2013-07-28

كنز العرب


كنز العرب


الدكتور منصور أبو  شريعة العبادي \جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية





إن مما أيد الله به رسله وأنبيائه هو إطلاعهم على بعض الغيبيات التي إذا ما أخبروا الناس بها ووقعت بعد حين فإن ذلك دليلا على صدق دعواهم فالغيب لا يعلمه أحد إلا الله مصداقا لقوله تعالى "قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُون" النمل 65. إن معجزة الإخبار عن بعض الغيبيات هي المعجزة الرئيسية للأنبياء أما الرسل فغالبا ما يؤيدون بمعجزات أخرى يجريها الله على أيديهم أمام الناس وذلك لكي يتمكنوا من إبلاغ رسالاتهم ولذلك فقد سمي النبي نبيا لقدرته على التنبؤ بوقوع بعض الأحداث في المستقبل وذلك بإذن الله. وقد تكون بعض الأحداث المتنبأ به قصيرة الأمد وذلك لإقناع معاصري ذلك النبي بصدق دعواه وبعضها طويلة الأمد تحدث بعد مئات أو آلاف السنين لتقنع  الأجيال اللاحقة التي تقع في عصرها تلك الأحداث المتنبأ به بصدق دعوى من تنبأ بها من رسول أو نبي. فمن النبوءات قصيرة الأمد التي ذكرها القرآن الكريم إخبار يوسف عليه السلام من معه من السجناء بما سيحضر لهم من طعام وذلك في قوله تعالى "قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي" يوسف 37 وإخبار عيسى عليه السلام من حوله من الناس بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم وذلك في قوله تعالى"وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ" آل عمران 49.

 أما النبوءات بعيدة الأمد فهي من الكثرة بمكان فقد تنبأ أنبياء بني إسرائيل ابتداء من موسى عليه السلام ومرورا بعشرات الأنبياء منهم وانتهاء بعيسى عليه السلام بنبوءات كثيرة ذكرت في التوراة والإنجيل وفي صحف بقية أنبياء بني إسرائيل. ومن أهم نبوءات التوراة والإنجيل النبوءة المتعلقة بمبعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والتي أكد عليه القرآن الكريم في قوله تعالى "وَإِذْ قَالَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ" الصف 6. ولقد ذكر القرآن الكريم كثيرا من النبوءات قصيرة وبعيد الأمد فمن النبوءات قصيرة الأمد إخباره بانتصار الروم على الفرس وبانتصار المسلمين على المشركين في فتح مكة وعلى اليهود في عدة غزوات أما النبوءات طويلة الأمد فمعظمها يتعلق بالأحداث التي ستحدث قبيل قيام الساعة أو ما يسمى بأشراط الساعة.  أما سيدنا محمد صلى الله عليه فقد تنبأ بنبوءات قصيرة الأمد لا حصر لعددها وقد تحققت في حياته صلى الله عليه وسلم  كما ذكرت ذلك كتب السنة النبوية كإخباره عليه الصلاة والسلام عما يدور في خواطر من حوله وعمن ينوي قتله وعمن يموت أو يقتل في أماكن بعيدة كموت النجاشي ومقتل كسرى فتأتي الأخبار فتأكد صدق ما أخبر به. أما النبوءات طويلة الأمد فهي كثيرة جدا فقد ذكر الإِمام أحمد بن حنبل: حدثنا أبو عاصم، حدثنا عروة عن ثابت، حدثنا عليان بن أحمد البكري، حدثنا أبو زيد الأنصاري قال: "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر ثم نزل فصلى العصر ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غابت الشمس فحدثنا بما كان وما هو كائن فأعلمنا أحفظنا". وقال أبو داود في أول كتاب الفتن من سننه: حدثنا عثمان عن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة قال: "قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً" "فما تَرَكَ شيئاً يكونُ في مقَامِهِ ذلك إلى قيام الساعة إلا حدثه حَفِظَه من حفظه ونسيَه من نَسِيه قد عَلمَه أصحابي هؤلاء وإِنَّهُ ليكون الشيءُ فأذكُرة كما يذكر الرجلُ وجهَ الرجل إذا غَابَ عَنْهُ ثم إذا رَآهُ عَرَفَه".

ومن النبوءات التي تنبأ بها نبينا صلى الله عليه وسلم وتبين صدق ما تنبأ به في عصرنا هذا هي النبوءة المتعلقة بما يسمى بكنز العرب.  فقد ذكر ابن ماجه في سننه: حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَأَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالاَ: حدّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قَلاَبَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءِ الرَّحَبِيِّ، عَنْ ثَوْبَانَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((يَقْتَتلُ عِنْدَ كَنْزِكُمْ ثَلاَثَةٌ كُلُّهُمُ ابْنُ خَلِيفَةٍ. ثُمَّ لاَ يَصِيرُ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ. ثُمَّ نَطْلُعُ الرَّايَاتُ السُّودُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ. فَيَقْتُلُوَنَكُمْ قَتْلاً لَمْ يُقْتَلْهُ قَوْمٌ)). ثُمَّ ذَكَرَ شَيْئاً لاَ أَحْفَظُهُ. فَقَالَ ((فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَبَايِعُوهُ وَلَوْ حَبْواً عَلَى الثَّلْجِ. فَإِنَّهُ خَلِيفَةُ اللهِ، الْمَهْدِيُّ)). في الزوائد: هذا إسناده صحيح. رجاله ثقات. ورواه الحاكم في المستدرك، وقال. صحيح على شرط الشيخين. ومن الواضح أن هذا الحديث قد لا يكون بكامل نصه الأصلي فقد نسي الراوي بعض الأحداث التي ستحدث بعد اكتشاف الكنز واقتتال الناس عليه إلى أن يخرج المهدي عليه السلام.  وكما هو الحال مع كثير من النبوءات التي تصاغ كلماتها بطريقة رمزية وهي أشبه ما تكون بالألغاز فإنه من الصعب معرفة مغزاها على وجه التحديد من قبل الناس إلا بعد وقوعها ولذلك فقد فسر بعض العلماء القدامى هذا الكنز بأنه كنز الكعبة وذلك اعتمادا على حديثين من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الأول ذكر في مسند أبي داود في باب النهي عن تهيج الحبشة، حدثنا القاسم بن أحمد، حدثنا أبو عامر، حدثنا زهير، عن موسى بن جبير، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اتركوا الحبشة ما تركوكم، فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة. أما الحديث الثاني فقد رواه مسلم في صحيحه بعدة أوجه لخصها الألباني فقال حدثنا بيان بن عمرو حدثنا يزيد حدثنا جرير بن حازم حدثنا يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك  وليس عندي من النفقة ما يقوي على بناءه  لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله ولهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض ثم لبنيتها على أساس إبراهيم وجعلت لها بابين موضوعين في الأرض  بابا شرقيا  يدخل الناس منه  وبابا غربيا  يخرجون منه  وزدت فيها ستة أذرع من الحجر.

وسأبين من خلال الشرح التالي بما لا يدع مجالا للشك بأن كنز الكعبة لا يمكن أن يكون هو كنز العرب المذكور في الحديث رغم أني لا أنكر أن يكون تحت الكعبة كنزا تصديقا لأحاديث نبينا صلى الله عليه وسلم رغم أننا لا نعرف طبيعة هذا الكنز ولا مقداره ولا من وضعه. أولا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما خاطب العرب بقوله يقتتل عند كنزكم نسب الكنز للعرب وليس للكعبة كما جاء في بقية الأحاديث وتقتضي هذه النسبة أن يكون هذا الكنز من الكبر بحيث يكفي العرب كل العرب. ثانيا أن قيمة كنز الكعبة ليست بالمقدار الذي يكفي كل العرب والدليل على ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما فكر في استخراجه أراد أن يستخدم ثمنه في توسعة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم عليه السلام وينفق ما تبقى في سبيل الله. ثالثا لو أن الكعبة بكاملها قد ملئت ذهبا فلن يكون هذا كافيا لأن يطلق على هذا الكنز بكنز العرب حيث أن هذا الكنز لو وزع على جميع العرب على قلة عددهم في ذلك العصر لما كان نصيب الواحد منهم عدة دراهم . رابعا لقد مر ما يزيد على ألف وأربعمائة عام على معرفة الناس أن تحت الكعبة كنزا ولكن لم يحاول أحد أن يستخرج كنزها رغم أنه مر على الأمة الإسلامية فترات من الفوضى وصل الأمر فيها إلى سرقة الحجر الأسود على يد القرامطة. خامسا فلقد ذكر الحديث أن الذين يقتتلون عند الكنز كلهم ابن خليفة أي أنهم ملوك أبناء ملوك ولا اعتقد بأن هؤلاء الملوك سيتقاتلون على مثل كنز الكعبة فأقل الملوك ملكا في أيامنا هذه أو في العصور التي خلت عنده من المال ما يزيد أضعافا مضاعفة عن كنز الكعبة. سادسا لقد حدد الحديث زمن الاقتتال على كنز العرب وهو الزمن الذي سيظهر فيه المهدي عليه السلام وقد ذكرت أحاديث كثيرة أن المهدي سيظهر في آخر الزمان وأن ظهوره من علامات الساعة الصغرى مما يعني أن هذا الكنز سيتم كشفه في زمان ظهور المهدي.        


إن كنز العرب من الضخامة بمكان بحيث أنه أغنى العرب لخمسين عاما خلت وسيغنيهم لفترة مماثلة في المستقبل وما هذا الكنز إلا البترول والغاز والذي يوجد أكبر مخزون لهما في بلاد العرب وخاصة في السعودية والعراق والكويت. فلقد بلغ مجموع معدل الإنتاج اليومي للدول العربية من البترول في عام 2007م  خمسة وعشرين مليون برميل يوميا من أصل خمسة وسبعين مليون برميل للإنتاج العالمي حيث أنتجت السعودية تقريبا عشرة ملايين برميل تليها الإمارات العربية ثلاثة ملايين برميل ثم الكويت مليونيين ونصف برميل  ثم الجزائر والعراق وليبيا مليوني برميل لكل منها ثم قطر مليون برميل ثم عمان ومصر وسورية والسودان واليمن بما مجموعه مليونين ونصف برميل. ولو أننا قدرنا ثمن برميل البترول بمائة دولار في عام 2007م لكان مجموع ما يدخل على الدول العربية من ثمنه في العام الواحد تسعمائة بليون دولار ولو تم توزيع هذا المبلغ على جميع سكان الدول العربية البالغ عددهم ثلاثمائة مليون فرد لكان نصيب الفرد الواحد منهم ثلاثة آلاف دولار في العام!




 إن معظم العرب يعيشون في صحراء قاحلة وبالكاد يجدون الماء الذي يشربونه والطعام الذي يأكلونه ولكن الله سبحانه وتعالى أنعم عليهم بنعمة الإسلام فبدأت خيرات الأرض تجبى إليهم من كل أصقاع الأرض كما كانت تجبى إلى مكة المكرمة بفضل دعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام. ولقد خبأ الله لهؤلاء العرب في باطن الأرض كنزا لا مثيل له وقد قدر الله سبحانه وتعالى أن يخرجه لهم في آخر الزمان كما تنبأ بذلك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. ولقد قدر العلماء ما تبقى من بترول في بلاد العرب وذلك في عام 2007م بمائتين وستين بليون برميل في السعودية وهو يكفيها لثمانين عاما قادمة على افتراض معدل الإنتاج الحالي ومائة وخمسة عشر بليون برميل في العراق ومائة بليون برميل لكل من الكويت والإمارات العربية ويشكل المخزون العربي من المخزون العالمي للبترول  بستة وخمسين بالمائة. وفي مقابل ذلك فإن مخزون الولايات المتحدة الأمريكية من البترول يبلغ عشرين بليون برميل وسينفد خلال عشرة أعوام فقط بينما يبلغ المخزون الروسي ستون بليون برميل وسينفد خلال خمسة عشر عاما مع التذكير بأن هاتين الدولتين العظميين من أكبر مستهلكي البترول.     




لقد ربط رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ذكر كنز العرب مع الاقتتال عليه وحري بمثل هذا الكنز العظيم أن يقتتل عليه لا لثمنه فقط بل لأن اقتصاديات العالم بكاملها تقوم عليه فجميع ما تنتجه مصانع ومزارع العالم يعتمد على مشتقات البترول ناهيك عن اعتماد جميع وسائل النقل وكثير من محطات الكهرباء عليه. إن توقف إمداد البترول لأي دولة وخاصة الدول الصناعية سيصيب اقتصادها بالشلل التام ولذلك فلا عجب أن تعمل هذه الدول وخاصة القوية منها على تأمين احتياجاتها من البترول على المدى القصير والطويل. وما الحروب الثلاث التي شهدتها منطقة الخليج العربي في غضون عشرين عاما إلا أكبر دليل على تخوف الدول الكبرى من توقف إمداد البترول العربي لها فالحرب العراقية الإيرانية أشعلت فتيلها الولايات المتحدة الأمريكية وذلك لتخوفها من سيطرة الثورة الإيرانية على منابع النفط في العراق والخليج وكذلك الحال مع حرب تحرير الكويت من الغزو العراقي والتي ما كانت إلا خطوة تمهيدية لاحتلال العراق بالكامل من قبل الأمريكان والسيطرة على أكبر مخزون للبترول في العالم.

 
وما هذه الحروب الثلاثة إلا مقدمة لحروب كثيرة ستقع في هذه المنطقة وذلك طمعا في هذا الكنز العظيم كما تنبأ بذلك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. فقد روى ابن ماجة في سننه: حدّثنا أَبُو بَكْرِ أَبِي شَيْبَةَ. حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هَرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَحْسِرَ الْفُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَب. فَيُقَتَلُ النَّاسُ عَلَيْهِ. فَيُقْتَلُ، مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ، تِسْعَةٌ)). في الزوائد: إسناده صحيح، رجاله ثقات. ورواية أبي داود بلفظ: يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب. فمن حضر فلا يأخذ منه شيئاً. وكما ذكرنا سابقا فإن النبوءات لا تفسر كلماتها على ظاهر معناها بل يؤخذ المعنى المجازي لها فجبل الذهب الذي سيحسر عنه الفرات ليس بالضرورة جبلا من ذهب حقيقي بل هو إشارة لهذا الكنز العظيم من مخزون البترول والذي لو تم تحويل ثمنه إلى ذهب لشكل جبلا حقيقيا من الذهب. ومما يثير الدهشة في حديث انحسار الفرات أن معظم المخزون العربي وحتى الإيراني من البترول يقع في المنطقة المحيطة بالفرات ابتداء من شمال العراق ومرورا بمصبه في الخليج العربي ومن ثم المنطقة المحيطة بالخليج العربي يأكمله كما واضح في الصورة المرفقة حيث تبين المنطقة المخططة مكان كنز العرب.


ولا يستكثر القارئ أن ينص الحديث على أنه سيقتل من كل عشرة تسعة أو من كل مائة تسعة وتسعين في نص آخر في الحروب التي ستقع في منطقة كنز العرب ففي الحروب الثلاثة الماضية فقط قتل من العراقيين والإيرانيين عدة ملايين من الجنود والمدنيين وذلك بسبب استخدام هذه الأسلحة الفتاكة وسيكون عدد القتلى أكثر من هذا بكثير في الحروب القادمة خاصة إذا ما كان الصراع بين دول عظمى.  

2013-07-27

الصخرة التي خرجت منها ناقة صالح

الصخرة التي خرجت منها ناقة صالح
 
الدكتور منصور أبوشريعة العبادي
جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية
صورة بالأقمار الصناعي للصخرة التي يعتقد انه خرجت منها ناقصة نبي الله صالح
لقد ذكرنا في مقالة سابقة بعنوان "وثمود الذين جابوا الصخر بالواد" أن الوصف القرآني لمساكن قوم ثمود أو ما سمي بمدائن صالح جاء مطابقا لما أظهرته الصور المأخوذة من الجوجل إيرث لهذه المساكن. فمدائن صالح كما وصفها القرآن الكريم تقع في واد واسع يمتد من الشمال إلى الجنوب و يبلغ أقصى عرض له ما يقرب من خمسة عشر كيلومتر ثم يضيق وهو يتجه إلى الجنوب إلى أن يصل إلى أقل من كيلومتر عن مدينة العلا التي تقع إلى الجنوب من المدائن على بعد عشرين كيلومتر. ويحيط بهذا الواد سلاسل جبلية شاهقة فالسلسلة الغربية الشمالية من الواد يصل إرتفاعها إلى ألف وخمسمائة متر عن سطح البحر بينما يصل ارتفاع السلسلة الجنوبية الشرقية إلى ألف متر أما ارتفاع أرض الواد المنبسطة فيبلغ ثمانمائة متر عن سطح البحر. وفي هذه المقالة سنقوم بالاستعانة بصور الجوجل إيرث والمواصفات المذكورة في تفاسير القرآن الكريم للصخرة التي خرجت منها الناقة بتحديد مكان هذه الصخرة.
فقد جاء في تفاسير القرآن الكريم من أن الناقة التي أرسلها الله سبحانه وتعالى كآية إلى قوم ثمود قد خرجت من صخرة عظيمة تقع منفلردة في ناحية الحجر. وقد ذكر المفسرون أن ثمود اجتمعوا يوماً في ناديهم فجاءهم رسول الله صالح فدعاهم إلى الله وذكرهم وحذرهم ووعظهم وأمرهم فقالوا له: إن أنت أخرجت لنا من هذه الصخرة - وأشاروا إلى صخرة هناك - ناقة من صفتها كيت وكيت وذكروا أوصافاً سموها ونعتوها وتعنتوا فيها، وأن تكون عشراء، طويلة من صفتها كذا وكذا فقال لهم النبي صالح عليه السلام: أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم على الوجه الذي طلبتم أتؤمنون بما جئتكم به وتصدقوني فيما أرسلت به؟ قالوا: نعم. فأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك. ثم قام إلى مصلاه فصلى لله عز وجل ما قدر له ثم دعا ربه عز وجل أن يجيبهم إلى ما طلبوا فأمر الله عز وجل تلك الصخرة أن تنفطر عن ناقة عظيمة عشراء على الوجه المطلوب الذي طلبوا أو على الصفة التي نعتوا فلما عاينوها كذلك رأوا أمراً عظيماً ومنظراً هائلاً وقدرة باهرة ودليلاً قاطعاً وبرهاناً ساطعاً فآمن كثير منهم واستمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم.
وقد يسأل سائل عن المصدر الذي استقى منه المفسرون هذه الروايات عن مواصفات الصخرة وكذلك الناقة والطريقة التي عقرت بها وحتى أسماء الأشخاص الذين تآمروا على قتلها. والجواب على ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قص على أصحابه كثيرا من تفصيلات قصة صالح عليه السلام مع قومه عند مروره بالحجر في طريقه إلى تبوك وقد حفظها من حفظها ونسيها من نسيها. فقد روى أبو الزبير عن جابر قال : لما نزلنا الحجر فغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك ، قال : « أَيُّهَا النَّاسُ لاَ تَسْأَلُوا عَن هَذِهِ الآياتِ [ هؤلاء ] قَوْمُ صَالِحٍ سَأَلُوا نَبِيَّهُم أَن يَبْعَثَ اللَّهُ لَهُم آيَةً ، فَبَعَثَ اللَّهُ لَهُم نَاقَةً فَكَانَتْ تَرِدُ مِن ذَلَكِ الفَجَ فَتَشْرَبُ مَاءَهُم يَوْمَ وُرُودِهَا وَيَحْلِبُونَ مِنْهَا مِثْلَ الَّذِي كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْهَا يَوْمَ غِبِّهَا وَيَصْدِرُونَ عَن ذَلِكَ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَنَبِئّهُمْ أَنَّ الْمَآءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُم} » الآية.
وروى البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم ألا يشربوا من بئرها ولا يستقوا منها فقالوا: قد عجنا واستقينا فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي تردها الناقة.
ويتبين لنا من هذه الأحاديث أنه إذا كان رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم قد حدد الفج الذي كانت تدخل منه الناقة والبئر التي كانت تشرب منه فلا يستعبد أن يكون قد حدد الصخرة التي خرجت منها وكذلك بقية التفاصيل المتعلقة بها وقام الصحابة بتداولها كروايات دون نسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما مواصفات الصخرة فسنستخلصها من كتب التفسير ثم نقوم بمقارنتها بمواصفات الصخور الموجودة في الوادي اعتمادا على صور الجوجل إيرث. فقد جاء في تفسير ابن كثير ما نصه "وفي الصحيح عن ابن عمر أن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر أرض ثمود، فاستقوا وكانوا هم الذين سألوا صالحاً أن يأتيهم بآية واقترحوا عليه بأن تخرج لهم من صخرة صماء عينوها بأنفسهم وهي صخرة منفردة في ناحية الحجر يقال لها الكاتبة فطلبوا منه أن تخرج لهم منها ناقة عشراء تمخض فأخذ عليهم صالح العهود والمواثيق لئن أجابهم الله إلى سؤالهم وأجابهم إلى طلبتهم ليؤمنن به وليتبعنه فلما أعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم قام صالح عليه السلام إلى صلاته ودعا الله عز وجل فتحركت تلك الصخرة ثم انصدعت عن ناقة جوفاء وبراء يتحرك جنينها بين جنبيها كما سألوا". وإذا ما دققنا النظر في صورة الجوجل إيرث التالية نلاحظ وجود صخرة عظيمة مغطاة بالسواد تقع منفردة في أعلى يمين الواد.
وهذه الصخرة من الضخامة بحيث أنها أقرب لئن تكون جبلا صخريا وهي ذات شكل عجيب مما يؤكد على الرواية التي تقول أن ثمود كانت تعبد آصنامها عندها. ويبلغ أقصى طول للصخرة ألف وخمسمائة متر أما أقصى عرض لها فيبلغ 700 متر ويبلغ أقصى ارتفاع لها مائة متر عن الأرض المحيطة بها. وسنسوق الآن الأدلة التي تثبت أن هذه الصخرة هي التي أخرج الله منها الناقة التي أرسلها آية كدليل على صدق سيدنا صالح عليه السلام.
فأول هذه الأدلة أن الرواية تقول أن اسم هذه الصخرة هي الكاتبة وكما هو معروف فإن الكتابة هي من أعمال اليد وإذا ما تفحصنا شكل الصخرة في الصورة التالية نجد أنها على شكل كف اليد حيث يخرج من الصخرة ما يشبه أصابع اليد. وفي الزمن الحاضر فإن الناس يسمون هذه الصخرة بجبل الحوار حيث أن حوار الناقة قد عاد إليها بعد أن قتلت أمه وغاب فيها بعد أن رغى ثلاث رغيات وهي عدد الأيام التي أمهل بها صالح عليه السلام قومه قبل أن يحل بهم العذاب. أما الدليل الثاني فنستخلصه من قول الرواية أن الصخرة قد تحركت ثم انصدعت عن الناقة وهذا ما تبينه الصورة حيث يظهر أن الصخرة قد أصابها خسف عند أطرافها ويصل مقدار الخسف عند أحد الأطراف ما يقرب من ثمانين مترا. إن خروج ناقة عظيمة الحجم كما ذكرت الروايات من قلب الصخرة لا بد وأن يحدث تشوها في شكل الصخرة مما أدى إلى انهيار جوانبها ليتركها الله عز وجل دليلا على ولادة الناقة من الصخرة.
والعجيب أنه لا يوجد بين صخور الواد إلا هذه الصخرة وصخرة آخرى على مقربة منها قد أصابها الخسف مما يدل على أن حدثا ما قد أصاب هذه الصخرة وهو خروج الناقة منها. أما الدليل الثالث فهو وجود فوهة بركانية ذات لون أسود على قمة الصخرة وهي على شكل ناقة في حالة الجلوس. ويبلغ طول فوهة البركان ما يقرب من خمسين مترا وعرضها ما يقرب من عشرين مترا. إن وجود فوهة بركانية على مثل هذه الصخرة يثير كثيرا من التساؤلات عسى أن يجيب عليها الأخوة المختصون في علوم الجيولوجيا. فالصخرة رغم كبر حجمها إلا أنها من غير السهل أن تتحمل ثورة بركانية دون أن تتفتت من قوة الانفجار. أما التساؤل الثاني فهو أن حدود فوهة البركان واضحة تمام الوضوح ولها شكل هندسي عجيب وهو على غير أشكال الفوهات المعهودة كالدائرية والبيضاوية.
وأما التساؤل الثالث فهو غياب الحمم البركانية من حول الفوهة مما يعني أن البركان قد ثار لفترة زمنية فصيرة وبقوة رهيبة دفعت بحممه بعيدا عن المنطقة المحيطة به. وسأعرض هنا الطريقة التي عوقب بها قوم صالح بعد أن كذبوا صالح وقاموا بقتل الناقة فقد تساعد على الإجابة على هذه التساؤلات. فقد ورد في القرآن الكريم أن القوم قد عذبوا بالرجفة والصيحة وذلك في قوله تعالى "وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (68)" هود وقوله تعالى "فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79)" الأعراف.
وجاء في تفسير ابن كثير ما نصه في تفسير هذه الآيات "وأصبح ثمود يوم الخميس وهو اليوم الأول من أيام النظرة ووجوههم مصفرة كما وعدهم صالح عليه السلام, وأصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل وهو يوم الجمعة ووجوههم محمرة, وأصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع وهو يوم السبت ووجوههم مسودة, فلما أصبحوا من يوم الأحد وقد تحنطوا وقعدوا ينتظرون نقمة الله وعذابه عياذاً بالله من ذلك لا يدرون ماذا يفعل بهم ولا كيف يأتيهم العذاب, وأشرقت الشمس جاءتهم صيحة من السماء ورجفة شديدة من أسفل منهم, ففاضت الأرواح وزهقت النفوس في ساعة واحدة". وكما هو معروف فإن ثورات البراكين يسبقها غالبا زلازل وهذا ما حدث في منطقة الحجر فقد بدأت الأرض بالتزلزل بشدة ثم ثارت البراكين من ثلاث مواقع وهي قمم جبلين يقعان غرب مدائن صالح ومن الصخرة التي خرجت منها الناقة كما هو واضح من صورة الجوجل إيرث. وكما ذكرنا سابقا فإن غياب الحمم البركانية حول فوهات البراكين الثلاث يؤكد على أنها ثارت لفترة زمنية قصيرة جدا ولكن بشدة عالية جدا أحدثت صوت انفجار هائل قطع قلوب القوم فماتوا لتوهم. إن هذا النوع من البراكين يسمى بالبركان الراشق (spatter volcanoe) حيث أن معظم ما يخرج منه من مواد تتكون من غازات مختلفة كبخار الماء وثاني أكسيد الكربون وعادة ما يتكون حواف بارزة حول حافة البركان كما هو ظاهر في الصور.
ويتبين من الصورة الأخيرة كيف أن الفوهة البركانية التي تقع على الجبل الذي يبعد كيلومتر ونصف إلى الغرب من الصخرة لها نفس مواصفات الفوهة البركانية الموجودة على الصخرة مما يؤكد أنهما حدثتا في نفس الوقت ويؤكد كذلك على قوة ضغط الغازات المحبوسة بحيث أنها تفجرت في ثلاث مواقع متقاربة لا تتجاوز عدة كيلومترات. أما ما يثير العجب فهو وجود البركان على هذه الصخرة التي خرجت منها الناقة رغم وجود بركان كبير في الجبل المجاور كان بإمكانه أن يحول دون ظهور يركان الصخرة ولكن الله أراد أن يري الناس عجائب قدرته فانبجس البركان من نفس المكان الذي خرجت منه الناقة حيث أن خروج الناقة من قلب الصخرة سبب ضعفا في قشرتها مما أدى إلى خروج جزء من الغازات المحبوسة منها محدثة صوتا مدويا لا يمكن لبشر أن يتحمله وصدق الله العظيم القائل "إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31)" القمر.