًا وَلَا يُهْرِيقُ دَمًا» وعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عِيسَى، قَالَ: «قَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ عَلَى يَدَيِ الْمَهْدِيِّ يَظْهَرُ تَابُوتُ السَّكِينَةِ مِنْ بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةِ، حَتَّى يُحْمَلَ فَيُوضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَإِذَا نَظَرَتْ إِلَيْهِ الْيَهُودُ أَسْلَمَتْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، ثُمَّ يَمُوتُ الْمَهْدِيُّ» الفتن لنعيم بن حماد.