2014-04-12

وبدأ خلق الإنسان من طين


 

 

وبدأ خلق الإنسان من طين

 

الدكتور منصور أبوشريعة العبادي\جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية

 

لقد أشار القرآن  الكريم إلى أن جميع الكائنات الحية وعلى رأسها الإنسان قد خلقت من التراب وذلك مصداقا لقوله تعالى "ومن ءاياته أن خلقكم من تراب ثمّ إذا أنتم بشر تنتشرون" الروم 20 وقوله تعالى "أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا" الكهف 37. وأشار القرآن الكريم كذلك إلى أن الأرض هي المكان الذي تمت فيه عملية خلق جميع هذه الكائنات الحية أي أنها لم تهبط إليها من مكان آخر في هذا الكون وذلك مصداقا لقوله تعالى "والله أنبتكم من الأرض نباتا ثمّ يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا" نوح 17-18، وقوله تعالى "منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى" طه 55 وقوله تعالى "هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم" النجم 32. ثم أشار القرآن الكريم إلى أن الإنسان وكذلك بقية الكائنات الحية لم يتم خلقها من خلال قول الله للتراب كن كائنا حيا فكان، وهو القادر على ذلك سبحانه، بل خلقها من خلال عملية تصنيع معقدة امتدت على مدى فترة زمنية محددة لا يعلم طولها على وجه التحدبد إلا الله مصداقا لقوله تعالى "ما لكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا" نوح13-14. وعلى الرغم من أن القرآن لم يحدد طول المدة الزمنية التي استغرقها تحول التراب إلى أول كائن حي إلا أننا قد نستخلص من دلالات بعض الأيات القرآنية بأنها لا بد وأن تكون طويلة مصداقا لقوله تعالى "هو الذي خلقكم من طين ثمّ  قضى أجلا وأجل مسمّى عنده ثمّ أنتم تمترون" الأنعام 2 وقوله تعالى "هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا" الإنسان 1. فلو لم يكن هذا الأجل أو الحين طويلا لما استدعى الأمر أن يذكره الله في محكم تنزيله. ثم أشار القرآن الكريم  إلى بعض المراحل التي مرت بها عملية تحول التراب إلى أول شكل من أشكال الحياة التي ظهرت على الأرض وكان أول هذه المراحل  مرحلة الطين وذلك في قوله تعالى "الذي أحسن كلّ شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين" السجدة 7 ثم مرحلة الحمأ المسنون في قوله تعالى "ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون" الحجر 26 ثم مرحلة الصلصال في قوله تعالى "خلق الإنسان من صلصال كالفخار" الرحمن 14 ثم أخيرا مرحلة سلالة الطين في قوله تعالى "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين" المؤمنون 12. وقد أشار القرآن الكريم كذلك إلى أن جميع أنواع الكائنات الحية قد تم خلقها مما أنبتته الأرض من أشكال الحياة البدائية ولم تخلق مباشرة من التراب أي أن بعضها قد تطور من البعض الآخر مصداقاﹰ لقوله تعالى "سبحان الذي خلق الأزواج كلّها ممّا تنبت الأرض ومن أنفسهم وممّا لا يعلمون" يس 36. وعلى الرغم من أن الأيات القرآنية السابقة قد حددت المراحل التي مرت بها عملية خلق الإنسان من الطين إلا أنه من البديهي أن هذه المراحل  هي نفس المراحل  التي مرت بها عملية خلق جميع أنواع الكائنات الحية. فمن غير المعقول أن تكون الكائنات الحية الأخرى والتي هي دون الإنسان منزلة قد خلقت من خلال قول الله لها كوني فكانت بينما خلق الله الإنسان بهذه الطريقة التي سخر منها كفار العرب حسب ما فهموها ويفهما كذلك كثير من الناس في هذا العصر وذلك في قوله تعالى "فاستفتهم أهم أشدّ خلقا أم من خلقنا إنّا خلقناهم من طين لازب بل عجبت ويسخرون" الصافات 11-12 واستكبر الشيطان كذلك من أن يسجد لآدم لكونه قد خلق من الطين مصداقا لقوله تعالى "فسجدوا إلاّ إبليس قال ءأسجد لمن خلقت طينا" الإسراء 61.

لقد حدد القرآن الكريم في الآيات السابقة المادة الخام التي خلقت منها جميع أنواع الكائنات الحية وهي تراب هذه الأرض. ولا يوجد اليوم من يشك في أن جميع الكائنات الحية التي تعيش على الأرض قد صنعت من ترابها وكيف له أن يشك وهو يرى النباتات تنبت من هذا التراب فتأكلها الحيوانات وعندما تموت هذه الكائنات تتحلل ثم تتحول إلى التراب الذي صنعت منه. إن هذا  المشهد العجيب لعملية تحول التراب الميت إلى كائنات حية أصبح مشهدا مألوفا عند غالبية الناس بحيث أنه لا يثير اهتمام إلا القليل منهم. بل إن ما يثير الاستغراب أن كثيرا من الناس لا يرى في عملية التحول هذه ما يبعث على العجب فأقصى ما يصل إليه تفكيرهم أن هذه النباتات تنتج بذورا فتنمو في تراب الأرض فتنتج نباتات جديدة وأن الحيوانات تتزاوج فتلد حيوانات جديدة تتغذى على النباتات التي نمت من التراب. ولو أن الإنسان أعمل عقله وسأل نفسه  بعض الأسئلة البسيطة لأيقن أن في دورة الحياة هذه من العجائب ما تعجز أكبر العقول عن فك أسرارها. إن المقصود بالتراب هو مجموعة العناصر الطبيعية الموجودة في هذه الأرض والتي يبلغ عددها اثنان وتسعون عنصرا وذلك بغض النظر أكانت هذا العناصر موجودة في التراب أو في الماء أو في الهواء. وقد تبين للعلماء أن هنالك ستة عناصر أساسية تدخل في بناء أجسام جميع الكائنات الحية وهي عناصر الأوكسجين والكربون والهيدروجين والنيتروجين والفوسفور والكبريت  حيث تبلغ نسبة وزن هذه العناصر في جسم الإنسان على التوالي خمس وستون بالمائة للأوكسجين وتسعة عشر بالمائة للكربون وعشرة بالمائة للهيدروجين وثلاثة بالمائة للنيتروجين وواحد بالمائة للفوسفور وأقل من نصف بالمائة للكبريت. وإلى جانب هذه العناصر الأساسية يوجد في أجسام الكائنات الحية ما يزيد عن خمسة عشر عنصرا ولكن بكميات بالغة الصغر ولكنها تلعب دورا بالغ الأهمية في العمليات الحيوية التي تجري في داخل خلاياها ومن أهم هذه العناصر الصوديوم والبوتاسيوم والكالسيوم والمغنيسيوم والحديد واليود والكلور. ومن عجائب التقدير أن جميع العناصر التي تحتاجها الكائنات الحية موزعة في كل مكان من سطح هذه الأرض فتراب الأرض وماء البحر وكذلك هواء الجو توفر جميع العناصر اللازمة لكائنات البر والبحر وصدق الله العظيم القائل "وما من دآبّة في الأرض إلاّ على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كلّ في كتاب مبين" هود 6.

يكاد يجمع علماء تطور الحياة اليوم على الحقائق التي أوردها القرآن الكريم بخصوص نشأة الحياة على الأرض فلا يوجد اليوم من ينكر أن الحياة على الأرض قد كان لها بداية زمنية محددة وأن الكائنات الحية قد خلقت من تراب هذه الأرض وأن عملية تحول التراب إلى أول كائن حي قد مر بمراحل تصنيع متعددة امتدت على فترة طويلة من الزمن. أما المراحل التي  مر بها التراب لكي يتحول إلى أول كائن حي ظهر على الأرض كما اكتشفها علماء التطور فقد جاءت متطابقة تماما مع المراحل التي ذكرها القرآن الكريم إلى درجة أن هؤلاء العلماء أطلقوا على هذه المراحل مسميات مشابهة لتلك التي وردت في القرآن الكريم. ومن حسن الحظ أن غالبية علماء التطور هم من أنصار نظرية التطور الذين لا يؤمنون بوجود قوة عاقلة تقف وراء عملية ظهور وتطور الحياة على الأرض بل يقولون أن الصدفة هي المسؤولة عن ذلك. فلو أن هؤلاء العلماء ممن يؤمن بأن الله هو الذي يقف وراء ظهور الحياة على الأرض وجاءت نتائجهم مطابقة لما جاء في القرآن الكريم من حقائق لكان من المحتمل أن يتهمهم الناس بالتحيز للأفكار التي يؤمنون بها حول نشأة الحياة. ولقد أكد القرآن الكريم على أن الله سيكشف معجزاته في هذا الكون على يد من لا يؤمن بوجوده من بني البشر وذلك لكي يستيقنوا أن لهذا الكون خالقا لا حدود لعلمه وقدرته كما جاء ذلك في قوله تعالى "سنريهم ءاياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتّى يتبيّن  لهم أنّه الحقّ" . وقد يقول قائل أن معظم المشتغلين في هذا المجال هم من أتباع الكتب المقدسة السابقة ومن الممكن أن تتأثر نظرياتهم بالنصوص الواردة في كتبهم المقدسة حول هذا الموضوع ولكن ما يدعو للاستغراب أن التوراة والإنجيل لم يأتيا بتاتا على ذكر المراحل التي مر بها خلق الإنسان من التراب بينما تفرد القرآن بذكر هذه المراحل.

وعلى الرغم من أن أنصار نظرية التطور وأنصار الخلق المباشر  يتفقون على أن جميع الكائنات الحية قد خلقت من تراب الأرض إلا أنهم يختلفون حول الكيفية التي تمت بها عملية تحول التراب إلى هذا الكم الهائل من أنواع الكائنات الحية. ومن أهم المسائل التي يختلف حولها الفريقان المسألة المتعلقة بمن يقف وراء عملية التحول هذه حيث يقول أنصار التطور أن العملية قد تمت بفعل الصدفة بينما يقول أنصار الخلق المباشر أنها تمت بفعل قوة عاقلة لا حدود لعلمها وقدرتها. وكذلك حول المسألة المتعلقة بالزمن الذي بدأ به هذا التحول والمدة الزمنية التي استغرقها حيث يقول أنصار التطور أنها تقاس ببلايين السنين بينما يقول أنصار الخلق أنها تعد بآلاف السنين. ويختلفون كذلك حول المسألة المتعلقة بتسلسل خلق الكائنات الحية فيقول أنصار التطور أن تراب الأرض قد تحول إلى كائن حي بدائي ثم مر هذا الكائن بعمليات تطور مختلفة  أدت إلى ظهور هذا الكم الهائل من أنواع الكائنات الحية أما أنصار الخلق فيؤمن أكثرهم بأن كل نوع من أنواع الكائنات الحية قد خلق بشكل مستقل عن الآخر. وقبل أن نبدأ بعرض ما توصل إليه علماء التطور من حقائق حول الكيفية التي تحول بها التراب إلى أول أشكال الحياة لا بد من عرض تصور أنصار الخلق المباشر حول هذه المسألة. ومن المؤسف أنه لا يوجد تصور محدد وواضح لدى هذا الفريق بل إنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث في هذا الموضوع واكتفوا بالتصور الذي وضعه بعض علماء التفسير القدامى والذي لا يستند في الغالب على أي دليل علمي أو نص شرعي صريح. إن أكثر من يلام على هذا التقصير هم علماء المسلمين وذلك لكثرة الأيات القرآنية التي تحثهم على التفكر في مخلوقات الله وتأمرهم كذلك في السير في الأرض لمعرفة الكيفية التي بدأت بها الحياة على الأرض كما جاء ذلك في قوله تعالى "قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق" العنكبوت 20. ومن الواضح أنه لا يوجد اختلاف من حيث المبدأ بين ما جاء به القرآن من حقائق حول نشأة الحياة على الأرض وما اكتشفه علماء التطور من حقائق. وينحصر الخلاف الظاهري بين علماء التطور وعلماء الدين  المسلمين في تفسيرهم الخاطيء والذي لا يقوم على أي أساس علمي  للآيات القرآنية المتعلقة بالمراحل التي مر بها خلق الإنسان وكذلك بقية الكائنات الحية.

ولتوضيح مدى سطحية التصور عند أنصار الخلق المباشر حول موضوع نشأة الحياة على الأرض نعرض تصورهم عن الكيفية التي خلق الله بها أصل البشر وهو سيدنا آدم عليه السلام من التراب. فهم يعتقدون أن الله سبحانه وتعالى قد أمر أحد ملائكته أن يجلب عينات من تراب الأرض إلى الجنة حيث تمت عملية خلق آدم عليه السلام ثم قام سبحانه بعجن التراب بالماء لينتج منه الطين اللازب ومن ثم قام سبحانه بتشكيل هذا الطين على هيئة إنسان ثم تركه ليجف ليصبح صلصالا كالفخار ثم نفخ الله في هذا الصلصال من روحه سبحانه ليتحول إلى كائن حي تملأ أركانه الحياة. ولو أنك سألت أنصار الخلق المباشر عن تسلسل مراحل خلق الإنسان التي ذكرها القرآن الكريم في عملية الخلق هذه لما استطاعوا أن يجيبوك. فمن الواضح في عملية الخلق هذه أنه لا مكان لمرحلة الحمأ المسنون وكذلك لمرحلة سلالة الطين فالصلصال يمكن تصنيعه مباشرة من الطين اللازب ولا حاجة لتحويل الطين إلى طين أسود آسن أو إلى سلالة من طين. ولن يستطيع أنصار الخلق المباشر أن يجيبوك كذلك إذا ما سألتهم عن المدة الزمنية التي استغرقتها كل مرحلة من مراحل تصنيع الإنسان من الطين وربما قال بعضهم أنها امتدت على مدى عدة أيام أي ما يكفي لجفاف الطين وتحوله إلى صلصال كالفخار. ولن يجيبوك أيضا لو سألتهم عن الحكمة التي أرادها الله من وراء خلق الإنسان بهذه الطريقة التدريجية وهو القادر على خلقه مباشرة من التراب أو حتى من العدم من خلال قوله له كن فيكون مصداقا قوله تعالى "إنّما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون" النحل 40.

أما تصور أنصار الخلق المباشر عن طريقة خلق بقية الكائنات الحية التي يبلغ عدد أنواعها المعروفة عدة ملايين فقد يكاد يكون معدوما فكل ما يعرفونه أنها خلقت من تراب الأرض كما هو الحال مع الإنسان. وقد  يعتقد بعضهم أن الله قد خلقها بنفس الطريقة التي خلق الله بها الإنسان حيث قام عز وجل بتشكيل الطين على أشكال جميع الكائنات الحية نباتاتها وحيواناتها ثم تركها لتجف لتصبح صلصالا كالفخار ثم دب الله فيها الحياة. وقد ينكر بعض أنصار الخلق المباشر أن يكون الله قد خلق بقية الكائنات الحية بنفس الطريقة التي خلق بها أبانا وسيدنا آدم عليه السلام وذلك لاعتقادهم أن الله قد خلق آدم عليه السلام بيديه وذلك في قوله تعالى "قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين" ص 75-76 ولكنهم يتناسون أن الله سبحانه قد خلق كذلك بقية الكائنات الحية بيديه الكريمتين، تعالى الله عن التشبيه والتمثيل، مصداقا لقوله تعالى "أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون" يس 71. ولو افترضنا جدلا أن عملية خلق أدم عليه السلام قد تمت في السماء وليس على الأرض وذلك لمكانته الخاصة عند الله إلا أنه من غير المنطقي أن يعتقد أحد بأن بقية الكائنات الحية قد خلقت في مكان آخر غير الأرض. وهب جدلا أن الله سبحانه وتعالى قد شكل من الطين أجسام الكائنات الكبيرة فكيف سيكون الحال مع ملايين الأنواع التي لا ترى بالعين المجردة والتي يتكون أكثرها من خلية واحدة وكذلك الحال مع ملايين الأنواع من النباتات. إن أنصار الخلق المباشر سيقعون في حيرة شديدة إذا ما سألتهم عن تاريخ ظهور وتسلسل هذه الملايين من أنواع الكائنات الحية خاصة وأن بعض الكائنات يعتمد على البعض الآخر في غذائها وكذلك في تكاثرها. وإذا كان هناك من عذر لأنصار الخلق من غير المسلمين لتبني مثل هذا التصور فإن المسلمين غير معذورين في ذلك وهم يقرءون قول الله تعالى "سبحان الذي خلق الأزواج كلّها ممّا تنبت الأرض ومن أنفسهم وممّا لا يعلمون" يس 36 والتي تشير بكل صراحة إلى أن جميع الكائنات الحية قد تم خلقها ممّا أنبتته هذه الأرض من أشكال الحياة ولم تخلق مباشرة من التراب. وفي قول الله تعالى "والله أنبتكم من الأرض نباتا ثمّ يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا" نوح 17-18 إشارة أخرى إلى أن عملية خلق الإنسان من التراب ليست على الصورة البسيطة التي يتخيلها بعض أنصار الخلق المباشر فتشبيه خلق الإنسان من التراب بعملية خروج النبات من الأرض تدل على عملية تطور معقدة وما ذكر الله في نفس الآية لطريقة خلق الناس من التراب في النشأة الأخرة إلا لتوضيح الفرق بين النشأتين ففي النشأة الأخرة سيتحول تراب القبور فجأة إلى أجسام من لحم ودم  بمجرد النفخ في الصور مصداقاﹰ لقوله تعالى "ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون" يس 51.

إن التصور الخاطيء الذي رسمه أنصار الخلق المباشر لطريقة خلقهم من التراب قد يثير السخرية عند جهلة الناس كما حدث مع كفار العرب عند سماعهم لقوله تعالى "فاستفتهم أهم أشدّ خلقا أم من خلقنا إنّا خلقناهم من طين لازب بل عجبت ويسخرون" الصافات 11-12. إن سخرية كفار العرب ليس لإنكارهم بأنهم قد خلقوا من التراب وأنهم سيعودون إليه بعد موتهم بل لاستهجانهم للطريقة التي خلقوا بها من الطين حسب ما تصورته عقولهم. فربما قال بعضهم أن الإله الذي يدعو إليه محمد صلى الله عليه وسلم قادر على خلق الأشياء من خلال قوله لها كوني فتكون فلماذا إذا خلقهم بهذه الطريقة الطويلة والتي يتبعها البشر عند تصنيع ما يصنعون من أشياء؟ وفي مقابل هذه السخرية نجد أن علماء التطور في هذا العصر تكاد رؤوسهم تتصدع وهم يحاولون إيجاد تفسيرات مقنعة للطريقة التي تحول بها التراب الميت إلى أول كائن حي بدائي بل إنهم يعجبون أشد العجب من عبقرية هذه الطريقة في الخلق كما سبق أن تعجب منها رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم. وهاهو أحد أشهر علماء الأحياء وهو فرانسيس كريك الذي نال في عام 1962م جائزة نوبل في الفسيولوجيا مشاركة مع عالمين آخرين تقديرا لاكتشافهم تركيب شريط الحامض النووي بقول في كتابه( طبيعة الحياة): إن الرجل الأمين المسلح بكل المعرفة المتاحة لنا الآن لا يستطيع أن يقول أكثر من أن نشأة الحياة تبدو شيئا أقرب ما يكون إلى المعجزة. ولقد بدأ البشر اليوم إدراك الحكمة التي أرادها الله من وراء خلق الكائنات بهذه الطريقة التدريجية التي تمت وفق آليات علمية محددة يقف العلماء عاجزين عن تصنيع أبسط أشكال الحياة من التراب مباشرة رغم معرفتهم لبعض هذه الآليات. ولو أن عملية خلق الإنسان وبقية الكائنات الحية قد تمت بهذه الطريقة البسيطة التي يتخيلها أنصار الخلق المباشر لما استدعى الأمر أن يكثر الله من ذكر هذه المراحل في القرآن الكريم  حيث لا يوجد في عجن الطين وتشكيله على هيئة إنسان وتركه ليجف ليصبح صلصالا كالفخار تلك الحكمة التي أرادها الله من وراء ذكرها. إن في الطريقة التي اختارها الله لخلق الإنسان وبقية الكائنات الحية من الأسرار والألغاز ما يظهر مدى علم الله وقدرته وحكمته وما تكرار ذكر هذه المراحل في القرآن إلا للفت نظر البشر إليها ليكشفوا هذه الأسرار. وبما أن البشر لم يشهدوا خلق أنفسهم من التراب فقد أراد الله سبحانه وتعالى أن يريهم مدى علمه وحكمته فخلقهم بطريقة تدريجية تبعا لقوانين معلومة يمكنهم إذا ما استخدموا عقولهم أن يكتشفوا أسرار مراحل خلقهم. ولو لم يكن هنالك طريقة بالغة الذكاء استخدمها الله في خلق الإنسان وكذلك بقية الكائنات لما أشار الله لمدى الإتقان الموجود في عملية الخلق هذه فقال عز من قائل "الذي أحسن كلّ شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين". فهل في عجن التراب بالماء وتشكيل الطين على هيئة إنسان أو أي كائن آخر ما يثير العجب أو يظهر الإتقان في عملية تصنيع هذه الكائنات الحية؟ أم أن منتهى الإتقان يتجلى في تحويل العناصر الأرضية إلى مواد عضوية بسيطة ومن ثم إلى مواد عضوية معقدة تبنى منها مكونات الخلية المختلفة ثم يبنى من هذه المكونات أول كائن حي بدائي مكون من خلية حية وحيدة؟ وممّا يدل على مدى هذا الإتقان وما فيه من إعجاز أن علماء التطورعلى الرغم من الجهود الجبارة التي بذلوها ولا زالوا يبذلونها في كشف أسرار تلك المرحلة من الخلق لم يتمكنوا من كشف إلا أقل القليل من الحقائق حول الكيفية التي تم بها تحول تراب الأرض إلى أول كائن حي بدائي. ومما يدعوا للإستغراب أن كثيرا من أنصار الخلق المباشر لا يرفضون النظريات التي وضعها علماء الفيزياء لتطور الكون وعلماء الجيولوجيا لتطور الأرض رغم أن  هؤلاء العلماء يعزون هذا التطور للصدفة ولكنهم في المقابل لا يقبلون النظريات التي وضعها علماء الأحياء لتطور الحياة على الرغم من أن خلق السماوات والأرض أعقد من خلق الكائنات الحية مصداقا لقوله تعالى "لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون" غافر 57.  

لقد قسم علماء التطور رحلة الحياة على الأرض إلى مرحلتين رئيسيتين فالمرحلة الأولى والتي أطلقوا عليها اسم مرحلة التطور الكيميائي للحياة تتعلق بتحول تراب الأرض إلى أول كائن حي بدائي قادر على تزويد نفسه بالغذاء اللازم من المحيط الذي يعيش فيه وقادر كذلك على إنتاج نسخة جديدة عن نفسه وذلك لكي تستمر دورة حياته.  أما المرحلة الثانية فتتعلق بتطور هذا الكائن الحي البدائي إلى هذا العدد الهائل من أنواع الكائنات الحية التي نشاهدها اليوم على الأرض. وتعتبر المرحلة الأولى أكثر المرحلتين غموضا بالنسبة لعلماء التطور حيث أن عملية تحول التراب إلى أول أشكال الحياة قد حدثت لمرة واحدة وتمت في عصور سحيقة في القدم تقاس ببلايين السنين ولم تترك أثار كافية لرسم صورة واضحة  للكيفية التي تم بها هذا التحول وصدق الله العظيم القائل "ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا" الكهف 51. أما المرحلة الثانية من تطور الحياة فقد تركت بعض الآثار التي ساعدت العلماء على رسم صورة  أكثر وضوحا عن مجريات أحداثها. ونظرا لأهمية هاتين المرحلتين من مراحل تطور الحياة على الأرض نجد أن القرآن الكريم قد أكثر من تذكير الإنسان بمرحلتي خلقه وهما مرحلة خلقه من التراب ومرحلة تحويل النطفة ذات الخلية الواحدة إلى إنسان كامل فقال عز من قائل "والله خلقكم من تراب ثمّ من نطفة ثمّ جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا تضع إلاّ بعلمه وما يعمّر من معمّر ولا ينقص من عمره إلاّ في كتاب إنّ ذلك على الله يسير" فاطر 11، والقائل سبحانه "أكفرت بالذي خلقك من تراب ثمّ من نطفة ثمّ سواك رجلا" الكهف 37. وعندما نقرأ قول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم "ومن ءاياته أن خلقكم من تراب ثمّ إذا أنتم بشر تنتشرون" فمن غير المنطقي أن يتبادر لأذهاننا أن كل فرد من البشر يتم خلقه مباشرة من التراب ولا يعني كذلك أن التراب قد تحول فجأة إلى أصل البشر وهو سيدنا آدم عليه السلام. فهنالك آيات كثيرة تبين أن عملية خلق الإنسان قد مرت بمراحل عديدة وهي لا بد أن تكون نفس المراحل التي مر بها خلق جميع الكائنات الحية التي يصل عدد أنواعها إلى عدة ملايين. وسنشرح في هذه المقالة أول مرحلة من المراحل التي مر بها تراب الأرض لكي يتحول إلى أول كائن حي بدائي ظهر على سطح هذه الأرض وهي مرحلة الطين أما بقية المراحل فسنشرحها في مقالات لاحقة.

ولكي يتمكن العلماء من حل لغز ظهور الحياة على الأرض كان عليهم القيام أولا بتعريف معنى الحياة وذلك من خلال تحديد شروط الحياة المختلفة من خلال البحث عنها في مختلف أنواع الكائنات الحية. وكان أول انتصار حققه علماء الأحياء في هذا المجال هو اكتشافهم  أن سر الحياة يكمن في الخلية الحية وذلك بعد أن تبين لهم  أن كل فرد من أفراد الكائنات الحية يبدأ دورة حياته من خلية واحدة فقط تبدأ بالانقسام المتكرر لتنتج الكائن الحي المطلوب. ولقد تبين للعلماء أن سر الحياة الأعظم يكمن في قدرة الخلية على إنتاج نسخة عن نفسها من تلقاء نفسها دون تدخل أيّ قوة خارجية هذا إذا ما توفرت لها الظروف المناسبة. أما السر الثاني من أسرار الحياة فهو قدرة بعض الخلايا على  تأمين كل ما يلزمها من غذاء وطاقة من خلال تحويل المواد غير العضوية الموجودة في تراب الأرض إلى مختلف أنواع المواد العضوية التي تحتاجها أجسام الكائنات الحية. وإذا كانت الخلية الحية هي اللبنة التي تبنى منها أجسام جميع الكائنات الحية وأن عملية تصنيع  الكائنات تبدأ من خلية واحدة فمن السهل أن يستنتج العاقل أن الخلية الحية في أبسط أشكالها هي أول ما تم تصنيعه مباشرة من التراب. وبناءً على هذه الحقيقة اليالغة الأهمية يعتقد علماء التطور بأن أول كائن حي ظهر على الأرض كان يتكون من خلية حية واحدة فقط وقد تم تصنيعه من تراب الأرض الميت بشكل مباشر ولكن بطريقة بالغة التعقيد. وعندما يقول علماء التطور أن الكائن الحي البدائي قد صنع من التراب بشكل مباشر فهذا لا يعني أن التراب قد تحول فجأة إلى خلية حية بل إن عملية التحول هذه استغرقت زمنا بالغ الطول ومرت بمراحل فيها من التعقيد ما زال العلماء يجهلون كثير من أسرارها. وهذا بالضبط ما أكد عليه القرآن الكريم حيث أشار إلى أن خلق الإنسان من التراب لم يتم بشكل مباشر بل مر بمراحل مختلفة ابتدأت بمرحلة الطين اللازب ثم مرحلة الحمأ المسنون ثم مرحلة الصلصال وأخيرا مرحلة سلالة الطين.  

وبعد أن توصل علماء التطور إلى هذه الحقائق المهمة انصب جهدهم على دراسة تركيب الخلية الحية في مختلف أنواع الكائنات الحية لعلهم يعثرون على المكونات المسؤولة عن أسرار الحياة. وقد أصيب العلماء بالدهشة عندما اكتشفوا أنه على الرغم من صغر حجم الخلايا الحية والتي لا يرى معظم أنواعها بالعين المجردة إلا أن فيها من تعقيد التركيب ما عجزت عقول كبار العلماء عن  فهم أسرارها. وسنقدم فيما يلي شرحا مبسطا عن تركيب الخلية وأهم مكوناتها وطبيعة المواد التي بنيت منها  لعل ذلك يساعد القاريء على فهم الطريقة التي اكتشفها العلماء  لعملية تحول التراب لأول خلية حية بدائية. يتراوح قطر معظم أنواع الخلايا الموجودة في الكائنات الحية بين ميكرومتر واحد ومائة ميكرومتر (الميكرومتر جزء من مليون جزء من المتر) وتحاط هذه الخلايا بغشاء لا يتجاوز سمكه عشر ميكرومتر ويوجد في هذا الغشاء عدد كبير من المسامات التي تسمح بمرور مواد محددة من خارج الخلية إلى داخلها كالمواد العضوية البسيطة والماء والأوكسجين ومن داخل الخلية إلى خارجها كالفضلات الناتجة عن التفاعلات الكيميائية كثاني أكسيد الكربون. ويوجد في داخل الخلية عدد كبير من المكونات التي استغرق اكتشافها ومعرفة تفاصيل تركيبها ووظائفها عشرات السنوات وذلك بعد أن تمكن علماء الأحياء من استخدام تقنيات متقدمة كالميكروسكوبات الضوئية والإلكترونية التي تكبر الأشياء بمئات الآلاف من المرات. وعلى الرغم من صغر حجم هذه المكونات التي لا يرى معظمها بأقوى الميكروسكوبات الضوئية فإن فيها من تعقيد التركيب ما أذهل العلماء حيث تقوم هذه المكونات بعمليات كيميائية بالغة التعقيد لا زال العلماء يجهلون كثيرا من أسرارها.

وتعتبر النواة أهم مكونات الخلية الحية وهي محاطة أيضا بغشاء مسامي يسمح بمرور مواد محددة من داخل النواة إلى بقية أجزاء الخلية وبالعكس. ويوجد في هذه النواة عدد من المكونات أهمها الكروموسومات التي تحمل أشرطة الحامض النووي الحامل للشيفرات الوراثية. ويوجد في داخل الخلية خارج النواة عدد كبير من الرايبوسومات التي تقوم بتصنيع مختلف أنواع البروتينات التي تحتاجها الخلية للقيام بوظائفها المختلفة. وقد تبين للعلماء فيما بعد أن هذه المصانع لا تنتج أيّ بروتين إلا بأمر من شريط الحامض النووي الموجود في داخل النواة حيث يقوم بإرسال كامل تعليمات تصنيع البروتين إلى المصنع من خلال شريط حامض نووي يدعى الشريط المراسل. ويوجد أيضا في داخل الخلية مولدات للطاقة تقوم بتزويد الخلية بكل ما يلزمها من طاقة وهي أجسام ذات تراكيب بالغة التعقيد تتكون من عدد كبير من الأغشية المطوية تحتوي على أنواع مختلفة من الأنزيمات. وتقوم بعض مولدات الطاقة المسماة بالبلاستيدات والموجودة في خلايا النباتات والطحالب  بتحويل الطاقة الضوئية الموجودة في أشعة الشمس إلى طاقة كيميائية يتم تخزينها في الروابط الكيميائية لجزيئات سكر الجلوكوز من خلال عملية التركيب الضوئي. بينما تقوم مولدات الطاقة الموجودة في جميع خلايا الكائنات الحية والمسماة بالميتوكندريا باستخلاص الطاقة المخزنة في سكر الجلوكوز وتخزينها كوحدات صغيرة من الطاقة في جزيئات عضوية تقوم بنقل وتوزيع الطاقة على كل جزء من أجزاء الخلية وذلك لمساعدتها على إتمام العمليات الكيميائية فيها. وفي داخل الخلية توجد أجهزة لتخزين المواد الغذائية وأخرى لتخزين الأنزيمات وأخرى لتجميع الفضلات الناتجة عن العمليات الكيميائية وكذلك مصانع لمختلف أنواع الكربوهيدرات والدهون والأحماض الأمينية وغيرها من المواد العضوية. وبسبب العدد الكبير من العمليات الكيميائية التي تجري في داخل الخلية في نفس الوقت  فقد وجد العلماء أنه يوجد في داخل الخلية شبكات معقدة من الجيوب والأنابيب يتصل بعضها بمسامات الغشاء الخلوي وبعضها بغشاء الغشاء النووي وبعضها بمصانع البروتينات وبعضها بمحولات الطاقة حيث تعمل هذه الأنابيب على فصل العمليات الكيميائية عن بعضها وذلك لمنع المواد الكيميائية المختلفة من التأثير على بعضها البعض.

وقد تمكن العلماء في منتصف القرن العشرين من العثور على المكون المسؤول عن سر الحياة الأعظم وهو قدرة الخلية الحية على إنتاج نسخة عن نفسها بنفسها من خلال عملية الانقسام بدون أيّ مساعدة خارجية وهي خاصية تمتلكها جميع أنواع الخلايا الحية. وهذا المكون هو شريط الحامض النووي الموجود في نواة الخلية حيث  يقوم بإعطاء أمر الانقسام للخلية من خلال تنفيذ برنامج معقد يحدد الخطوات التي تلزم لإجراء عملية الانقسام بكامل تفاصيلها. وبما أن أحد أهم الخطوات التي تتطلبها عملية انقسام الخلية هي الخطوة التي تتطلب إنتاج نسخة طبق الأصل عن شريط الحامض النووي  فإن هذا يعني أن الشريط  سيعطي الأمر لنفسه لإنتاج نسخة عن نفسه وفي هذا يكمن سر الحياة الأعظم الذي حول تراب الأرض الميت إلى أول شكل من أشكال الحياة. ولولا هذه الخاصية الفريدة لشريط الحامض النووي لما أمكن للحياة أن تدوم على سطح هذه الأرض منذ آلاف الملايين من السنين وإلى أن يشاء الله فالمعلومات الوراثية التي تلزم لتصنيع أيّ كائن حي يتم توارثها من خلال إنتاج نسخة طبق الأصل عن شريط الحامض النووي  في كل خلية قبل انقسامها إلى خليتين ووضع نسخة من هذا الشريط في كل من هاتين الخليتين.

لقد ساعدت هذه الحقائق البالغة الأهمية التي اكتشفها علماء الأحياء عن طبيعة الحياة وتفصيلات تركيب الخلايا الحية علماء التطورعلى وضع الخطوط العريضة للكيفية التي نشأت بها الحياة لأول مرة على سطح الأرض. فقد تبين لهم أن أولى الخطوات اللازمة لتصنيع أول كائن حي هو تصنيع مختلف أنواع المواد العضوية الأساسية  التي تلزم لتصنيع المواد العضوية الأكثر تعقيدا ومن ثمّ بناء مكونات الخلية الحية الأساسية. وبما أن شريط الحامض النووي هو المسؤول عن تنظيم مختلف العمليات الحيوية في الخلية الحية وهو المكون الوحيد الذي يملك القدرة على إنتاج نسخة عن نفسه بنفسه فلا بد أن يكون هو أول ما ظهر على الأرض من مكونات الخلية. وقد وجد العلماء أن جميع مكونات الخلية قد تم تصنيعها من أنواع مختلفة من المواد العضوية المعقدة وقد تمكنوا بعد طول بحث وعناء من معرفة كامل تركيب هذه المواد العضوية. وقد تأكد للعلماء أن جزيئات المواد العضوية التي تبنى منها خلايا وبالتالي أجسام الكائنات الحية لا يمكن أن تتوفر في الطبيعة كما تتوفر المواد غير العضوية بسبب ضعف الروابط الكيميائية بين ذراتها حيث أنها تتحلل عند تعرضها لدرجات الحرارة العادية. وقد قادت هذه الحقيقة علماء التطور إلى حقيقة مهمة وهي أنه لا يمكن تصنيع الكائن الحي البدائي  المكون من خلية واحدة قبل أن يتم تصنيع المواد العضوية التي تبنى منها مكوناته وذلك من التراب مباشرة. ولهذا فقد انصب جهد علماء التطور على محاولة حل اللغز الأول من ألغاز الحياة وهو الكيفية التي تحولت بها العناصر والمركبات الموجودة في الطبيعة إلى هذه المواد العضوية.

ولا يوجد خلاف بين العلماء على أن أول مراحل خلق الحياة على الأرض هي مرحلة الطين وقد جاء هذا الإجماع متفقا مع قوله تعالى "وبدأ خلق الإنسان من طين". وتحمل كلمة بدأ في هذه الآية دلالة مهمة وهي أن عملية خلق الإنسان وبالتالي بقية الكائنات الحية لم تتم في لحظة واحدة من خلال قول الله تعالى للطين كن إنسانا فكان بل تؤكد على أن عملية الخلق قد تمت على فترة محددة من الزمن لا يعلم طولها إلا الله. وممّا يؤكد على هذه الحقيقة أنها صدرت عن من يستطيع خلق الأشياء من خلال قوله لها كوني وستكون وما قول الله سبحانه وتعالى أنه بدأ عملية خلق الإنسان من الطين إلا للتأكيد على أن عملية الخلق قد تمت وفق آليات تخضع لقوانين هذا الكون وذلك ليبين للناس مدى علمه وقدرته. لقد جاء تقرير هذه الحقيقة في سياق قوله تعالى "الذي أحسن كلّ شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثمّ جعل نسله من سلالة من مآء مهين" حيث تتحدث هذه الآية عن مرحلتين من مراحل خلق الإنسان وهي مرحلة خلقه من الطين أو ما سماه علماء التطور بمرحلة التطور الكيميائي للحياة ومرحلة خلقه من خلية حية واحدة تحتوي في داخلها على سلالة من ماء ضعيف وهو شريط الحامض النووي. وللتأكيد على أن الله قد خلق الإنسان وكذلك بقية الكائنات الحية وفق طريقة علمية محددة فقد بدأت الآية بقوله تعالى "الذي أحسن كلّ شيء خلقه" للتدليل على مدى الإتقان الذي يتطلبه تصنيع الإنسان وبقية الكائنات الحية ابتداء من الطين فكلمة أحسن في هذه الأية تعني أتقن بلغة هذا العصر. إن منتهى الإتقان في طريقة خلق الكائنات الحية هو في كتابة برنامج رقمي على شريط ضعيف من الحامض النووي لتصنيع أول كائن حي ظهر على الأرض ومن ثم يتم تعديل هذا البرنامج كلما اقتضت الحاجة لخلق كائن حي جديد بمواصفات مختلفة.     

ومن البديهي أن يكون الطين هو أول مراحل خلق الكائنات الحية فالطين هو التراب المعجون بالماء وقد ثبت للعلماء أنه بدون الماء لا يمكن لأي شكل من أشكال الحياة أن يظهر على الأرض مصداقا لقوله تعالى "وجعلنا من الماء كلّ شيء حيّ أفلا يؤمنون" الأنبياء 30 وقوله سبحانه "والله خلق كلّ دآبّة من مآء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله  ما يشاء" النور 45. ويعود السبب في كون الماء أحد أهم عناصر الحياة إلى كون التفاعلات الكيميائية التي تلزم لإنتاج المواد العضوية  المختلفة تحتاج إلى وسط يساعد على حدوث مثل هذه التفاعلات. ولا بد أن يكون هذا الوسط على شكل سائل بحيث تتحرك فيه مواد التفاعل من تلقاء نفسها فلو كانت هذه المواد في حالتها الصلبة لاحتاجت إلى من يخلطها باستمرار لكي يحدث التفاعل المطلوب أما في حالة وجودها مذابة في السائل فإن هذه المواد ستتحرك من تلقاء نفسها بسبب خاصية الانتشار ممّا يسرع من عملية التقاء جزيئات المواد المتفاعلة ومن ثم تفاعلها. وقد وجد العلماء أن الماء هو أفضل المذيبات على الإطلاق وهذه الخاصية بالغة الأهمية للحياة حيث أن الكائنات الحية تحتاج لآلاف الأنواع من الجزيئات التي يجب أن تتفاعل فيما بينها داخل هذا الماء. واكتشفوا كذلك أن له القدرة على تأين الجزيئات المختلفة ممّا يساعد على زيادة سرعة هذه التفاعلات وإلى غير ذلك من الخصائص التي شرحناها في مقالة سابقة. ولولا وجود الماء بهذه الكميات الكبيرة على سطح الأرض وكذلك وجوده على شكل سائل عند درجات حرارة سطح الأرض لما أمكن للحياة على أن تظهر على سطح هذه الأرض. ولهذا السبب نجد أن القرآن قد أشار إلى أن عملية تصنيع الكائنات الحية قد بدأت من الطين وليس من التراب ففي هذا الطين تتوفر جميع المواد اللازمة لظهور الحياة وهي الماء وبقية العناصر والمركبات المتوفرة في قشرة الأرض. لقد كان الطين الذي ذكره القرآن خاليا من أيّ نوع من أنواع المواد العضوية حيث أن هذه المواد ستتكون فيما بعد في داخل هذا الطين. وقد أشارت آية أخرى إلى أحد خصائص هذا الطين في قوله تعالى "إنّا خلقناهم من طين لازب" والطين اللازب هو الطين الذي يلتصق بالأشياء التي تلامسه وما نعت الله لهذا الطين بأنه طين لازب إلا للتأكيد على أن لهذا الطين مواصفات معينة ترك للبشر مهمة كشف أسرارها. وسنشرح في مقالات لاحقة بقية المراحل التي مر بها هذا الطين لكي يتحول إلى أول شكل من أشكال الحياة وهي مراحل الحمأ المسنون والصلصال الذي كالفخار وسلالة الطين.

 

المراجع

1-   بداية الخلق في القرآن الكريم، د. منصور العبادي، دار الفلاح للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، طبعة 2006م..

2-     طبيعة الحياة،  تأليف فرانسيس كريك، ترجمة أحمد مستجير، عالم المعرفة، أيار 1988م، الكويت.

للتواصل مع الكاتب:


 

لم

 

2014-03-29

وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم


وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم

الدكتور منصور أبوشريعة العبادي \ جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية



 


 
 
 


تمكن علماء الجيولوجيا أخيرا من كشف سر كبير كان يحيرهم وهو عدم تآكل جذور مناطق محددة في كل صفيحة من الصفائح القارية أطلقوا عليها إسم مشتق من اللاتينية والذي معناه الثبات والمتانة (cratons) وذلك رغم تكونها مع بداية تكون القشرة الأرضية قبل أربعة بلايين سنة. وقد أطلق القرآن الكريم على هذه المناطق قبل أربعة عشر قرنا إسم أكثر دقة وهو الرواسي والذي يوحي معناها بالدور الذي تقوم به هذا الرواسي في تثبيت القشرة الأرضية القارية. فالصفائح المحيطية التي لا تحتوي على مثل هذه الرواسي تتجدد كل مائة مليون سنة تقريبا حيث تتآكل أطرافها عندما تغوص في طبقة الوشاح السائلة والحارة التي تقع تحتها. أما الصفائح القارية فقد حافظت على بنيتها إلى حد ما بسبب وجود هذه الرواسي التي تتميز بقلة كثافتها وصلابة صخورها وبعض الخصائص الكيميائية لصخورها التي تحول دون تآكل جذورها. وقد تبين للعلماء أيضا أن هذه الرواسي لها جذور عميقة جدا تمتد لما يزيد عن ثلاثمائة كيلومتر في طبقة الوشاح السائلة وتعمل هذه الجذور كعوارض أو كوابح (keels) تحد من حركة الصفائح القارية التي تطفو على طبقة الوشاح السائلة. وقد أشار أحد الباحثين كما سنبين ذلك لاحقا إلى أن هذه الرواسي قد تكون سقطت من السماء على شكل نيازك ضخمة واستقرت في القشرة الأرضية. لقد أشار القرآن الكريم إلى وجود مثل هذه الرواسي والدور الذي تلعبه في حفظ إستقرار القشرة الأرضية وخاصة القارية وأنها ألقيت من السماء كما جاء في قوله تعالى (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) النحل). وكذلك أشار لوجود جذور لهذه الرواسي والتي تعمل كأوتاد مغروسة في طبقة الوشاح فتحول دون إنزلاق القشرة الأرضية القارية فوق طبقة الوشاح كما جاء في قوله تعالى (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) النبأ). إن مثل هذه المعلومات عن جولوجية الأرض لا يمكن أن تصدر عن بشر عاش قبل أربعة عشر قرنا في أمة أمية ولا يوجد مبرر يدفعه للحديث عن أمور لا علم له بها بل صدرت عن عليم خبير أحاط علمه بكل شيء وصدق الله العظيم القائل (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12) الطلاق).   إن مدلولات الآيات القرآنية المتعلقة بالمسائل العلمية لا يمكن فهمها إلا بعد فهم هذه المسائل بناءا على ما أكتشفه العلماء من حقائق حولها ولذا لا بد من شرح مبسط لتركيب الأرض وما يجري في داخلها من ظواهر.  

تكونت الأرض قبل 4500 مليون سنة مع بقية أجرام المجموعة الشمسية من كتلة ضخمة من السديم (nebula) حيث بدأت الشمس بالتكون في مركز السحابة وقامت بسحب معظم هذا السديم بينما تشكلت الكواكب حول الشمس في مدارات مختلفة من السديم المتبقي.  لقد كانت الأرض عند بداية تكونها كرة ملتهبة من مادة سائلة أو شبه سائلة مكونة من جميع العناصر الطبيعة بنسب متفاوته  وذلك بسبب التصادمات العنيفة بينها وبين النيازك والشهب التي تسقط عليها من الحطام المتناثر  في الفضاء. ولقد كان من الضروري أن تكون مادة الأرض عند بداية تكونها على شكل سائل أو شبه سائل وذلك لكي تأخذ الشكل الكروي الذي هي عليه الآن فالشكل الوحيد الذي تتخذه كتلة من المادة السائلة في الفضاء الكوني هو الشكل الكروي. وعند وجود هذه الكتلة السائلة في مجال جاذبية جسم ما كالشمس فإن تبعجا سيحدث في شكل هذه الكرة باتجاه قوة الجذب ويمكن إزالة مثل هذا التبعج من خلال تدوير هذه الكرة بسرعة مناسبة حول محور متعامد مع اتجاه القوة الجاذبة وهذا بالضبط ما حصل مع الأرض عند بداية تكونها.   أما الحكمة الثانية من ضرورة أن تكون الأرض البدائية على شكل كتلة سائلة فهي لتمكين العنصر  الثقيلة وخاصة الحديد والنيكل من التجمع في مركز  الأرض  وكذلك تمكين كثير من العناصر والمركبات الضرورية للحياة للطفو على سطح الأرض أو التجمع كغازات لتكون الغلاف الجوي للأرض. إن وجود قلب كبير من الحديد والنيكل في مركز الأرض ضروري لإنتاج مجال مغناطيسي قوي حول الأرض وقد تبين للعلماء أن هذا المجال المغناطيسي لم يخلق عبثا بل هو الدرع الذي يحمي سطح الأرض من وصول إشعاعات الشمس الضارة إلى سطحها والتي لا بد وأن تدمر أي شكل من أشكال الحياة عليها.  ومع تضاؤل كمية هذا الحطام وتوزعه على كواكب المجموعة الشمسية بدأت الكميات  التي تقع منه على الأرض تقل بشكل تدريجي وبدأ سطح الكرة الأرضية يبرد شيئا فشيئا نتيجة الإشعاع الحراري للفضاء الخارجي ولكن لا زال  باطنها يغلي ويفور بالمواد المنصهرة والتي كانت الأرض تقذف بها على شكل براكين رهيبة إلى خارج سطحها. ولكن سطح الأرض شبه السائل  لم يكن ليقوي على حمل الكتل  الضخمة من المواد المنبعثة من هذه البراكين حيث سرعان ما تغوص إلى داخل الأرض. ولكن مع تواصل الإشعاع الحراري من سطح الأرض الملتهب بدأ سطحها يبرد شيئا فشيئا إلى أن بدأ بالتجمد مكونا قشرة صلبة ولكنها رقيقة نسبيا ولكن سمك هذه القشرة بدأ بالازدياد مع مرور الزمن إلى أن وصل لعدة عشرات من الكيلومترات في الوقت الراهن.  

وعندما أصبح سمك القشرة الأرضية بالقدر الكافي بدأت المواد التي تقذف بها البراكين من جوف الأرض بالتراكم فوقه ليبدأ بذلك تكون الجبال والتي لا زال مشهد تكونها من البراكين قائما إلى يومنا هذا.  وعندما برد سطح الأرض بدأ بخار الماء بالتكثف ليغمر معظم سطح الأرض مكون محيط هائل من الماء. ولو أن الأرض بقيت على شكل كرة ملساء كما كان حالها عند بداية خلقها لغطت كمية الماء الموجودة على سطحها فقط جميع سطح الأرض بارتفاع  ثلاثة كيلومترات. ولكن بتقدير من الله  عز وجل وبسبب ضغط الماء الهائل على قشرة الأرض التي كانت طرية ورقيقة عند بداية تكونها فقد بدأ جزء من سطح الأرض بالانخفاض تحت وطأة هذا الضغط ممّا جلب مزيدا من الماء لهذا الجزء الذي واجه مزيدا من الانخفاض. وقد توالت هذه العملية حتى تجمع الماء في جهة واحدة من سطح الأرض وانحسر عن الجزء المتبقي من السطح الذي ارتفع مستواه بسبب الضغط المعاكس على القشرة من  داخل الأرض مكونا اليابسة. ولقد تأكدت هذه الحقيقة بعد اكتشاف علماء الجيولوجيا إلى أن المحيطات الحالية كانت محيطا واحدا  وكذلك القارات التي كانت قارة واحدة (Pangea) ولكن وبسبب حركة الصفائح التي تتكون منها القشرة الأرضية بدأت القارة الأولية بالانقسام إلى عدة قارات بشكل بطيء جدا بما يسمى ظاهرة انجراف القارات (continental drift).

والأرض لها شكل كروي بتبعج ضئيل حول خط الإستواء حيث يبلغ نصف قطرها عند خط الإستواء 6378 كيلومتر ويقل بمقدار 21 كيلومتر فقط عند القطبين وهو تبعج لا يكاد يلاحظ. ويبلغ وزن الأرض ستة آلاف بليون بليون طن تقريبا  (5.98×1024 kg) ومتوسط كثافتها 5,5 غرام لكل سنتيمتر مكعب (5.515 g/cm3). وتحتوي الأرض على جميع عناصر الطبيعة  البالغة 92 عنصرا  ولكن بنسب متفاوته حيث يشكل الحديد 32 % من وزن الأرض يليه الأوكسجين بنسبة 30% ثم السيليكون بنسبة 15% ثم المغنيسيوم بنسبة 14 % ثم الكبريت بنسبة 3 % ثم النيكل والكالسيوم بنسبة 2 % لكل منهما ثم الألمنيوم بنسبة 1 % بينما تشكل العناصر المتبقية النسبة المتبقية وهي 1 %. إن نسب العناصر الطبيعية في القشرة الأرضية يختلف كثيرا عن نسبها في الأرض ككل وذلك بسبب غوص العناصر الثقيلة كالحديد والنيكل إلى باطن الأرض وطفو العناصر الخفيفة وبعض مركبات العناصر الثقيلة إلى السطح حيث تبلغ نسبة الأوكسجين في القشرة الأرضية 47 % يليه السيليكون بنسبة 28 % ثم الألمنيوم بنسبة 8% ثم الحديد بنسبة 5 % ثم الكالسيوم بنسبة 4 % ثم الصوديوم والبوتاسيوم والمغنيسيوم بنسبة 2% لكل منها ثم بقية العناصر بنسبة 2 %. وتوجد العناصر في القشرة الأرضية على شكل مركبات كيميائية حيث تشكل السيليكا (SiO2) ما نسبته 60 % من القشرة القارية تليها الألومينا (Al2O3) بنسبة 15% ثم أكاسيد الحديد (FeO &  Fe2O3) بنسبة 6,6% ثم أكسيد الكالسيوم (CaO) بنسبة 5,5% ثم المغنيسيا (MgO) بنسبة 3,1% ثم أكسيد الصوديوم (Na2O) بنسبة 3% ثم أكسيد البوتاسيوم (K2O) بنسبة 2,8% ثم الماء (H2O) بنسبة 1,4% ثم ثاني أكسيد الكربون (CO2) بنسبة 1,2%.

ومن عجائب التقدير أن البشر يعيشون آمنين مطمئنين على ظهر كرة ملتهبة من المواد المنصهرة تبلغ درجة حرارتها عند مركز الأرض ستة آلاف درجة ويزيد نصف قطرها عن ستة آلاف كيلومتر ولا يعزلهم عن حرارتها إلا قشرة رقيقة من الصخور لا يتجاوز سمكها عشرات الكيلومترات. ولكن هذه القشرة الرقيقة هي التي ساعدت على بقاء مواد الأرض في حالتها المنصهرة حيث عملت كطبقة عازلة حالت دون إشعاع حرارة الأرض الداخلية إلى الفضاء الخارجي الذي تصل درجة حرارته قريبا من الصفر المطلق.  وفي الإبقاء على مواد الأرض الداخلية في حالة الانصهار حكمة بالغة حيث أن هذه المواد المنصهرة التي تخرج على شكل براكين من حين لآخر هي التي تزود سطح الأرض بالمواد اللازمة للكائنات الحية التي تعيش على سطح الأرض كالماء وثاني أكسيد الكربون وغيرها من العناصر الطبيعية.  ولو أن القشرة الأرضية قد تكونت وكانت بسمك لا يسمح بخروج المواد المنصهرة منها على شكل براكين فسيبقى سطح الأرض كرة ملساء  جامدة وقاحلة لا تضاريس عليها كما هو الحال مع أسطح كثير من كواكب المجموعة الشمسية. إن مصدر الحرارة الرئيسي الذي يسخن باطن الأرض هو العناصر المشعة حيث ينتج عن التحلل الإشعاعي لهذه العناصر كميات ضخمة من الطاقة أبقت على مواد باطن الأرض في حالة الإنصهار وهذه العناصر هي اليورانيوم 238 واليورانيوم 235 والثوريوم 232 والبوتاسيوم 40 والتي يقدر ما تنتج من الطاقة في الوقت الحالي بثلاثين مليون ميجاوات.   

تتكون الأرض من ثلاثة طبقات رئيسية وهي القشرة (crust) والوشاح (mantle) والقلب (core) وهي أشبه ما تكون بالبيضة والتي تتكون بدورها من ثلاثة طبقات وهي القشرة والزلال واللب. فالقشرة هي الطبقة الخارجية للأرض وهي طبقة صلبة يتراوح سمكها بين خمسة كيلومترات وسبعين كيلومتر وهي رقيقة جدا إذا ما قورنت بنصف قطر الكرة الأرضية الذي يبلغ 6378 كيلومتر أي أنها كنسبة وتناسب أرق من قشرة البيضة. وتتكون القشرة الأرضية بشكل رئيسي من مركبات السيليكا وأكاسيد الصوديوم والكالسيوم وتتراوح كثافتها بين 2,7 و 3 غم لكل سم مكعب وتشكل ما نسبته نصف(0,47)  بالمائة من وزن الأرض. ويوجد اختلاف واضح بين خصائص القشرة القارية (continental crust) والقشرة المحيطية (oceanic crust). فالقشرة المحيطية أقل سماكة من القشرة القارية حيث تتراوح سماكتها بين خمسة وعشرة كيلومترات وهي مكونة بشكل رئيسي من صخور بازلتية (basalt) والتي تتكون من السيليكا بنسبة خمسين بالمائة وأكاسيد المغنيسيوم والكالسيوم والحديد والألمنيوم والتيتانيوم  ويبلغ متوسط كثافتها 3 غم لكل سم مكعب. أما القشرة القارية فهي أكثر سماكة من القشرة المحيطية حيث تتراوح سماكتها بين عشرة كيلومترات وسبعين كيلومتر وهي مكونة بشكل رئيسي من صخور جرانيتية (granite) والتي تتكون من السيليكا بنسبة سبعين بالمائة والبقية من أكاسيد الألمنيوم والمغنيسيوم والصوديوم والكالسيوم والحديد ولذلك فهي أقل كثافة من القشرة المحيطية حيث تبلغ 2,8 غم لكل سم مكعب. وتزداد درجة حرارة مادة القشرة الأرضية مع مقدار عمقها حيث تصل إلى 600 درجة مئوية عند أسفلها.

 والقشرة الأرضية ليست كتلة واحدة متماسكة بل تتكون من عدد كبير من الصفائح التكتونية (tectonic plates) والتي تطفو على سطح طبقة الوشاح شبه السائلة التي تقع تحتها. ويوجد سبعة صفائح رئيسية تتراوح مساحتها بين أربعين ومائة مليون كيلومتر مربع وهي صفيحة المحيط الهادي وهي الأكبر حجما تليها الصفيحة الأفريقية ثم صفيحة أمريكا الشمالية ثم الصفيحة الأوروبية الأسيوية ثم صفيحة القطب الجنوبي ثم الصفيحة الهندية الأسترالية ثم صفيحة أمريكا الجنوبية. وأما الصفائح الثانوية فهي الصفيحة العربية والصفيحة الكاريبية وصفيحة نازكا التي تقع غرب أمريكا الجنوبية وصفيحة سكوشا التي تقع جنوب المحيط الأطلسي. وهذه الصفائح تتحرك ببطء شديد نتيجة لحركة تيارات الحمل التي تحدث في مادة الوشاح التي تقع تحتها وذلك بسبب التفاوت الكبير في درجة حرارة الوشاح عند الأعماق المختلفة وكذلك نتيجة لدوران الأرض حول محورها وتأثير جاذبية القمر والشمس. وتتحرك الصفائح المحيطية بسرعات أكبر حيث تتراوح  بين 50 و 70 ملليمتر في السنة بينما تتراوح بين 20 و 30 ملليمتر في السنة للصفائح القارية وذلك بسبب أن جذور الرواسي تلعب دورا كبيرا في إستقرار حركة القارات كما سنبين ذلك لاحقا. وبسبب حركة هذه الصفائح في الإتجاهات المختلفة فإنها إما تتصادم (Convergent boundaries) فتنتج الجبال أو تتباعد (Divergent boundaries) فتنتج الصدوع التي يتم ملؤها بمواد تخرج من طبقة الوشاح شبه السائلة أو تتراكب (Transform boundaries) حيث تنزلق صفيحة فوق الأخرى فتغوص الصفيحة السفلى في طبقة الوشاح (subduction).
 

وأما طبقة الوشاح فهي الطبقة الوسطى والتي تقع فيما بين القشرة والقلب ويبلغ سمكها 2900 كم وتتراوح كثافتها بين 3,3 و 5,6 غرام لكل سم مكعب وتشكل ما نسبته 67 بالمائة من وزن الأرض وهي تتكون من مركبات السيليكات وأكاسيد الحديد والمغنيسيوم والألمنيوم.  وتنقسم طبقة الوشاح  بدورها إلى طبقتين رئيسيتين وهما الوشاح العلوي (upper mantle) والوشاح السفلي (lower mantle). فالوشاح العلوي يتكون أيضا من طبقتين فالطبقة المجاورة للقشرة يطلق عليه مع القشرة إسم الغلاف الصخري (lithosphere) وهي طبقة صخرية كما هو الحال في القشرة ولكنها أكثر كثافة حيث تصل كثافتها إلى 3,3 غم لكل سم مكعب بسبب الإختلاف في تركيب صخورهما. وبسبب الإختلاف في الكثافة والتركيب الكيميائي لصخور كل من القشرة وهذه الطبقة فإنه يوجد حد فاصل وهمي بينهما يطلق عليه اسم حد موهو (Moho discontinuity). ويتراوح سمك هذه الطبقة تحت القارات بين 50 و 200 كيلومتر وتحت المحيطات بين 50 و 100 كيلومتر وتتراوح  درجة حرارتها بين 600 و 1000 درجة مئوية.

وتزداد سماكة طبقة الغلاف الصخري تحت مناطق معينة في القارات  وهي الرواسي (cratons) حيث تصل إلى 350 كيلومتر وذلك على شكل جذور (cratonic mantle roots) تغوص في الطبقة شبه السائلة التي تقع تحتها وهي طبقة  الغلاف الواهي (asthenosphere). والرواسي (cratons) هي الأجزاء المستقرة والقديمة من الغلاف الصخري القاري وهي عبارة عن صخور متبلورة شديدة الصلابة لها كثافة أقل من كثافة المناطق الأخرى وقد تشكلت عند بداية تكون القارات قبل بلايين السنين. وغالبا ما تقع الراواسي في منتصف الصفائح التكتونية (tectonic plates) وبالتحديد في المناطق التي  يسمى بالدروع (shields) كما جاء تعريفها في الويكيبيديا:

Cratons are generally found in the interiors of tectonic plates. They are characteristically composed of ancient crystalline basement rock, which may be covered by younger sedimentary rock. They have a thick crust and deep lithospheric roots that extend as much as several hundred kilometeres into the Earth's mantle.

أما الطبقة الثانية من طبقات الوشاح العلوي فهي ما يسمى بالغلاف الواهي (asthenosphere) وهي تمتد إلى عمق 700 كم تحت سطح الأرض وتبلغ درجة حرارتها 1000 درجة مئوية عند سطحها وتزداد حتى تصل إلى 1500 درجة عند قاعدتها وأما ضغطها فيتراوح بين 5000 و 15000 ميجاباسكال. وبسبب إرتفاع درجة حرارة هذه الطبقة فإن كثير من مكونات صخورها تكون في حالة السيولة ولذلك فإن الجزء الأعلى منها عالي اللزوجة  (highly viscous) ثم تقل اللزوجة في الأجزاء السفلى رغم إرتفاع درجة حرارة بسبب الضغط العالي الواقع عليها. ومن هذه الطبقة تخرج الحمم البركانية من خلال الشقوق (faults) التي تحدث في طبقة الغلاف الصخري وفيها تحدث تيارات الحمل (convection currents) التي تقوم بتحريك المواد من أسفل الطبقة إلى أعلاها بسبب الفارق الكبير في درجات الحرارة. وتعمل تيارات الحمل التي تتحرك بشكل موازي لسطح الأرض على تحريك الصفائح التكتونية معها مما يؤدي إلى إحداث شقوق فيها تخرج منها البراكين وكذلك إحداث تصادمات بينها مسببة الزلازل. وأما طبقة الوشاح السفلي (lower mantle) فيبلغ سمكها 2200 كم وتتراوح درجة حرارتها بين 1500 درجة مئوية عند أعلاها و 4000 درجة عند أسفلها وهي طبقة صلبة رغم إرتفاع درجة حرارتها بسبب الضغط الهائل الواقع عليها الذي يصل إلى 140 جيقاباسكال عند أسفلها.

وأما قلب الأرض فبيلغ نصف قطره 3400 كم أي ما يزيد قليلا عن النصف من نصف قطر الأرض البالغ 6378 كم وهو يتكون من طبقتين وهي القلب الداخلي (inner core) والقلب الخارجي (outer core). فاالقلب الداخلي على شكل كرة صلبة يبلغ نصف قطرها 1200 كم وهو مكون بشكل رئيسي من الحديد ونسبة قليلة من النيكل ولذلك فإن متوسط كثافته تبلغ 13 غرام لكل سم مكعب وتشكل ما نسبته 1,7 بالمائة من وزن الأرض. وتتراوح درجة حرارة القلب بين 5000 و 6000 درجة مئوية وهي درجة حرارة كافية لصهر جميع أنواع العناصر والمركبات ولكن بسبب الضغط الهائل الواقع على العناصر المكونة للقلب فإنها تبقى في حالة الصلابة حيث يصل الضغط إلى 360 جيقاباسكال. أما طبقة القلب الخارجي فيبلغ سمكها 2200 كم وتتكون كذلك من الحديد بشكل رئيسي والنيكل والكبريت وتبلغ متوسط كثافتها 10غرام لكل سم مكعب وتشكل ما نسبته 31 بالمائة من وزن الأرض. وتتراوح درجة حرارة هذه الطبقة بين 4000 و 5000 درجة مئوية وهي في  حالة السيولة حيث يخف الضغط إلى درجة تسمح بذوبان الحديد والنيكل. وبسبب الحالة السائلة لهذه الطبقة وتفاوت درجة حرارتها فإنه يوجد تيارات حمل تقوم بتحريك مادتها من أسفلها إلى أعلاها وهذه الحركة تولد تيارات كهربائية دوامة ضخمة تنتج المجال المغناطيسي للأرض وهو الذي يقوم بحماية الأرض من الرياح الشمسية (solar winds) التي تحمل كميات ضخمة من الجسيمات المشحونة كالبروتونات والإلكترونات.

وكما هو واضح من الشرح السابق فإن الأرض لها تركيب بالغ التعقيد فقشرتها الرقيقة نسبيا تطفو على طبقة شبه سائلة وهي الوشاح العلوي وكذلك فإن القلب الداخلي الصلب مغموس في داخل القلب الخارجي السائل مما يعني أن كلا من القشرة والقلب الداخلي قابلة للتحرك إذا ما تعرضت لأي قوة تؤثر عليهما. إن أول هذه القوى هي دوران الأرض حول محورها والتي قد تتسبب في إنزلاق هذه القشرة  حول الطبقة السائلة التي تفصلها عن الجسم الكلي للارض. فهذه القشرة تشكل أقل من نصف بالمائة من وزن الأرض وهذا يعني أن العزم الزاوي لهذه القشرة قليل جدا إذا ما قورن مع العزم الزاوي الكلي للأرض ومن المعروف أن العزم الزاوي للجسم يقاوم تأثير القوى التي قد تؤثر عليه. أما القوة الثانية فهي تيارات الحمل التي تحدث في طبقتي الوشاح والقلب الخارجي فهذه التيارات تصعد بالصخور المذابة من الطبقات السفلى للوشاح إلى أن تصل إلى الحد الأسفل للقشرة ثم تتحرك بشكل موازي للقشرة ثم تغوص إلى الأسفل بعد أن تبرد. إن تحرك هذه التيارات الضخمة بشكل موازي لسطح الأرض يعمل على سحب صفائح القشرة الأرضية معه وذلك حسب إتجاه هذه التيارات. أما القوة الثالثة فهي جاذبية القمر والني تحدث تيارات مد وجزر في طبقات الأرض السائلة أو شبه السائلة مما يحدث ضغطا على السطح الداخلي للقشرة الأرض فيعمل على تكسيرها وتحريكها. وكذلك فإن جاذبية القمر تعمل على تحريك القلب الداخلي الصلب في داخل القلب الخارجي السائل وهذه التحرك للقلب بإتجاه جاذبية القمر يعمل على دفع مواد الوشاح بإتجاه القشرة الأرضية. أما القوة الرابعة فهي الناتجة عن تصادم الصفائح التكتونية مع بعضها البعض والتي تحدث زلازل قوية في هذه الصفائح.

وبناء على ما تقدم فإنه يلزم تثبيت القشرة الأرضية بشكل قوي بطبقة الوشاح التي تحتها للتقليل من حركة صفائح القشرة الأرضية وخاصة الصفائح القارية المأهولة بالكائنات الحية وذلك عند تعرضها لمثل هذه القوى المختلفة. ومن الواضح أن الطريقة الوحيدة التي يمكن إستخدامها لتقليل حركة الصفائح التكتونية عند تعرضها لأي قوة هو أن يكون السطح الداخلي للقشرة  بالغ الخشونة وذلك على شكل تعرجات أو جذور عميقة تغوص في طبقة الوشاح العلوي شبه السائلة لتزيد من قوة الإحكتاك بينهما عند حدوث الحركة أي أنها تعمل كماص للصدمات (shock absorber). وهذا بالفعل ما تم إكتشافه في هذا العصر وما أشار إليه القرآن الكريم قبل أربعة عشر قرنا وذلك للتدليل على أن هذا الكون قد تم تصميمه وخلقه من قبل مبدع لا حدود لقدرته وإبداعه. لقد تبين للعلماء أولا أن سمك الغلاف الصخري (lithosphere) للكرة الأرضية والذي يتكون من القشرة والطبقة العليا من الوشاح العلوي يتراوح بين 50 و 300 كيلومتر بينما لا يتجاوز التفاوت في تضاريس سطح الأرض الخارجي عشرة كيلومترات وعليه فإن التفاوت في تضاريس السطح الداخلي يصل لمئات الكيلومترات مما يعني أنه سطح بالغ الخشونة إذا ما قورن بالسطح الخارجي. وقد وجد العلماء أيضا أن أطراف بعض الصفائح التكتونية (subduction slabs) وخاصة المحيطية منها تغوص في طبقة الوشاح لأعماق بعيدة قد تصل لعدة مئات من الكيلومترات مما يزيد من تثبيت القشرة الأرضية بما تحتها من طبقات الأرض.

أما الإكتشاف الأكثر إثارة والذي يعمل على تثبيت القشرة الأرضية فهو وجود ما أسماه العلماء بالرواسي (cratons) والتي تقع في منتصف الصفائح القارية وتتملك جذور (keels or roots) قد تمتد إلى عمق 350 كيلومتر في طبقة الوشاح. وكما شرحنا سابقا فإن هذا الرواسي تتكون من صخور بالغ القساوة وجافة وأقل كثافة من صخور المناطق المحيطة بها مما يحول دون غوصها في طبقة الوشاح وكذلك دون تآكل هذا الجذور من أثر الحرارة العالية لطبقة الوشاح رغم أنها تكونت مع بداية تكون القشرة الأرضية قبل أربعة بلايين سنة. إن هذه الرواسي هي الأنوية التي تشكلت حولها القارات المختلقة حيث أنها بقيت طافية فوق طبقة الوشاح بسبب قلة كثافتها وكذلك صمدت جذورها ضد التآكل بسبب صلابة صخورها وخصائصها الكيميائية والفيزيائية العجيبة. لقد أثبت العلماء بما لا يدع مجالا للشك أن هذه الرواسي تلعب دورا كبيرا في إستقرار القشرة الأرضية كما يتبين من النص التالي المأخوذ من الويكيبيديا (يوجد تحت الأجزاء الأقدم من الغلاف الصخري القاري والمسماة الرواسي مناطق سميكة وقليلة الكثافة وهي جذور الرواسي تساعد على إستقرار تلك المناطق):

) The oldest parts of continental lithosphere underlie cratons, and the mantle lithosphere there is thicker and less dense than typical; the relatively low density of such mantle "roots of cratons" helps to stabilize these regions.[2](.

وبسبب هذا الجذور العميقة وجد العلماء أن الصفائح القارية تتحرك بسرعات أقل بكثير من الصفائح المحيطية حيث تتراوح  في القارية بين 20 و 30 ملليمتر في السنة وما بين 50 و 70 ملليمتر في السنة في المحيطية.

وقد أكد باحثان جولوجيان في بحث نشر لهما عام 2002م بعنوان(On the relation between cratonic lithosphere thickness, plate motions, and basal drag, Artemieva I.M. and Mooney W.D. Tectonophysics, v. 358, 211-231, 2002) الدور الذي تلعبه الرواسي في التقليل من سرعة حركة الصفائح القارية. وقد بين البحث أن البيانات المأخوذة من الرواسي تدعم نموذج السحب القاعدي (“basal drag” model)  والذي تنبأ بأن سماكة الغلاف الصخري تتناسب عكسيا مع الجذر التربيعي لسرعة الصفيحة وهذا هو النص الأصلي:

The data for the Archean cratons supports the “basal drag” model,
which predicts the lithospheric thickness to be inverse proportional
to the square root of the plate velocity.

وقالا أيضا أن هذه الجذور إذا ما تآكلت بحيث يصبح طولها أقل من 200 كيلومتر بدلا من طولها الحالي وهو 350 كيلومتر سيؤدي إلى سهولة تحرك الصفيحة فوق طبقة الوشاح بسبب إنخفاض مقاومة هذه الجذور لحركة الصفيحة كما جاء بالنص في البحث المذكور:

  (Due to the viscosity-depth structure of the upper mantle, thinning of the Archean lithospheric keel will reduce basal drag and therefore resistance to plate motion. This will permit faster movement of the craton with respect to the underlying mantle, which, in turn, will enhance lithosphere erosion by the basal drag. If an Archean keel is thinned to significantly less than 200 km, the remaining lithospheric column will be a candidate for strong deformation in a collisional environment and for modification by metasomatism (i.e. invasion by volatiles and relatively enriched mantle magmas)

ولا زال العلماء يبحثون عن الآليات التي تكونت بها هذه الرواسي (cratons) وبهذه المواصفات العجيبة فمنهم من يقول أنها تكونت نتيجة للحرارة العالية التي كانت عليها طبقة الوشاح عند بداية تكون القشرة الأرضية. ولقد عثرت على بحث حول أحد هذه الرواسي في القارة الأفريقية يعتقد الباحث فيه أن أصله وأصل بقية الرواسي قد يكون من الفضاء والتي سقطت كنيازك ضخمة على الأرض وذلك بعد أن تكونت القشرة الأرضية البدائية والبحث بعنوان:

 (Kochemasov, G.G. 1983. The Congo craton: an old impact structure? Lunar and Planetary Institute, NASA Astrophysics Data System(

 ويقول هذا الباحث (إنه من المغري إقتراح أن أصل المنصات الأرضية لما قبل العصر الكامبري قياسا على رواسي الكنغو قد نتج عن إصطدام نيازك ضخمة قديمة والتحامها بالقشرة الأرضية البدائية بعد أن ذابت ثم تجمدت في موقع الإصطدام في القشرة وفي جزء من الوشاح العلوي) وهذا هو النص الإنكليزي لما قاله هذا الباحث حول أصل الرواسي:

)It is tempting to suggest that origin of  Earth's precambrian platforms by analogy with the Congo caraton is related to consolidation of the primitive crust by old (4,5-3,8 Myr) gigantic impacts melting and condensing at the impact site of the crust and some part of the upper mantle.(

وأخيرا نعود لشرح حل اللغز الذي جعل جذور هذه الرواسي تصمد لبلايين السنين ولم تتآكل وهي مغموسة في داخل وشاح سائل تزيد درجة حرارته عن ألف درجة مئوية وذلك لكي تقوم بوظيفتها في حفظ استقرار القارات ومنعها من أن تميد بسكانها. ومن جملة ما قال الباحثون حول هذا اللغز قولهم (إن الثبات الظاهر للرواسي وكذلك جذورها لبلايين السنين يصعب تفسيرها بنماذج الديناميكا الأرضية) وقولهم كذلك (إن من أكبر التحديات وضع نماذج جيوديناميكية يمكنها الحفاظ على جذور مستقرة للرواسي في داخل وشاح متطور ومتجدد لعدة بلايين من السنين).

"The apparent stability of Archean cratons and cratonic keels for billions of years is a difficult observation for geodynamic modeling to explain.23 "It has been quite challenging to produce geodynamical models that maintain stable cratonic keels in a convecting mantle over several billion years of mantle evolution."23

 ولقد تمكن مجموعة من الباحثين من وكالة ناسا ومن جامعات أمريكية من حل هذا اللغز في بحثهم المعنون (المحتوى المائي للأوليفين في القشرة القارية وطول عمر الرواسي)

Olivine water contents in the continental lithosphere and the longevity of cratons, Anne H. Peslier,1, 2 Alan B. Woodland,3 David R. Bell4 & Marina Lazarov3Journal name: , NatureVolume:, 467,Pages: 78–81Date published:, (02 September 2010)


وهذه ترجمة بتصرف لملخص بحثهم المبين أسفل هذه الترجمة  (تحتوي الرواسي التي هي المراكز القديمة للقارات على أقدم قشرة ووشاح على الأرض أي ما يزيد عن بليوني سنة. وتمتد هذه الرواسي سطحيا لمئات الكيلومترات وتغوص لأعماق تتراوح بين 180 و 250 كيلومتر على شكل جذور لها تركيب كيميائي وفيزيائي يختلف عن تلك التي للوشاح المحيط بها. وتعتبر الرواسي أسمك غلاف صخري في كوكبنا وتعمل كعوارض صلبة معزولة عن الوشاح السائل المتدفق حولها وكان التساؤل كيف بقيت هذه الرواسي معزولة طول هذه الفترة الزمنية عن الوشاح السائل. وفي بحثنا هذا أثبتنا من خلال صخر الأولوفين المأخوذ من أحد الرواسي الأفريقية أنها فقيرة بالماء وتمتلك تباين كافي في درجة اللزوجة عن محيطها مما يحقق معيار الإستقرار الذي تتطلبه حسابات الديناميكا الأرضية. لقد حلت نتائج دراستنا السر المحير وهو لماذا قاومت القارات القديمة إعادة التجديد وذلك على العكس من الصفائح المحيطية ذات العمر القصير)

(DOI:

Cratons, the ancient cores of continents, contain the oldest crust and mantle on the Earth (>2Gyr old)1. They extend laterally for hundreds of kilometres, and are underlain to depths of 180–250km by mantle roots that are chemically and physically distinct from the surrounding mantle2, 3, 4. Forming the thickest lithosphere on our planet, they act as rigid keels isolated from the flowing asthenosphere5; however, it has remained an open question how these large portions of the mantle can stay isolated for so long from mantle convection. Here we show that olivine in peridotite xenoliths from the lithosphere–asthenosphere boundary region of the Kaapvaal craton mantle root are water-poor and provide sufficient viscosity contrast with underlying asthenosphere to satisfy the stability criteria required by geodynamic calculations9. Our results provide a solution to a puzzling mystery of plate tectonics, namely why the oldest continents, in contrast to short-lived oceanic plates, have resisted recycling into the interior of our tectonically dynamic planet.)

لقد أشار القرآن الكريم قبل أربعة عشر قرنا إلى مسألة عدم إستقرار القشرة الأرضية في غياب ما يمكن أن يثبتها رغم أن البشر في ذلك العصر وحتى معظم الناس في هذه العصر لا يعلمون أن القشرة الأرضية التي يعيشون عليه تطفو على بحر من الصخور الذائبة وهي معرضة للحركة فوقه إذا ما أثرت عليها قوة ما. لقد أطلق القرآن الكريم إسم الرواسي على الأجسام التي تقوم بثبيت القشرة الأرضية فوق طبقة الوشاح شبه السائلة وهذا الإسم مشتق من الفعل رسى والذي يعني الثبات والرسوخ فهذه القشرة ترسو فوق الوشاح كما ترسو السفينة في الميناء بعد أن تلقي مرساتها في قاع البحر. ولقد ذكر القرآن الكريم الرواسي في آيات كثيرة للتدليل على أهميتها وأكد على الدور الذي تلعبه في تثبيت القشرة الأرضية في آيتين وهما في قوله تعالى (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) النحل) وقوله تعالى (وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31) الأنبياء). فهاتان الآيتان تؤكدان على أن الدور الرئيسي الذي تقوم به الرواسي هو منع القشرة الأرضية من أن تميد بمن عليها من سكان. والميد هو تحرك الشيء واضطرابه وهو أشد من التزلزل فالتزلزل ينتج عنه إهتزاز القشرة الأرضية دون أن تنزاح عن مكانها أما الميد فقد ينتج عنه إنزياح القشرة عن مكانها. إن إستخدام كلمة ألقى في الأية الأولي قد يشير إلى أن هذا الرواسي أو بعضها قد سقط من السماء على شكل إرتطامات ضخمة كما أشار إلى ذلك أحد الباحثين في هذا المجال بينما قد يكون إستخدام كلمة جعلنا إلى أن الرواسي قد تشكلت من القشرة الأرضية تحت ظروف معينة لا زال العلماء يبحثون عن طبيعتها. وقد وردت كلمتي ألقى وجعل في آيات أخرى كما في قوله تعالى (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) ق) وقوله تعالى (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19)الحجر) وقوله تعالى (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10)فصلت) وقوله تعالى (أَمْ مَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61) النمل) وقوله تعالى (وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) النازعات) وقوله تعالى (وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (27) المرسلات).

أما الأية التي تحدد الآلية التي تعمل من خلالها الرواسي في تثبيت القشرة الأرضية فهي قوله تعالى (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) النبأ). وهذه الآية رغم أنها تتكون من كلمتين فقط إلا أنها تلخص مئات الأبحاث التي قام بها علماء الجيولوجيا لكشف الآلية التي تحول دون إنزلاق القشرة الأرضية فوق طبقة الوشاح شبه السائلة رغم وجود قوى كثيرة تؤثر عليها كدوران الأرض حول محورها وتصادم الصفائح التكتونية ببعضها البعض وحركة تيارات الحمل في طبقة الوشاح وغيرها. فجذور الجبال أو الرواسي الصلبة تغوص في طبقة الوشاح السائلة كما تغوص الأوتاد في التراب والتي تثبت الخيم وبيوت الشعر عند دقها في الأرض وربط الحبال بها. وتتم عملية تثبيت جذور الرواسي للقشرة الأرضية من خلال الإحتكاك العالى (drag) بين هذه الجذور وطبقة الوشاح المحيطة بها. وكما أشرنا إلى ذلك سابقا فإن اللغز الكبير الذي كان يحير العلماء هو صمود هذه الجذور ضد التأكل رغم وجودها في وشاح سائل تزيد حرارته عن ألف درجة مئوية لما يزيد عن أربعة بلايين سنة بينما يذيب هذه الوشاح بقية الصخور الموجودة في بقية القشرة الأرضية. وأخيرا نختم بوصف دقيق لأهمية جذور الرواسي في حفظ إتزان القارات مأخوذ من أحد المواقع الإلكترونية والذي ينص: (في هذا العالم يوجد مناطق قديمة من القشرة الأرضية تسمى الرواسي والتي قاومت التآكل من قبل كوكبنا المتغير, وشكرا لجذور هذه الرواسي التي يظهر أنها السبب في مقاومة هذه المناطق الجيولوجية للتغيرات الكبيرة التي حدثت للقشرة الأرضية, وجذور الرواسي هي جزء من الوشاح تقع تحت الرواسي وتمتد كما يمتد جذر السن في الوشاح الذي تحته) وهو ترجمة للنص الإنجليزي التالي:

(Throughout the world there exist regions of ancient crust, referred to as cratons, which have resisted being recycled into the interior of our tectonically dynamic planet. These geologic anomalies appear to have withstood major deformation thanks to the presence of mantle roots. A mantle root is a portion of Earth’s mantle that lies beneath the craton, extending like the root of a tooth into the rest of the underlying mantle.)